
دقّ ناقوس الخطر: المساعدات تُقلَّص.. والشتاء يقترب، بقلم : أ. لينا مهنا
في مخيم «بسمة أمل» وسط قطاع غزة، تُحصي نزهة أبو خوصة معاناة 375 أسرة تعيش على حافة العوز، وفي حكاية ألم أخرى، يعيش خالد فؤاد صيام وأطفاله الثلاثة داخل خيمة لا تقيهم برد الشتاء القادم. حكايتان مختلفتان، لكنهما تلتقيان عند خوف واحد: كيف ستواجه العائلات الجوع والبرد، بعدما تقرر تقليص المساعدات المالية من 1250 إلى 750 شيكلاً عبر البطاقات الإلكترونية؟ وإذا كان المبلغ السابق لا يكفي سوى عشرة أيام، فكيف سيكون الحال بعد تقليصه؟.
في مكتبها الصغير داخل مخيم «بسمة أمل»، بمنطقة النصر مقابل مستشفى العيون، تتابع أبو خوصة أوضاع 375 أسرة، وتتحدث بلغة الحساب اليومي ومعاناة الناس، قائلة: «إحنا بنمشي حالنا يمكن عشرة أيام بالمبلغ، فما بالك بعد التقليص؟».
وفي 18 أكتوبر الجاري، أعلن برنامج الأغذية العالمي تقليص المساعدات الغذائية بنحو الثلث، بسبب نقص التمويل، في خطوة ستؤثر على نحو نصف مليون شخص. كما انخفض عدد المستفيدين شهرياً من 1.6 مليون إلى 1.1 مليون شخص، مع تقليص الحصص الغذائية إلى النصف، بحيث يحصل المستفيد على طرد غذائي واحد بدلاً من طردين، وبكميات أقل من دقيق القمح.
وتصف أبو خوصة حجم المعاناة قائلة: «الكرتونتين وكيس الطحين بالعافية بنمشي حالنا فيهم خلال الشهر»، مضيفة أن تقليص الكميات إلى كرتونة وكيس صغير واحد يجعل الأسر عاجزة عن تلبية احتياجاتها الأساسية.
ومن بين الأسر التي تتابعها، هناك نحو 100 أسرة تعيش أوضاعاً بالغة السوء، من بينها أسرة من عائلة مقداد تعيلها امرأة مسنة، وتضم أيتاماً ومفقودين. وتوضح أبو خوصة أن نقص التمويل ينعكس مباشرة على قدرتهم على مساعدة هذه الحالات، قائلة: «لما بنجيب مساعدات ما بنقدر نخدمهم بالشكل الكافي بسبب نقص التمويل».
الخيمة لا تحمي من الشتاء
أما خالد فؤاد صيام، فيعيش مع أطفاله الثلاثة داخل خيمة، وسط ظروف معيشية قاسية، ويصف واقع النازحين قائلاً: «إحنا في قطاع غزة ما عندنا بيوت، الأغلبية بيوتهم راحت، والأغلبية عايشين في خيام، وإذا لقيت حدا عنده بيت بيكون آيل للسقوط».
وعن تقليص المساعدات، يرى صيام أنه يشكل مصيبة إضافية على الشعب الفلسطيني، موضحاً أن الأسر باتت تحصل على كميات أقل من المواد الغذائية، ويتساءل بمرارة: «إحنا كنا نأخذ كرتونتين، صارت كرتونة واحدة، وبعد هيك بدهم يقطعوا علينا، وين بدها تروح الناس؟ ولمين تلجأ؟».
ولا يقتصر خوفه على نقص الغذاء، بل يمتد إلى فصل الشتاء وما يحمله من أمطار ورياح، قائلاً: «إحنا خايفين من فصل الشتاء».
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نحو 950 ألف نازح يعيشون في مواقع معرضة لمخاطر فيضانات متوسطة إلى عالية، بينهم أكثر من 400 ألف يواجهون خطراً مرتفعاً، في وقت لا تكفي فيه الإمدادات المتاحة سوى لمساعدة 18% من الأسر المحتاجة إلى المأوى لموسم الأمطار.
ويؤكد صيام أن المطلوب هو زيادة المساعدات لا تقليصها، قائلاً: «بدل ما يقلّصوا الكمية، يزيدوها، ويزيدوا المبلغ، لأنه إحنا في غزة ما عندنا إشي نركن عليه غير مؤسسة الغذاء العالمي».
الأرقام تؤكد حجم الكارثة
وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) أن نحو 1.4 مليون شخص، أي ما يعادل 67% من السكان، يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي عند مستوى الأزمة أو أسوأ، مقارنة بنحو 1.6 مليون شخص، بنسبة 77%، في نهاية عام 2025. ورغم هذا التحسن النسبي، لا تزال الأوضاع هشة، ويواجه نحو 200 ألف شخص ظروفاً طارئة، وفق المرحلة الرابعة من التصنيف.
كما أن طفلاً واحداً فقط من بين كل خمسة أطفال يحصل على غذاء متنوع بما يكفي، فيما تتجاوز نسبة البطالة 80%، ما يجعل قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية أكثر صعوبة.
وتلفت أبو خوصة إلى أن بعض الأسر قد تمتلك المال، لكنها لا تستطيع شراء احتياجاتها بسبب ارتفاع الأسعار وضعف القدرة الشرائية، قائلة: «في معاهم كاش، لكن مش قادرين يصرفوا».
«حرام إنكم تقلّصوا»
وتؤكد أبو خوصة أن الاعتماد على المساعدات لم يعد كافياً لمواجهة الاحتياجات المتزايدة، موضحة: «كان اعتمادنا على التكية مقبول ونقدر نسيطر عليه، لكن في الوقت الحالي إحنا مش قادرين نسيطر على الوضع، بسبب قلة اكتفاء الأسر اللي وضعها سيئ».
وتوجّه رسالة إلى الجهات المانحة وبرنامج الأغذية العالمي، قائلة: «حرام إنكم تقلّصوا دعمكم للغذاء العالمي، بالعكس، المفروض يزيد الدعم للمؤسسة، حتى يتسنى لها تقديم المساعدة والمساندة ومدّ يد العون للشعب الفلسطيني في قطاع غزة».
ويحتاج برنامج الأغذية العالمي إلى نحو 450 مليون دولار للحفاظ على عملياته في قطاع غزة والضفة الغربية خلال الأشهر الستة المقبلة، من نوفمبر 2026 إلى مارس 2027، في ظل أزمة تمويل تهدد استمرار المساعدات، رغم أن الاحتياجات الإنسانية لا تزال مرتفعة.
من جانبه، يدعو صيام الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والدول المانحة إلى دعم البرنامج وزيادة المساعدات، مؤكداً أن تقليص الدعم في هذه الظروف يضاعف معاناة الأسر النازحة.
بين خيمة خالد ومخيم أبو خوصة، لا تبدو أزمة تقليص المساعدات مجرد أرقام في تقارير دولية، بل تهديداً مباشراً لحياة آلاف الأسر التي تنتظر لقمة الخبز وتواجه شتاءً لا ترحم أمطاره خيام النازحين.
إن تقليص المساعدات في وقت تتفاقم فيه الاحتياجات ليس مجرد قرار مالي، بل عبء إضافي على شعب أنهكته الحرب والنزوح والفقر. فخلف كل رقم أسرة تنتظر، وخلف كل بطاقة إلكترونية عائلة تحاول أن تصمد، وخلف كل خيمة أطفال يخشون برد الشتاء.
فهل تتحرك الدول المانحة قبل أن يتحول نقص التمويل إلى كارثة إنسانية جديدة؟.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.