
شفا – حين تمشي الفلسفة على أوتار الروح: مساءلة الوجود والحنين في حبر الشاعرة والباحثة نادرة معمر قاسمي
حوار : عطا درغام
تستقر الكتابة لدى المبدعة التونسية نادرة معمر قاسمي في تلك المنطقة البرزخية الرهيفة الفاصلة بين صرامة التفكير الفلسفي وسيولة التدفق الوجداني؛ فهي لا تكتب لترميم العاطفة فحسب، بل تمارس حفرًا معرفيًا يختبر المسافات، والغياب، والتحولات الروحية للإنسان المعاصر. من أروقة البحث الأكاديمي في الحداثة والمغايرة، تحمل هذه الباحثة أدواتها لتصوغ نصوصًا نثرية وقصائد تنبض بأسئلة الذات، متجاوزة الأنماط التقليدية للكتابة لتقدم رؤية جمالية تتقاطع فيها الذاكرة بالوعي. يتبدى حبرها كحالة من التجلي الإنساني الذي يعيد صياغة الفقد، الحنين، والضوء؛ بوصفها تجارب وجودية حية يتشارك فيها المبدع والقارئ على حد سواء. هنا، نفتح دفتري الفكر والشعر، لنعبر الممرات الخلفية لإصداراتها عبر أسئلة مكثفة تغوص في عمق المتن وخبايا الأسلوب وقضايا التعبير.
المحور الأول ديوان مرايا الغياب: استنطاق المفقود والذاكرة
1-ما الذي تعكسه المرايا حين يكون الغياب هو الموضوع والمشاهد معا وكيف يتشكل الفقد داخل النص دون السقوط في رثائية تقليدية؟
لا تعكس مرايا الغياب ما فقدناه فحسب ،بل تكشف أيضًا ما خلّفه الفقد في أعماقنا من تحوّلات. وقد كان والدي، رحمه الله، الحاضر الغائب في هذا الديوان، أهديته إليه وفاء لروحه التي ما زالت تسكنني، واعترافا بكونه الجذر الأول لكتاباتي والمنبع الذي انبثقت منه علاقتي بالكلمة. فمنذ غيابه، لم يعد الفقد ذكرى أستحضرها بل أصبح حضورًا خفيّا يرافقني في الكتابة ويمنح الحرف شيئا من صوته وأثره. والغياب في هذا الديوان ليس موضوعا أبكيه من الخارج بل تجربة أعيد اكتشاف الذات من خلالها. لذلك لم أشأ أن أستسلم للرثاء المباشر، بقدر ما سعيت إلى تحويل الحزن إلى معرفة، والوجع إلى سؤال، والصمت إلى لغة تستحضر ما لم يعد حاضرا إلا بأثره. إنني لا أرثي والدي بقدر ما أصغي إلى ما أبقاه في داخلي من حياة، فهو.. وإن غاب عن العين، ما زال حاضرا في وجداني وفي كل كلمة أخطّها، وكأن الكتابة محاولة دائمة لترميم المسافة بين الغياب والحضور، ولإبقاء الصلة به حيّة ما بقي في القلب نبض وفي الروح حرف.
2- إلى أي مدى تحولت الذاكرة في هذا العمل من مخزن للاسترجاع إلى أداة لإعادة بناء الواقع البديل؟
ليست الذاكرة ارشيفا محايدا للماضي لأنها فعل انتقاء وتأويل وإعادة بناء. حين أستعيد ذكرى لا أسترجعها كما وقعت تماما بل كما أعادت التجربة تشكيلها في داخلي. ؛ومن هنا تصبح الكتابة مساحة أسترد فيها ما تعذّر استرداده في الواقع لا لأزوّر الماضي، وإنما لأمنحه دلالة جديدة. والنص لا يعيد الزمن إلى الوراء لكنه يتيح لنا أن نعيش علاقتنا به على نحو مختلف.
3- يتأرجح النص بين الغياب المادي والغياب الروحي، فكيف وظفت الكلمة النثرية لتجسيد الفراغ وجعله مرئيا للقارئ؟
اعتمدت على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى الصورة التي تترك في القارئ أثرا يتجاوز معناها المباشر. فالفراغ لا يُرى بذاته وإنما بما يتركه من اختلال في الأشياء والعلاقات. قد يصبح كرسي خال أكثر بلاغة من خطاب طويل، وقد تختصر نافذة مغلقة حكاية روح لم تعد تجد سبيلا إلى التواصل. وفي النثر الشعري أجد حرية في بناء هذه المساحات الصامتة حيث يغدو المحذوف جزءا من المعنى ويصبح الصمت شكلا آخر من أشكال الكلام.
4-هل يمثل هذا الإصدار محاولة للمصالحة مع الزمن أم هو احتجاج مغلف بالصمت على تحولات الأمكنة والوجوه؟
أراه حركة متوترة بين المصالحة والاحتجاج. فالمصالحة لا تعني أنني تجاوزت الألم أو قبلت التحولات بلا مساءلة وإنما أنني أحاول فهم ما فعله الزمن بنا وبالأمكنة التي احتضنت حكاياتنا. أما الاحتجاج فينبع من رفضي أن يتحول التغيّر إلى محو للذاكرة وأن تصبح الوجوه التي صنعت جزءا من هويتنا مجرد تفاصيل منسية. أكتب لأتصالح مع استحالة استعادة الماضي وأحتج على كل ما يجعل الإنسان غريبا عن جذوره وذاكرته.
5-كيف توازنين بين ذاتية تجربة الفقد الشخصي وبين الشمولية الإنسانية التي تجعل كل قارئ يرى غيابه الخاص في مرآتك؟
أؤمن أن التجربة الشخصية تبلغ أعمق أبعادها حين تتجاوز حدود صاحبها. أبدأ من جرح أعرفه ومن ذكرى تخصني لكنني أحاول أن أحررها من خصوصيتها الضيقة، حتى تصبح قادرة على ملامسة تجارب الآخرين. لا أكتب نيابة عن أحد بل أترك في النص مساحة يلتقي فيها القارئ بذاته. وحين يجد القارئ غيابه الخاص في كلماتي، تكون التجربة قد انتقلت من الاعتراف الفردي إلى المشترك الإنساني.
المحور الثاني: ديوان حديث الأرواح: التجليات الروحية والوجود
6-حين تتحدث الأرواح في نصوصك، ما اللغة الفلسفية التي تستعيرينها للتعبير عن قلق الوجود البشري؟
لا أستعير الفلسفة بوصفها نسقا جاهزا من المفاهيم بل أتعامل معها باعتبارها حساسية تجاه الأسئلة التي لا تستنفدها الإجابات. ما يشغلني هو الإنسان في مواجهته لذاته، وحيرته أمام الزمن والموت والمعنى. لذلك تتداخل في نصوصي لغة التأمل مع لغة الوجدان، من غير أن تتحول القصيدة إلى شرح نظري. أريد للفكرة أن تنبض داخل الصورة، وأن تتجسد في التجربة لأن السؤال حين يسكن الشعر يصبح أكثر قدرة على ملامسة الإنسان.
7-كيف يتجلى الصراع بين الجسد والروح في هذا المتن وكيف يخدم هذا التوتر الفكري مسار القصيدة؟
لا أتعامل مع الجسد والروح باعتبارهما خصمين بالضرورة ،بل بوصفهما بعدين تتشكل بينهما معاناة الإنسان ورغبته في تجاوز محدوديته. الجسد يذكّرنا بحدودنا المادية بينما تتطلع الروح إلى ما يتجاوز المرئي والمباشر. ومن هذا التوتر تنشأ حركة القصيدة فهي لا تبحث عن انتصار أحدهما على الآخر، إنما تحاول الإصغاء إلى التناقض الذي يجعل الإنسان كائنا راغبا في المطلق ومحكوما في الوقت نفسه بشروط وجوده المحدود.
8-هل يمثل حديث الأرواح سعيا نحو العزلة والإنصات إلى الداخل أم محاولة لربط الذات الفردية بالكون المتسع؟
الإنصات إلى الداخل ليس انسحابا من العالم ،إنما هو محاولة لفهمه انطلاقا من الذات. حين أقترب من أعماقي أكتشف أن أسئلتي ليست معزولة عن أسئلة الآخرين، وأن القلق الذي أحمله يتردد بأشكال مختلفة في تجارب البشر. لذلك تتجاوز العزلة في هذا الديوان معناها المكاني لتصبح لحظة تأمل واتصال. فالذات التي تنصت بصدق إلى نفسها قد تكتشف على نحو أعمق صلتها بالكون وبمصائر الكائنات.
9- كيف تعاملت مع تساؤلات الموت والخلود والمعنى دون أن تفقد القصيدة شاعريتها وتتحول إلى تنظير جاف؟
أترك للصورة والاستعارة أن تحملا ما تعجز العبارة التقريرية عن نقله. فالموت، مثلا ليس مفهوما فلسفيا فحسب بل تجربة تتجسد في غياب وجه، أو انطفاء صوت، أو انقطاع علاقة. أما الخلود فلا أختزله في إجابة نهائية بل أراه سؤالا عن الأثر الذي يتركه الإنسان في الذاكرة والحياة. أحافظ على شعرية النص حين أمنح الفكرة جسدا محسوسا وأترك للمتلقي حرية تأويلها بدل أن أفرض عليه خلاصة جاهزة.
10- ما الحدود الفاصلة في هذه النصوص بين الإشراق الروحي بمعناه الإنساني والتفكير التأملي القائم على الشك والمساءلة؟
لا أرى بينهما حدوًدا صارمة، فالإشراق الذي لا يمر عبر السؤال قد يتحول إلى يقين مغلق، والشك الذي لا يترك نافذة للأمل قد ينتهي إلى العدمية. ما أبحث عنه هو توازن يسمح للروح بأن تتطلع وللعقل بأن يسائل، وللتجربة الإنسانية بأن تظل مفتوحة على احتمالاتها. لا أريد أن أقدم حقيقة مكتملة بقدر ما أريد أن أوقظ في القارئ حساسيته تجاه المجهول وأن أجعل التأمل طريقا إلى اتساع الوعي لا إلى إغلاقه.
المحور الثالث ديوان العزف على وتر المسافة: الحنين والموسيقى الداخلية
11- المسافة عادة ما تقاس بالأبعاد فكيف تحولت في ديوانك إلى حالة نفسية ووتر يُعزف عليه لإنتاج موسيقى الحنين؟
المسافة في هذا الديوان ليست ما يفصل بين مكانين فحسب بل ما يتشكل داخل الإنسان حين يتعذر عليه الوصول إلى ما يحب. قد تفصلنا آلاف الكيلومترات عن مكان نشعر بالقرب منه، وقد نكون إلى جوار شخص ونشعر بأن بيننا وبينه مسافة لا تُقاس. ومن هذا التناقض وُلد الوتر الذي أعزف عليه. فكلما اتسعت المسافة في الواقع ازدادت قدرتها على إيقاظ الذاكرة وتحولت إلى إيقاع داخلي تتردد فيه نبرة الحنين.
12-كيف يتقاطع المكان المتروك والمكان المأمول في صياغة الصورة الشعرية داخل هذا العمل؟
المكان المتروك يحمل أثر ما كان، والمكان المأمول يحمل إمكانية ما يمكن أن يكون. وبينهما تتحرك الذات معلقة بين ذاكرة لا تستطيع التخلي عنها ومستقبل لم يتخذ صورته النهائية بعد. لذلك لا أتعامل مع المكان باعتباره خلفية للأحداث لا بوصفه حاملا للعاطفة وفاعلا في تشكيلها. وقد يصبح المكان الذي غادرناه أكثر حضورا من المكان الذي نعيش فيه لأن الذاكرة تمنحه حياة تتجاوز حدوده الجغرافية.
13-في ظل العزف المستمر، هل أصبحت المسافة في نظرك عائقًا يمنع الوصال أم أنها أصبحت المحرك الأساسي لاستمرار الكتابة؟
أصبحت المسافة بالنسبة إليّ شرطا من شروط الكتابة، لأنها تخلق الحاجة إلى التعبير وتمنح الأشياء فرصة للظهور من زاوية مختلفة. فحين نكون داخل التجربة قد لا ننتبه إلى تفاصيلها لكن المسافة تمنحنا القدرة على رؤيتها وتأملها وإعادة اكتشافها. لا أنكر أن المسافة قد تكون عائقًا مؤلمًا، لكنها قد تتحول أيضًا إلى مساحة للإبداع وربما لولا بعض المسافات لما كُتبت نصوص كثيرة، ولما اكتشفنا أن ما يبدو بعيدا عن متناول اليد قد يكون شديد القرب من الروح. لذلك لا أتعامل مع المسافة باعتبارها نهاية الوصال، بل أراها أحيانا شكلا آخر منه. فالكتابة نفسها محاولة للوصول إلى ما لا نستطيع بلوغه بالحضور المباشر.
14-كيف استطاع النثر في هذا الديوان محاكاة الإيقاع الموسيقي الداخلي ليعوض غياب الأوزان الخليلية؟
أؤمن بأن الموسيقى الشعرية لا تختزل في الوزن والقافية، وإن كنت أقدّر قيمة الموسيقى العروضية وجمالياتها. فالنثر الشعري يمتلك إيقاعه الخاص الذي يتولد من حركة الجملة، وتكرار المفردات، وتوازن الصور، والتوازي التركيبي، وتوزيع الوقفات.
في هذا الديوان حاولت أن أستمع إلى إيقاع النص قبل أن أكتبه وأن أترك للجملة حرية اختيار طولها وقصرها وفق الحالة الشعورية التي تحملها. أحيانا تكون الجملة الطويلة ضرورية لمحاكاة تدفق الحنين وأحيانا تصبح الجملة القصيرة أكثر قدرة على التعبير عن الانقطاع أو الصمت.إن الموسيقى الداخلية ليست غيابا للنظام إنما هي نظام آخر تصنعه حساسية اللغة ووعي الكاتب بإيقاعها.
15-لأسماء والأمكنة تتحول في العمل إلى أوطان خفية، فكيف يسهم هذا التحول في حماية الهوية الذاتية من التلاشي؟
أعتقد أن الأسماء والأمكنة في ديوان العزف على وتر المسافة ليست مجرد علامات لغوية أو جغرافية بل هي امتدادات للذات وطبقات من ذاكرتها ووجدانها. فالمكان الذي نغادره لا يغادرنا بالضرورة، والاسم الذي ارتبط بمرحلة من حياتنا يظل قادرًا على استحضار عالم كامل من المشاعر والتجارب.
لقد حاولت أن أجعل من هذه الأسماء والأمكنة أوطانا خفية تسكن اللغة وتمنح الذات ملاذا من التلاشي والاقتلاع. فحين يفقد الإنسان قربه من المكان يستطيع أن يستعيده بالكتابة، وحين تغيب الوجوه تبقى أسماؤها شاهدة على ما تركته في الروح. والكتابة هنا ليست استعادة للماضي بقدر ما هي إعادة خلق له؛ إنها تمنح الغائب حضورا رمزيا وتحول الذاكرة إلى فضاء بديل نستطيع أن نحتمي فيه من قسوة التحولات. ومن هذا المنطلق، تصبح الهوية فعل تذكّر ومقاومة في آن واحد..مقاومة للنسيان، ولتبدل الأمكنة ولتآكل الروابط الإنسانية.
فالأوطان الحقيقية ليست دائما تلك التي نولد فيها أو نقيم داخل حدودها بل قد تكون أسماء نحملها، ووجوها تسكننا وأمكنة نعيد بناءها كلما كتبنا. وربما لهذا كان العزف على وتر المسافة محاولة لتحويل البعد إلى صلة، والغياب إلى حضور، والحنين إلى وطن لا تستطيع المسافات أن تنتزعه منا.
16- يحمل العنوان تفاؤلا بالانفتاح، فما هي التحولات الفكرية التي نقلت قلمك من تأمل الغياب والمسافة إلى ترقب “ازهار الضوء”؟
لا أعتقد أنني انتقلت من الغياب إلى الضوء انتقالا قاطعا أو أنني تخليت عن أسئلة الدواوين السابقة. ما حدث هو أن رؤيتي للأشياء أصبحت أكثر قدرة على استيعاب التناقضات.
لقد أدركت مع الزمن أن الكتابة لا ينبغي أن تبقى أسيرة الألم مهما كان هذا الألم عميقا وصادقا. فالإنسان لا يُختزل في خساراته كما أن الحياة لا تتوقف عند لحظات الانكسار.
حين يزهر الضوء لا يمثل قطيعة مع الماضي بل امتدادا له ونضجا في التعامل معه. فالضوء الذي أبحث عنه ليس ضوءا ساذجا يتجاهل العتمة وإنما هو ضوء يولد من معرفة العتمة والعبور من خلالها. لقد أصبحت أكثر إيمانا بأن الجمال إمكانية إنسانية للمقاومة وأن الأمل ليس إنكارا للواقع بل موقف واع في مواجهته.
17- كيف يتشكل «الضوء» كقيمة معرفية وجمالية وسط عتمة الواقع الإنساني الذي ترصدينه؟
الضوء في تصوري ليس مجرد استعارة للتفاؤل بل هو قيمة معرفية وأخلاقية وجمالية. إنه القدرة على الرؤية والفهم وعلى اكتشاف ما تخفيه المظاهر السطحية للأشياء.
قد يكون الضوء لحظة وعي، أو فكرة تحرر الإنسان من وهم، أو موقفا إنسانيا يعيد إليه ثقته بالعالم. أما من الناحية الجمالية فقد حاولت أن أجعل الضوء عنصرا متحركا في النص، يتجلى في الصورة واللغة والإيقاع، ولا يقتصر على وصف الطبيعة أو المشاهد الحسية. إنه ضوء يتصل بالداخل الإنساني ويمنح الأشياء العادية قدرة على استعادة دهشتها.
18- القصيدة هنا ترفض أن تكون مجرد أداة إمتاع، فكيف صممتِ النص ليكون شريكا للمتلقي في إنتاج المعنى وليس مجرد مستهلك له؟
أؤمن بأن النص الأدبي لا يكتمل عند لحظة كتابته بل يواصل تشكله من خلال القراءة. فالكاتب يقدم تجربته ورؤيته كن القارئ يأتي بذاكرته وأسئلته وخبراته الخاصة ومن هذا اللقاء يتولد المعنى. ذلك لا أميل إلى إغلاق النص بتفسير واحد، أو تقديم إجابات جاهزة تمنع القارئ من المشاركة في التأويل.
أترك في النص مساحات للإيحاء والاحتمال وأعتمد على الصورة التي تفتح أكثر من نافذة للقراءة. فالقارئ ليس متلقيا سلبيا، بل شريك في بناء التجربة الجمالية والفكرية.
وأعتقد أن نجاح النص لا يقاس فقط بما يقوله وإنما أيضا بما يوقظه في داخل من يقرؤه.
19-هل يمثل هذا الإصدار محاولة لتقديم إجابات جديدة للأسئلة القديمة، أم أنه يفتح آفاقا لطرح أسئلة أكثر عمقا؟
أميل إلى الخيار الثاني. فالكتابة بالنسبة إليّ ليست مشروعا لإنتاج اليقينيات بل هي رحلة متجددة في البحث عن المعنى.
كلما اعتقدنا أننا اقتربنا من إجابة اكتشفنا أن وراءها أسئلة أخرى أكثر عمقا واتساعا.
في “حين يزهر الضوء” لا أزعم أنني وجدت الإجابات النهائية عن أسئلة الوجود والإنسان والحب والزمن وإنما أحاول أن أقترب منها برؤية أكثر نضجا ووعيا.
إنني أرى أن قيمة الأدب تكمن في قدرته على إبقاء السؤال حيّا وعلى تحرير العقل من الأجوبة الجاهزة التي تحول الإنسان إلى كائن مكتفٍ بما يعرف.
20- كيف تضافرت الرؤية الفكرية والأبعاد الجمالية لإنتاج لغة تتسم بالوضوح دون السقوط في المباشرة والسطحية؟
أعتبر أن الوضوح لا يعني تبسيط التجربة إلى حد تسطيحها، كما أن العمق لا يعني تعقيد اللغة أو إثقالها بالمصطلحات.
أحاول أن أجد التوازن بين الفكرة والصورة، وبين ما أريد قوله وما تقتضيه جمالية التعبير. فالفكرة الفلسفية حين تدخل القصيدة ينبغي أن تتحول إلى تجربة محسوسة، لا أن تبقى مفهومًا مجردًا.
وأحرص على أن تكون اللغة شفافة بما يكفي لتصل إلى القارئ، وغنية بما يكفي لتدعوه إلى التأمل وإعادة القراءة.
بالنسبة إليّ، أجمل الكتابة هي التي تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تترك وراءها أسئلة ومعاني تتكشف تدريجيًا.
المحور الخامس: الأسلوب والقضايا الإبداعية:التقاطع الفلسفي والخصوصية التعبيرية
21- بين صرامة المفاهيم الفلسفية وسيولة العاطفة الشعرية، كيف تديرين هذه العلاقة في صياغة الجملة دون أن تطغى واحدة على الأخرى؟
أتعامل مع الفلسفة بوصفها أفقًا للتفكير، ومع الشعر بوصفه أفقًا للشعور والتعبير. ولا أرى
22- يلاحظ الاعتماد الواسع على النص النثري والشذرة الوجدانية، فما الذي يمنحه هذا القالب لكِ وتضيق عنه الأشكال الشعرية الأخرى؟
النثر يمنحني حرية واسعة في بناء النص وتشكيل إيقاعه، ويتيح لي الانتقال بين التأمل والسرد والتكثيف الشعري دون قيود شكلية مسبقة.
أما الشذرة الوجدانية، فأجد فيها قدرة خاصة على التقاط اللحظات المكثفة التي يصعب أحيانًا التعبير عنها في نص طويل. إنها تشبه ومضة فكرية أو شعورية، لكنها قد تحمل داخلها عالمًا كاملًا.
ومع ذلك، لا أتعامل مع قصيدة النثر باعتبارها مساحة للكتابة العفوية أو غياب البناء، بل أرى أنها تحتاج إلى وعي شديد باللغة والإيقاع والتكثيف والصورة.
فالحرية الفنية لا تعني غياب الضوابط الجمالية، وإنما تعني امتلاك القدرة على ابتكار نظام تعبيري خاص.بينهما تناقضًا، بل أعتبر أن أجمل لحظات الكتابة هي تلك التي تتداخل فيها الفكرة مع العاطفة دون أن تفقد كل منهما خصوصيتها.
لا أبدأ عادةً من مفهوم فلسفي أريد شرحه، وإنما من حالة إنسانية أو سؤال يثير داخلي قلقًا أو دهشة، ثم تتدخل الرؤية الفكرية لتمنح التجربة أبعادًا أوسع.
وأحرص على ألا تتحول القصيدة إلى محاضرة فلسفية، كما لا أريد للعاطفة أن تنزلق إلى الانفعال المجرد.
إنني أبحث عن جملة تفكر وهي تشعر، وتشعر وهي تفكر؛ جملة تحتفظ بحرارتها الإنسانية وعمقها المعرفي في الوقت نفسه.
23-ماهي الملامح الأسلوبية الخصوصية التي تحرصين عليها لتميز حرفك في المشهد الأدبي التونسي والعربي المعاصر؟
أحرص على أن تكون لي علاقتي الخاصة باللغة، وأن أبحث باستمرار عن منطقة تتقاطع فيها الرؤية الفلسفية مع الحس الوجداني والصورة الشعرية.
من الملامح التي أعتز بها الميل إلى التأمل، والاشتغال على ثيمات الغياب والذاكرة والروح والحنين والمسافة والضوء، إلى جانب الاهتمام بالتكثيف والإيحاء والموسيقى الداخلية.
كما أحاول أن أجعل النص مفتوحًا على أكثر من مستوى للقراءة، بحيث لا يكتفي بتقديم تجربة عاطفية مباشرة، بل يتيح للقارئ أن يكتشف وراءها أسئلة إنسانية وفكرية.
لكنني لا أتعامل مع الخصوصية باعتبارها قالبًا ثابتًا ينبغي تكراره، بل باعتبارها بحثًا مستمرًا عن صوت يتطور ويتغير دون أن يفقد ملامحه الجوهرية.
وأعتقد أن المشهد الأدبي التونسي والعربي يتسع لتجارب متنوعة، وأن الإضافة الحقيقية لا تتحقق بمحاكاة الآخرين، وإنما بالحوار الخلاق مع التراث والحداثة، وبالوفاء لصوتنا الإبداعي الخاص.
24- كيف توفقين بين اهتمامك الأكاديمي بقضايا الحداثة والمغايرة وبين نزوعك نحو موضوعات كلاسيكية كالحنين والوجد والروح؟
أرى أن الحداثة لا تعني التخلي عن الموضوعات الإنسانية القديمة، بل تعني إعادة اكتشافها والتعامل معها بأدوات ورؤى جديدة.
فالحنين والوجد والروح ليست موضوعات تجاوزها الزمن، لأنها ترتبط بجوهر التجربة الإنسانية، لكنها تحتاج إلى لغة مختلفة ومقاربات جديدة حتى لا تتحول إلى تكرار لما قيل سابقًا.
إن اهتمامي الأكاديمي بقضايا الحداثة والمغايرة يجعلني أكثر وعيًا بالبناء الفني وبالعلاقة بين الشكل والمضمون، بينما تمنحني الموضوعات الوجدانية المادة الإنسانية التي تنبض بها الكتابة.
ولا أرى تعارضًا بين الاثنين؛ فالحداثة الحقيقية ليست قطيعة مع الإنسان، وإنما هي محاولة لإعادة اكتشافه في سياق متغير.
يمكن للقصيدة أن تتناول الحنين، لكنها تفعل ذلك من منظور معاصر، ويمكنها أن تتأمل الروح، لكنها تطرح أسئلتها بلغة تنتمي إلى قلق الإنسان اليوم.
25- إلى أي مدى تعتقدين أن الكتابة الأدبية قادرة على تغيير الوعي الإنساني وإعادة تشكيل نظرة الإنسان لذاته وللعالم من حوله؟
أؤمن بأن الكتابة الأدبية قادرة على تغيير الوعي الإنساني ليس من خلال تقديم إجابات جاهزة بل عبر إثارة الأسئلة وفتح آفاق جديدة للتفكير والتأمل. فالأدب يمنح الإنسان فرصة لاكتشاف ذاته وفهم الآخر وإعادة النظر في علاقته بالعالم.
ومن خلال تجربتي، أحاول في “مرايا الغياب” و”حديث الأرواح” أن أفتح مساحات للتأمل في الفقد والذاكرة والوجود والروح وأن أجعل القارئ يرى في النص شيئا من تجربته وأسئلته الخاصة.
وأعتقد أن قوة الأدب لا تكمن في تأثيره الفوري بل في أثره العميق والممتد في الوجدان. فهو لا يغير العالم مباشرة لكنه يغير الإنسان من الداخل ويمنحه عينا أكثر وعيا وقدرة على رؤية الحياة بمعان جديدة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.