
المعلم الباحث: توثيق تجربة الحرب في التعليم كمعرفة تربوية ، بقلم : نسيم قبها
في خضمّ الحرب، لا تكتفي المدرسة الفلسطينية بالدفاع عن حقّها في البقاء؛ بل تُجبر على إعادة تعريف البقاء ذاته. فحين تتحوّل الصفوف إلى ملاجئ، والسبورات إلى جدران متناثرة، والمناهج إلى ذاكرة مهدَّدة، يجد المعلم نفسه أمام سؤال وجودي أعمق من “كيف أُعلّم؟”: كيف أوثّق ما يحدث، حتى لا يُسرق المعنى من تحت الأنقاض؟ هنا يولد “المعلم الباحث” بوصفه ضرورة وجودية، لا ترفًا أكاديميًا. إنه المعلم الذي يرفض أن يكون مجرّد ضحية في سردية الحرب، فيتحوّل إلى شاهد يكتب، وباحث يجمع الشظايا، وصانع معرفة تربوية من رحم الألم.
لطالما ارتبط مفهوم “المعلم الباحث” في الأدبيات التربوية بالبحث الإجرائي وتطوير الممارسة الصفية. لكن في السياق الفلسطيني، وتحت وطأة الإبادة المستمرة، يكتسب هذا المفهوم أبعادًا فلسفية جديدة. فالمعلم هنا لا يبحث عن حلول لمشكلات تعلّم عابرة، بل يبحث عن معنى التعليم نفسه عندما تُستهدف شروط الحياة. تقول إحدى الدراسات الميدانية التي وثّقت حياة المعلمين في غزة إن التعليم تحوّل من أولوية وطنية إلى “معركة بقاء”، ولم يعد المعلم “ناقل معرفة”، بل أصبح “فاعلًا إنسانيًا ونفسيًا واجتماعيًا” يحمل مسؤولية حماية التوازن النفسي للأطفال والحفاظ على معنى التعليم في آن واحد. هذا التحوّل الجذري هو ما يجعل من توثيق تجربة الحرب ضرورة معرفية: فالمعرفة التربوية لا تُستورد من خارج السياق، بل تُستنبت من داخل الفوضى، من الإصغاء إلى المعلمين أنفسهم، ومن الاعتراف بأن أصواتهم شرط لأي مستقبل تربوي ممكن.
إن توثيق تجربة الحرب ليس عملية تسجيل محايدة. إنه فعل مقاومة ضد ما يسميه الباحثون “الإبادة المعرفية” — أي استهداف البنية التعليمية والذاكرة الجماعية والرواية. حين يجلس معلم في غزة ليدوّن ما جرى، فإنه لا يوثّق حدثًا فحسب، بل يؤسّس لأرشيف مضاد، يرفض أن تُمحى تجربة الطلاب والمعلمين من السجلات الرسمية. وقد أدركت مؤسسات تربوية فلسطينية هذا البعد، فأطلقت مبادرات مثل دراسة “نحمل أصواتهم ونكتب بأسمائهم”، حيث حمل الباحثون مسؤولية التوثيق “لا من موقع المراقب، بل من قلب الحدث، من بين الأنقاض، ومن داخل الصفوف التي تحوّلت إلى ملاجئ”. هذا الموقع الوجودي للباحث — كونه جزءًا من المعاناة لا مراقبًا خارجيًا لها — هو ما يمنح المعرفة التربوية المستخلصة صدقها وصلابتها.
لكن المعلم الباحث في زمن الحرب يواجه إشكالية أخلاقية ومنهجية عميقة: كيف يوثّق الألم دون أن يتحوّل إلى مستغلّ له؟ كيف يجمع الشهادات دون أن ينتهك خصوصية الرواة في ذروة هشاشتهم؟ تتحدث إحدى التجارب البحثية عن تردّد الفريق قبل الانخراط في التوثيق: “هل أخلاقي أن نطلب من أهل القطاع رواية معاناتهم في ذروة الألم؟”. وقد أدّى هذا السؤال إلى اختيار منهجي جريء: التخلّي عن الإجراءات البحثية التقليدية لصالح “الاحترام الكامل لخصوصية الرواة”، والتحوّل من الاستجواب إلى الإصغاء، ومن جمع البيانات إلى حمل الأصوات. هنا تتجلّى فلسفة تربوية بديلة: المعرفة لا تُنتزع من الناس، بل تُبنى معهم؛ والباحث ليس مالكًا للرواية، بل أمينًا عليها.
بهذا المعنى، يصبح توثيق تجربة الحرب ممارسة تربوية تحرّرية. فالمعلم الذي يوثّق لا يكتفي بتسجيل الدمار، بل يشارك في إعادة بناء الذاكرة والهوية. وتؤكد الأدبيات أن التعليم في فلسطين، في سياقات الإشغال والنزوح والإبادة، يتحوّل إلى “موقع للمقاومة والبقاء”، حيث يُغذّي التعلّم الذاكرة الاجتماعية والهوية والعمل الجماعي. إن الصف الذي يوثّق قصصه، والخيمة التي تتحوّل إلى حلقة بحثية، والطفل الذي يُسأل عن تجربته لا عن إجاباته النموذجية — كل هذه لحظات تربوية تُنتج معرفة لا توجد في أي كتاب منهج ومقرر. إنها معرفة “من أسفل”، تنبع من الحياة اليومية تحت القصف، وتُشكّل بديلًا عن الخطاب التربوي الرسمي الذي انهارت بنيته المؤسسية.
وهنا يكمن البعد الفلسفي الأعمق: إن المعلم الباحث يرفض أن تكون الحرب مجرّد كارثة تُروى لاحقًا. إنه يصرّ على أن الحرب تُنتج معرفة، وأن هذه المعرفة يجب أن تكون جزءًا من أي تفكير تربوي مستقبلي. فبدلًا من انتظار “عودة الحياة إلى طبيعتها” لبدء البحث، يُدخل البحث في نسيج الحياة نفسها، حتى لو كانت الحياة تحت الحصار. بهذا المعنى، فإن توثيق تجربة الحرب ليس ردّ فعل على الماضي، بل فعل تأسيسي للمستقبل. إنه يقول: لن نسمح بأن تُبنى المناهج القادمة وكأن شيئًا لم يحدث. إن الألم الذي عاشه الطلاب والمعلمون سيصبح نصًا تربويًا، وشهادةً، وذاكرةً حيّة تُلهم أجيالًا.
في النهاية، المعلم الباحث في فلسطين ليس باحثًا بالمعنى الأكاديمي الضيق. إنه شاهد، ومؤرّخ، ومربٍّ، ومقاوم. وهو حين يوثّق، فإنه لا يوثّق لنفسه، بل لمن لا صوت لهم. وحين يكتب، فإنه يكتب بأسماء الأطفال الذين قالوا: “احكوا عنا، احملوا رسالتنا”. وهكذا يتحوّل توثيق الحرب من مهمة بحثية إلى أمانة تربوية: أن نحفظ الذاكرة، وأن نصنع من الجرح معرفة، وأن نؤمن بأن التعليم، حتى في قلب الدمار، قادر على أن يكون فعل أمل ومقاومة وكرامة.
- نسيم قبها / الإئتلاف التربوي الفلسطيني
الحملة الغربية للتعليم للجميع
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.