
أول نوفمبر.. ملحمة السيادة الجزائرية وذاكرة وطنٍ صاغ حريته بالتضحيات ، بقلم : الكاتبة صبحة بغورة
ويا صفحة خط فيها البقا بنار ونور جهاد الأباةِ
ويا للبطولات تغزو الدنى وتلهمها القيم الخالداتِ
الأول من نوفمبر، تاريخ يتجدد ذكراه كل عام، عنوانٌ لمرحلة فارقة أعادت تشكيل وشحذ علاقة الجزائر بذاتها وبالعالم، وأعلنت أن إرادة الشعوب، مهما أحاطت بها موازين القوة من اختلال، تظل قادرة على انتزاع حقها في الحرية والسيادة. ففي الفاتح من نوفمبر 1954، اختارت الجزائر أن تفتح طريق استقلالها بقرار تاريخي جسّد نضج الحركة الوطنية، وأثبت أن قضية التحرر هي مشروع وطنٍ تشكلت ملامحه في وجدان شعبه عبر عقود من المقاومة والصمود.
لقد جاء اندلاع الثورة التحريرية تتويجًا لمسار طويل من المواجهة مع وطأة الاستعمار الفرنسي ومرارة القهر، الذي سعى منذ احتلال الجزائر سنة 1830 إلى إخضاع أرضها، وتفكيك بنيتها الاجتماعية، ومصادرة مقومات شخصيتها الوطنية. غير أن محاولات الطمس والإخضاع لم تنجح في اقتلاع ارتباط الجزائريين بأرضهم وهويتهم؛ فقد ظلت المقاومة حاضرة في صور متعددة، من الانتفاضات الشعبية والمواجهات المسلحة إلى الحركة الوطنية والعمل السياسي والثقافي، وصولًا إلى اللحظة التي تبلورت فيها قناعة تاريخية بأن استعادة السيادة تتطلب انتقال النضال إلى مرحلة جديدة.
كان أول نوفمبر إعلانًا عن إرادة وطنية حاسمة، وافتتاحًا لمرحلة أصبحت فيها الحرية هدفًا واضحًا، والاستقلال أفقًا سياسيًا لا يقبل المساومة. فقد حمل بيان أول نوفمبر 1954 تصورًا متكاملًا لأهداف الثورة ووسائلها، وأرسى مرجعيتها السياسية من خلال الدعوة إلى استعادة السيادة الوطنية، وتحقيق وحدة التراب الجزائري، وبناء دولة جزائرية مستقلة ذات سيادة. كما عبّر عن وعي قادة الثورة بأهمية توضيح القضية الجزائرية للرأي العام الداخلي والخارجي، وربط الكفاح الميداني بالعمل السياسي والدبلوماسي.
وتجسدت قوة الثورة بحق في قدرتها على تحويل تطلعات التحرر إلى قضية وطنية جامعة، فمن مختلف زوايا البلاد، التقى فتيل الإرادة ببارود الرغبة الجامحة في الاستقلال، وتحمل فرسان وصناديد المقاومة أعباء كفاح امتد قرابة ثماني سنوات من الشدة والحرمان، واجهوا خلاله الاعتقال والتعذيب والتهجير والتدمير، وقدموا من الأرواح والتضحيات ما جعل الحرية ثمرة مسار شاق يرفض الاستجابات العابرة والمنح السياسية. وقد شكّل تلاحم الشعب مع جيش التحرير الوطني وجبهة التحرير الوطني أحد المرتكزات الأساسية التي منحت الثورة قدرتها على الاستمرار، رغم التفاوت الكبير في الإمكانات والوسائل.
وفي موازاة المواجهة داخل الوطن، خاضت الثورة معركة سياسية ودبلوماسية واسعة من أجل تدويل القضية الجزائرية وكسب الاعتراف بحق الشعب في تقرير مصيره. وقد أدرك قادتها أن التحرر الوطني لا يتوقف عند تثبيت الحضور الميداني، بل يقتضي أيضًا مخاطبة الضمير الدولي، وتفنيد الروايات الاستعمارية، وبناء مساندة خارجية لقضية عادلة لترتبط بذلك الثورة الجزائرية بمحيطها العربي والإفريقي وبحركات التحرر عبر العالم، وتصبح قضيتها جزءً من المسار الدولي المناهض للاستعمار، ودليلًا على أن السيادة الوطنية حق أصيل للشعوب، وليست امتيازًا تمنحه القوى المهيمنة أو تحجبه وفق مصالحها.
وقد أفضى هذا المسار، بما حمله من صمود وتضحيات وتحولات سياسية، إلى استعادة الجزائر استقلالها في الخامس من يوليو 1962، بعد أن دفعت أثمان تبعات القمع الاستعماري الباهظة في سبيل استرداد قرارها الوطني. ومنذ ذلك التاريخ، دخلت البلاد مرحلة بناء الدولة المستقلة، حاملةً إرثًا ثوريًا ومسؤولية تاريخية تتمثل في صون السيادة، وحماية وحدة التراب الوطني، وتثبيت مكانة الجزائر بين الأمم على أساس الاستقلال في القرار واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها.
إن الوفاء لرسالة نوفمبر يقتضي استيعاب أبعادها التاريخية والوطنية، وربط الاعتزاز بالماضي بوعي مسؤول بمتطلبات الحاضر. فالدول التي تستند إلى تاريخها تستحضر أمجادها وتستمد منها الثقة في قدرتها على مواجهة التحديات، وتطوير مؤسساتها، وتعزيز اقتصادها، وترسيخ وحدتها الاجتماعية، وتوسيع إسهامها في محيطها الإقليمي والدولي. وتظل السيادة التي انتزعها الجزائريون بالتضحيات مرتبطة بقابلية الأجيال المتعاقبة على صون الاستقلال في معناه الشامل الذي يضم تحت رايته معاني استقلال القرار، وقوة المؤسسات، وامتلاك مقومات التنمية، وحماية المصالح الوطنية ضمن علاقات تقوم على الاحترام والتعاون المتبادل.
نوفمبر، مطلع فجر بث في الشمِ الأباةِ يقين تحقيق المجد والعظمة، وجعل له قدرةً مستمرة على تذكير الجزائريين بأن الأوطان تبنى بالإرادة، وتُصان بالمسؤولية حين يجتمع أبناؤها حول مصالحها العليا. وهو عهدٌ من ذهب يتجدد مع كل جيل، بأن تظل تضحيات الشهداء حاضرة في الوعي الوطني، وأن تبقى الحرية التي انتزعها الشعب أساسًا لكل مشروع يستهدف ازدهار الجزائر وتعزيز مكانتها.
وفي الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع الثورة التحريرية المجيدة، تقف الجزائر أمام تاريخها باعتزاز شعبٍ هادئ ثائر قام على دمه الفائر، عرف قسوة الطريق إلى الاستقلال، وأثبت أن إرادة الحرية أقوى من محاولات الإخضاع. سيبقى أول نوفمبر صفحةً مضيئة في سجل الوطن، على قدرة الجزائريين على تحويل المعاناة البحتة إلى مقاومة دامية، والمقاومة إلى ثورة حاسمة، والثورة إلى دولة مستقلة؛ وسيظل سجل المجد الذي ولد من رحم الضنى وصنوف العذاب مقرونًا بملحمة شعبٍ اختار أن يكتب مصيره بيده وقبضته، وأن يجعل من السيادة والكرامة الوطنية ركيزتين ثابتتين في مسيرته نحو المستقبل وعقد العزم أن تحيا الجزائر حرةً أبيةً.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.