12:44 مساءً / 1 نوفمبر، 2026
آخر الاخبار

أساطير الحبر ووهج الكلمة: حوار الصراحة والعمق مع الشاعرة إنعام الحمداني

أساطير الحبر ووهج الكلمة: حوار الصراحة والعمق مع الشاعرة إنعام الحمداني

شفا – أساطير الحبر ووهج الكلمة: حوار الصراحة والعمق مع الشاعرة إنعام الحمداني

حوار : عطا درغام

تُمثّل الأديبة والشاعرة العراقية إنعام الحمداني صوتًا إبداعيًا مغايرًا في مشهد شعر النثر المعاصر؛ حيث نجحت في تحويل الفكرة الإنسانية البسيطة إلى نص كوني نابض، بعيدًا عن التكلف اللفظي والتعقيد المصطنع. تجمع في عوالمها بين دقة التربوية الشغوفة باللغة، وبين انطلاق المبدعة التي ترفض القيود الجاهزة. في هذا الحوار، نبتعد تمامًا عن الأسئلة التقليدية المكررة حول البدايات والطقوس، لنغوص مباشرة في فلسفتها الخاصة، أسلوبها، قضاياها، ونظرتها الصادقة للمشهد الثقافي.

1-.كيف تولد الفكرة الأولى للقصيدة حين تتصادم مع واقع يومي قاس؟

الفكرة الأولى للقصيدة حين يعجز الواقع عن احتمال ما في الروح من أسئلة، وحين يصطدم قسوة اليوميّ بما نحمله من أحلام مؤجلة وانكسارات صامتة. أحيانًا تبدأ القصيدة من مشهد عابر، من وجه أنهكه الانتظار، أو من كلمة قيلت في غير موضعها، لكنها تترك في الداخل جرحًا لا يلتئم بسهولة. عندها لا أكتب الواقع كما حدث، بل كما استقرّ في أعماقي؛ أعيد تشكيل قسوته باللغة، وأمنح الوجع صوتًا، والصمت دلالة، والانكسار أفقًا آخر للرؤية. فالقصيدة، في جوهرها، ليست هروبًا من الواقع، بل مواجهة جمالية معه؛ أن نأخذ من قسوته شرارة، ومن عتمته سؤالًا، ثم نصنع من ذلك كله ضوءًا لا ينكر الألم، لكنه يرفض أن يكون الألم الكلمة الأخيرة

2.ما الذي يتبقى من جوهر الشعر عندما نجرّده من الأوزان والقوافي القديمة؟

حين نجرّد الشعر من الأوزان والقوافي القديمة، لا نجرّده من جوهره، بل نختبر قدرته على الحياة خارج قوالبه الموروثة. فما يتبقى هو ذلك النبض الخفي الذي يمنح اللغة دهشتها، ويجعل الكلمة تتجاوز معناها المباشر لتلامس ما تعجز اللغة العادية عن قوله. فالشعر ليس وزنًا يُسمع فحسب، بل إيقاع داخلي يتشكّل من توتر الصورة، وعمق التجربة، وصدق الانفعال. ومع ذلك، فإن التحرر من الوزن لا يعني التحرر من الموسيقى، كما أن كسر القافية لا يعفي الشاعر من مسؤولية الجمال. إن جوهر الشعر يكمن في قدرته على أن يجعل المألوف مدهشًا، والصامت ناطقًا، والعابر خالدًا في الوجدان. فالأشكال تتغيّر بتغيّر الأزمنة، لكن الشعر الحقيقي يظلّ هو تلك اللحظة النادرة التي تصبح فيها اللغة أكثر اتساعًا من معناها، ويصبح فيها الإنسان أكثر قدرة على رؤية نفسه والعالم بعينٍ لم يألفها من قبل.

3.في أي منطقة شعورية تجدين أن الكلمة تصبح أقوى من الصمت؟

جد أن الكلمة تصبح أقوى من الصمت في تلك المنطقة العميقة من الشعور، حيث يبلغ الوجع حدًّا لا يعود معه الصمت فضيلة، بل يتحوّل إلى عبءٍ يثقل الروح. حين يصبح البوح ضرورةً لا ترفًا، وحين نخشى أن تموت الحقيقة في داخلنا إن لم نمنحها صوتًا. ومع ذلك، أؤمن أن ليست كل المشاعر جديرة بالكلام، فثمة أوجاع لا تليق بها اللغة الأولى، وثمة خيبات لا يكشف عمقها إلا الصمت. لكن حين تتزاحم الأسئلة في الروح، وحين يصبح الصمت شكلًا آخر من أشكال الانكسار، أكتب؛ لا لأشرح ما أشعر به، بل لأمنح الشعور حياةً أخرى، أكثر اتساعًا من التجربة نفسها. فالكلمة الأقوى ليست تلك التي تصرخ في وجه الصمت، بل تلك التي تنفذ إلى أعماقه، وتقول ما عجز القلب عن قوله، دون أن تفقد رهبة ما لم يُقَل.

4.متى تشعرين أن القصيدة اكتملت وخرجت من عباءة صدرك إلى العالم

أشعر أن القصيدة اكتملت حين تكفّ عن مطالبتي بالمزيد من البوح، وحين أقرأها فأجد أن كل كلمة استقرّت في مكانها، كأنها خُلقت لتكون هناك. لكن اكتمالها الحقيقي لا يحدث على الورق وحده، بل حين أتحرّر من خوفي عليها، وأسمح لها أن تغادرني إلى العالم، حاملةً شيئًا من روحي، ومستعدةً لأن تجد أرواحًا أخرى تشبهها. عندها لا تعود القصيدة لي وحدي، بل تصبح لكل قلبٍ يجد فيها صوته، ولكل قارئٍ يمنحها حياةً جديدة

5.هل يغير الشعر نظرتنا للاشياءالعادية ام انه يعيذوترتيبها فقط؟

يغيّر الشعر نظرتنا إلى الأشياء العادية، فهو يجعلنا نراها بطريقة مختلفة، ويكشف لنا ما فيها من جمال ومعانٍ خفية لم نكن ننتبه إليها. فهو لا يكتفي بإعادة ترتيب الكلمات، بل يعيد ترتيب مشاعرنا وأفكارنا، ويمنح الأشياء البسيطة قيمةً ومعنى أعمق

6.كيف تصنعين التوازن بين وعيك التربوي الحازم وانطلاقك الإبداعي الحر

أن الحزم التربوي والحرية الإبداعية ليسا نقيضين، بل جناحان تتوازن بهما الروح. ففي التربية، أحرص على أن يكون الحزم قائمًا على الوعي والاحتواء، لا على القسوة والتقييد؛ لأنني أؤمن أن بناء الإنسان يبدأ من احترامه وفهم احتياجاته. أما في الكتابة، فأمنح روحي مساحةً للتحليق، وأسمح لمشاعري وأسئلتي وخيالي أن تنطلق بلا قيود. وأجد أن ما يجمع بين الجانبين هو الإصغاء العميق للإنسان؛ فالمربية في داخلي تعلّمني الصبر والمسؤولية، والشاعرة تمنحني الحساسية والقدرة على رؤية ما وراء الكلمات. وهكذا أحاول أن أكون حازمةً دون أن أفقد حناني، وحرةً دون أن أفقد اتزاني؛ فالتربية تمنحني جذورًا راسخة، والإبداع يمنحني أجنحةً لا تعرف الحدود

7.مالثمن الذي تدفعه الشاعرة من روحها لتمنح النص صدقا حقيقيا؟

تدفع الشاعرة من روحها ألمًا ومعاناةً وصدقًا عاطفيًا، وتكشف عن مشاعرها وجراحها الداخلية لتمنح النص صدقًا حقيقيًا.

8.هل يعيش الشاعر في عالمين متوازيين ام انه يدمجهما مجبرا؟

أعتقد أن الشاعر يعيش العالمين معًا، لكنه لا يدمجهما مجبرًا دائمًا، بل يجد في الشعر مساحةً يلتقي فيها الواقع بالخيال، وتتداخل فيها التجربة الشخصية مع رؤيته للحياة.

9.متى يتحول الحرف من أداة للتعبير إلى وسيلة للنجاة النفسية؟

يتحول الحرف إلى وسيلة للنجاة النفسية حين تعجز الروح عن البوح، فيصبح الشعر مساحةً للتخفيف من الألم، وترتيب الفوضى الداخلية، ومصالحة الذات مع ما تعجز عن تغييره.

10.كيف تولد الصور المبتكرة في عقل الشاعر دون ترتيب مسبق؟

تولد الصور المبتكرة من تفاعل التجارب والمشاعر والخيال في داخل الشاعر، فتأتي عفويةً دون تخطيط مسبق، وكأنها لحظة إلهام يلتقي فيها الإحساس العميق مع القدرة على التعبير

11.مالقيمة الحقيقية للقصيدة في عصر يركض خلف الماديات السريعة؟

ثمن القيمة الحقيقية للقصيدة في قدرتها على إعادة الإنسان إلى إنسانيته، ومنحه لحظة تأمل وصدق وسط صخب الحياة وتسارع الماديات؛ فالشعر قد لا يغيّر الواقع مباشرة، لكنه يغيّر نظرتنا إليه، ويمنح الروح ما تعجز المادة عن منحه

12..هل يكتب الشاعر لنفسه اولا ام للقاريء الذي ينتظر خلف السطور؟

أعتقد أن الشاعر يكتب لنفسه أولًا، ليعبّر عن مشاعره ويصالح ما بداخله، لكنه حين ينشر قصيدته يفتح بابًا للقارئ كي يجد فيها شيئًا من ذاته. فالقصيدة الصادقة تولد من تجربة الشاعر، لكنها تكتمل حين تلامس روح الآخرين

١٣…كيف يمكن للقصيدة ان تختزل تجربة إنسانية كاملة في بضعة اسطر؟

تستطيع القصيدة اختزال تجربة إنسانية كاملة لأنها لا تروي الأحداث بقدر ما تكثّف الشعور الذي خلّفته؛ فبضعة أسطر صادقة قد تحمل من الألم أو الحب أو الفقد ما تعجز صفحات طويلة عن وصفه، فالعبرة ليست بطول النص، بل بعمق أثره في النفس

١٤….متى يصبح النثر أكثر قدرة على حمل الشجن من الشعر العمودي؟

اصبح النثر أكثر قدرة على حمل الشجن حين تحتاج المشاعر إلى مساحة أوسع للبوح والعفوية، بعيدًا عن قيود الوزن والقافية. ومع ذلك، يبقى الشعر العمودي قادرًا على ملامسة الروح بإيقاعه وموسيقاه؛ فالأمر لا يتعلق بالشكل بقدر ما يتعلق بصدق التجربة وعمق التعبير.

١٥…هل يمر الابداع بمراحل من الجفاف وكيف تعيدين إشعاع جذوته؟

نعم، أعتقد أن الجفاف الإبداعي مرحلة طبيعية يمر بها كل كاتب، وليس بالضرورة علامة على تراجع موهبته. أستعيد وهج الكتابة بالقراءة والتأمل والاقتراب من تفاصيل الحياة، وأمنح نفسي وقتًا للهدوء دون أن أُجبر الكلمات على الحضور؛ فالإبداع حين يتأخر، قد يكون في طور النضج لا الغياب

١٦…….كيف تحددين الخط الفاصل بين الغموض الجميل والوضوح المباشر؟

أرى أن الغموض يكون جميلًا حين يفتح للقارئ أبواب التأويل ويمنحه مساحة لاكتشاف المعنى، لكنه يفقد جماله حين يصبح حاجزًا يحول دون الفهم. أحاول أن أترك في النص ما يحرّك الخيال دون أن أُربك القارئ، فالشاعر برأيي لا يحتاج إلى قول كل شيء بوضوح، ولا إلى إخفاء كل شيء خلف الرموز، بل إلى تحقيق توازن يجعل القصيدة عميقة وقريبة من الروح في آنٍ واحد.

١٧….مالدور الذي تلعبه الذاكرة المشتركة للناس في الهام نصوصك؟

أري أن الذاكرة المشتركة للناس من أهم منابع الإلهام، لأنها تحمل تجاربنا الإنسانية من أفراح وأحزان وحنين وفقد. وحين أكتب، أحاول أن أستحضر هذه الذاكرة بروحٍ خاصة، لتتحول التفاصيل التي عاشها الكثيرون إلى نصّ يجد فيه كل قارئ شيئًا يشبهه، وكأن القصيدة تحكي حكايته هو.

١٨….هل تخافين احيانا من عمق الفكرة التي تطرحينها في قصائدك؟

أحيانًا أخشى عمق بعض الأفكار، ليس لأنها تخيفني بقدر ما تجعلني أواجه جوانب خفية من نفسي والإنسان من حولي. لكنني أؤمن أن الكتابة الحقيقية تتطلب شجاعة الاقتراب من الأسئلة الصعبة، حتى إن لم نملك لها إجابات واضحة؛ فبعض الأفكار لا تُكتب لنحسمها، بل لنمنحها صوتًا يستحق أن يُسمع.

١٩…كيف يؤثر الانفتاح العالمي الثقافي على هوية النص الشعري المحلي؟

أن الانفتاح الثقافي يمنح النص الشعري المحلي آفاقًا أوسع، ويغني لغته وصوره وتجربته، لكنه لا ينبغي أن يجرّده من هويته وجذوره. فالشاعر يستطيع أن ينفتح على العالم ويستفيد من تجاربه، مع الحفاظ على خصوصية بيئته ولهجته وذاكرته؛ فالشعر الحقيقي هو الذي ينطلق من محليّته ليصل إلى إنسانية العالم.

٢٠…مالذي يجعل القصيدة تعيش، في وجدان الناس لسنوات طويلة؟

أن ما يمنح القصيدة القدرة على البقاء هو صدقها الإنساني وملامستها لمشاعر تتجاوز حدود الزمان والمكان. فالقصيدة التي تعبّر عن الحب أو الفقد أو الحنين بصدق، يجد الناس فيها شيئًا من حكاياتهم، فتظل حاضرة في وجدانهم مهما مرّت السنوات؛ لأن الكلمات الصادقة قد تشيخ لغتها، لكنها لا تشيخ في الروح.

٢١…متى تشعرين ان اللغة تضيق بمشاعرك ولا تسعف صموحك الإبداعي؟

أشعر بذلك حين تكون مشاعري أوسع من الكلمات، وحين تعجز اللغة عن احتواء ما يزدحم في داخلي من أفكار وأحاسيس. عندها ألجأ إلى الكتابة، لا لأصف ما أشعر به فحسب، بل لأبحث عن كلمات تشبهني، وتمنح الصمت صوتًا، وما يعجز القلب عن قوله شكلًا من أشكال الحياة

٢٢…كيف للشعر ان يرمم ماتكسر في نفوس البشر بسبب الحياة؟

لّعل الشعر لا يُصلح ما أفسدته الحياة، ولا يعيدنا كما كنّا قبل الخيبات، لكنه يُربّت على أرواحنا في المواضع التي عجز العالم عن لمسها برفق. يمنح وجعنا لغةً حين نعجز عن الكلام، ويصنع من شظايا أرواحنا كلماتٍ تشبهنا، فنشعر، للمرة الأولى، أنّنا لسنا وحدنا في هذا الخراب.

الشعر لا يُعيد الأشياء إلى أماكنها، بل يعلّمنا كيف نعيش بعدما اختلّت أماكنها فينا. كيف نصالح ذاكرتنا، ونمنح حزننا حقّ البكاء، ونرى في الشقوق نوافذَ صغيرةً يتسلّل منها الضوء.وربما تكمن معجزة الشعر في أنّه لا يُنقذنا من الحياة، بل يُعيد إلينا شيئًا من قدرتنا على احتمالها.فبعض القصائد ليست حروفًا نقرأها، بل أيادٍ خفيّة تمتدّ إلينا في عتمة أرواحنا، وتهمسلستَ مضطرًا لأن تكون بخير دائمًا، يكفي أنّك، رغم كلّ ما انكسر فيك، ما زلتَ قادرًا على الشعور.

٢٣…هل يعيد الشاعر صياغة العالم من حوله في مخيلتك قبل كتابته؟

أظنّ أنّ الشاعر لا يرى العالم كما هو تمامًا، بل كما يستقرّ في أعماقه؛ يمرّ المشهد بعينيه، ثمّ يعبر قلبه، فيخرج من الجهة الأخرى مختلفًا عمّا كان عليه. فالشجرة ليست شجرةً فحسب، قد تكون أمًّا تنتظر أبناءها، والنافذة ليست زجاجًا وإطارًا، بل احتمالًا أخيرًا للقاء، والمطر ليس ماءً يسقط من السماء، بل حزنًا وجد أخيرًا طريقةً ليبكي.

الشاعر لا يُعيد صياغة العالم لأنّه يرفض حقيقته، بل لأنّه يبحث عن المعنى المختبئ خلف ملامحه. يُجرّد الأشياء من ألفتها، ويمنحها أسماءً لم نعرف أنّنا كنّا نبحث عنها، حتى إذا قرأناها شعرنا بأنّنا رأيناها للمرة الأولى.

وربما لا تحدث إعادة الخلق في المخيّلة وحدها، بل في المسافة الغامضة بين ما يراه الشاعر وما يشعر به؛ هناك، حيث تمتزج الذاكرة بالخيال، والواقع بالأمنيات، وتصبح التفاصيل الصغيرة مرايا لأشياء أكبر من قدرتنا على التعبير.

الشاعر لا يكتب العالم كما حدث، بل كما ترك أثره فيه؛ ثمّ يمنح ذلك الأثر كلماتٍ تجعل الآخرين يرونه بقلوبهم، لا بأعينهم وحدها.

ولعلّ أجمل ما يفعله الشعر أنّه لا يغيّر العالم من حولنا، بل يغيّر الطريقة التي نسكنه بها؛ فبعد قصيدةٍ صادقة، قد تبدو لنا الأشياء ذاتها، لكنّنا لن نكون الأشخاص أنفسهم الذين رأوها قبل القراء

٢٤…ماهي أكبر مغامرة خضتها في مسيرتك مع الكلمة المكتوبة؟

لعلّ أكبر مغامرة مع الكلمة المكتوبة هي أن تجرؤ على قول ما اعتاد الناس إخفاءه، وأن تمنح المشاعر التي لا صوت لها لغةً تستطيع بها أن تقف أمام العالم دون أن تعتذر عن وجودها.

فالكتابة ليست مغامرةً حين نكتب ما نعرفه فحسب، بل حين نقترب من المناطق المجهولة في أرواحنا، ونفتح الأبواب التي طالما خشينا النظر خلفها، ثم نكتشف أنّنا لا نكتب لنفهم العالم وحده، بل لنفهم أنفسنا أيضًا.

وأظنّ أنّ المغامرة الأعمق هي أن تكتب شيئًا من روحك، ثم تتركه يمضي إلى الآخرين دون أن تعرف كيف سيستقبلونه، أو أيّ جرحٍ قد يلامس فيهم، أو أيّ ذكرى سيوقظ. أن تمنح كلماتك للغرباء، فتعود إليك يومًا على هيئة حكاية شخصٍ وجد نفسه بين سطورك، وكأنّك كتبت عنه دون أن تعرفه.أنت حين تكتب، تخاطر بأن تُرى على حقيقتك، وحين يقرأك أحدهم بصدق، تخاطر بأن تُغيّر شيئًا في داخله دون أن تدري.وربما كانت تلك أعظم مغامرة للكلمة أن تغادر صاحبها، وتبدأ حياةً أخرى في قلوبٍ لم يلتقِ بها قط

٢٥…كيف تصفين تلك اللحظة السحرية التي تلتقي فيها الفكرة بالورقة؟

إنّها أشبه بلقاءٍ طال انتظاره بين روحٍ تبحث عن صوت، وبياضٍ يتّسع لاحتضانها. تأتي الفكرة أحيانًا كنسمةٍ عابرة، لا نعرف من أين جاءت، وأحيانًا كعاصفةٍ تضجّ في أعماقنا، فلا تهدأ حتى تجد طريقها إلى الحروف.

في تلك اللحظة، يتراجع ضجيج العالم قليلًا، ويصبح كلّ شيء أكثر قربًا؛ دقّات القلب، ارتباك الذاكرة، الوجوه التي غابت، والأمنيات التي لم تجد طريقها إلى الحياة. كأنّ الورقة لا تنتظر منّا أن نكتب عليها، بل تنتظر أن نُفرغ فيها ما عجزنا عن حمله طويلًا.والأجمل أنّ الفكرة، حين تلامس الورقة، لا تبقى كما كانت في مخيّلتنا؛ تتغيّر، وتنضج، وتكشف لنا عن وجوهٍ لم نرها من قبل. فنبدأ الكتابة ونحن نظنّ أنّنا نعرف ما نريد قوله، ثم نصل إلى نهاية النصّ لنكتشف أنّ الكلمات قادتنا إلى حقيقةٍ لم نكن نعرف أنّها تسكننا.إنّها اللحظة التي يتحوّل فيها الشعور من شيءٍ نعيشه بصمت، إلى شيءٍ يستطيع العالم أن يلمسه بالكلمات.

ربما لهذا تبدو الكتابة سحرًا؛ لأنّنا نبدأها بمحاولة الإمساك بفكرة، وننتهي منها وقد أمسكنا بطرفٍ من أرواحنا، كان يتفلّت منّا منذ زمن

شاهد أيضاً

118 ألف مسافر تنقلوا عبر معبر الكرامة الشهر الماضي

118 ألف مسافر تنقلوا عبر معبر الكرامة الشهر الماضي

شفا – تنقل أكثر من 118 ألف مواطن ومواطنة وزائر عبر معبر الكرامة خلال الشهر …