1:24 مساءً / 25 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

الحكمة الألفية في قياس المياه وراء الترشيح المشترك بين الصين ومصر

الحكمة الألفية في قياس المياه وراء الترشيح المشترك بين الصين ومصر

شفا – في قاع نهر اليانغتسي، قرب مدينة فولينغ الصينية (تشونغتشينغ)، يمتدّ حجرٌ طبيعي بطول 1600 متر، نُقشَت عليه بيانات منسوب المياه المنخفضة لـ 72 عاماً على مدى أكثر من 1200 عام. استخدم القدماء سمكةً حجريةً كمؤشر، وسجّلوا تاريخ ظهورها والفرق بين سطح الماء والسمكة، وتراكمت لديهم خبرةٌ تحوّلت إلى مثل شعبي: “خروج السمكة الحجرية ينبئ بعامٍ خصيب”. هذا هو نقش “بايخيليانغ” (العارضة الحجرية للكركي الأبيض)، الذي يُوصف بـ “أول محطة هيدرولوجية قديمة في العالم”.

على بعد آلاف الكيلومترات، في جزيرة الروضة بالقاهرة، يقف مقياس النيل العتيق منذ أكثر من ألف عام. بُني الموجود حالياً عام 861م، ويتألف من بئر متصل بالنيل، وعمود تدرّج مركزي، وقنوات مائية، لقياس منسوب فيضان النيل السنوي المرتفع. يعود تاريخ رصد النيل في مصر إلى نحو 5000 عام. وقد جمع الباحثون سلسلة زمنية لمستويات النيل في القاهرة من عام 622م حتى مطلع القرن العشرين، مع سجلات مبكّرة متكاملة نسبياً، وبعض فجوات في السنوات اللاحقة، لكنها تحتفظ بسجلات متواصلة تمتدّ لمئات السنين، تشكّل مرجعاً ثميناً لدراسة التغيّرات الهيدرولوجية والمناخية الإقليمية. كان الناس يقدّرون حجم الفيضان ومحصول الزرع، وينظّمون أعمال السدود والقنوات، ويحدّدون الضرائب الزراعية، بناءً على هذه القراءات.

يتخصص نقش بايخيليانغ في تسجيل أدنى منسوب للنهر، بينما يُستخدم مقياس النيل في رصد أعلى منسوب للفيضان. ورغم البُعد، يجسّدان وجهين مختلفين لتحويل الظواهر الطبيعية إلى معرفة قابلة للرصد والتسجيل والتطبيق، في خدمة الزراعة والإدارة الاجتماعية. الرصد الطويل والقياس المنظّم كانا أساساً لفهم الإنسان للأنهار وتكيّفه مع الطبيعة.

منذ عام 2021، بدأت جهات في فولينغ بإجراء دراسات جدوى وأبحاث أولية للترشيح المشترك لنقش بايخيليانغ ومقياس النيل. وفي 2023، قدّمت الصين رسمياً رغبتها في الترشيح المشترك، وتبادل الجانبان زيارات ميدانية وحوارات أكاديمية ورسمية. وفي 2024، توصّلا إلى تفاهم بشأن آلية عمل مشتركة ومذكرة تعاون، وشرعت الصين في إعداد ملف الترشيح. وفي 2025، أدرجت الهيئة الوطنية للآثار الصينية هذا الملف ضمن أولويات عملها السنوية.


هذا ليس مجرد ترشيح أثري، بل حوار بين حضارة اليانغتسي وحضارة النيل، يعبر الزمن والمكان. من خلال الزيارات المتبادلة، والندوات، والأبحاث، وبناء الآليات، يتعمّق الطرفان في فهم القيم التاريخية والعلمية والثقافية لهذين المعلمين.

رغم اختلاف موضوع الرصد وطرائق التسجيل، إلا أنهما يثبتان أن كلا الحضارتين، في مواجهة تقلبات الأنهار واحتياجات الزراعة، طوّرت أساليب للمراقبة المستمرة، وتراكم المعرفة عبر الأجيال، وتوظيف الخبرة في الحوكمة الاجتماعية.

اليوم، تحوّل بايخيليانغ إلى متحف تحت الماء للحفظ والعرض في موقعه الأصلي، بينما يُحافظ على مقياس النيل في جزيرة الروضة كمعلم تاريخي هام. ولا تقتصر أهمية الترشيح المشترك على إبراز هذه الحكمة الألفية التي تنبع من بيئتين مختلفتين وتحمل قيمة إنسانية مشتركة، بل إن نجاحه قد يسدّ فجوة في قائمة التراث العالمي، بإدراجه ضمن فئة “المعالم الهيدرولوجية القديمة” التي لا يمثلها أيّة موقع حتى الآن، ليصبح شاهداً أبدياً على الذاكرة المشتركة للبشرية في فهم الأنهار والتكيّف مع الطبيعة.

شاهد أيضاً

مجموعة الصين للإعلام تصدر منشورات سمعية ومرئية للذكرى الـ90 لانتصار المسيرة الطويلة

مجموعة الصين للإعلام تصدر منشورات سمعية ومرئية للذكرى الـ90 لانتصار المسيرة الطويلة

شفا – أقامت الصين، اليوم السبت، حفلا لإطلاق الإصدار الأول للمنشورات السمعية والمرئية للذكرى التسعين …