11:28 مساءً / 22 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

حين يتغير الإنسان، يتغير وجه العالم، بقلم : رامز خضر المغاري

حين يتغير الإنسان، يتغير وجه العالم، بقلم : رامز خضر المغاري

في فلسفة التحول الأخلاقي ومسؤولية الإنسان عن صناعة المصير

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
في فلسطين، حيث يواجه الإنسان قسوة الحرب، ومرارة النزوح، وفقدان الأحبة، وانكسار تفاصيل الحياة، يصبح الحديث عن التغيير أكثر من فكرة فلسفية؛ إنه سؤال عن قدرتنا على حماية إنسانيتنا، وصون قيمنا، وإعادة بناء مجتمع أنهكته المأساة. فليس كل ما يصيبنا من صنع أيدينا، لكن مسؤوليتنا تبدأ من الطريقة التي نواجه بها الواقع، ومن قدرتنا على ألا نسمح للظلم الذي نعيشه بأن يتحول إلى سلوك نمارسه، أو للمعاناة التي نتحملها بأن تنتزع منا عدلنا تجاه الآخرين.
ليس العالم مشهدًا نقف خارجه لنحصي عيوبه، بل واقع نشارك في تشكيله بوعي أحيانًا، وبسطوة الاعتياد أحيانًا أخرى. فالظلم والفساد لا تصنعهما موازين القوة وحدها، بل قد تسهم في استمرارهما تجاوزات صغيرة نصمت عنها، ومصالح نبررها، وحقوق نتغاضى عن انتهاكها حين لا نكون أصحابها.

نستنكر الظلم ما دمنا ضحاياه، ونطالب بالعدل ما دامت مصالحنا لا تتعارض معه؛ لكن الاختبار الحقيقي يبدأ حين تتغير مواقعنا. فهل نريد عالمًا أكثر عدلًا، أم نريد فقط أن يكون العدل حليفًا لمصالحنا؟

قد ينتقل الإنسان من موقع الضعف إلى القوة، ثم يعيد إنتاج الظلم الذي عانى منه، وكأن مشكلته لم تكن مع الظلم ذاته، بل مع كونه ضحيته. وهنا يظهر الفارق بين تغير المواقع وتغير النفوس؛ فالنضج الأخلاقي لا يُقاس بما نملكه من سلطة أو مكانة، بل بقدرتنا على التمسك بمبادئنا حين تتعارض مع مصالحنا، وإنصاف المختلفين معنا، والاعتراف بأخطائنا دون مكابرة.

وفي واقعنا الفلسطيني، لا يكفي أن نتحدث عن الوحدة والعدالة والكرامة، بينما نسمح للمحسوبية والإقصاء وازدواجية المعايير بأن تتسلل إلى علاقاتنا ومؤسساتنا. ولا يجوز أن تتحول الخلافات السياسية والاجتماعية إلى مبرر لانتقاص كرامة الإنسان أو حرمانه من حقه. فالمعاناة المشتركة ينبغي أن توسع مساحة التضامن بيننا، لا أن تجعل بعضنا أكثر قسوة على بعض.

ولا يبدأ الانحراف دائمًا بقرار كبير؛ فقد يبدأ باستثناء صغير يبرره صاحبه، ثم يكرره حتى يألفه، ويعيد تشكيل معاييره لتصبح أخطاؤه مقبولة. عندئذ يتراجع سؤال «هل هذا صواب؟» أمام سؤال «ما المشكلة ما دام الجميع يفعل ذلك؟». وهكذا يصبح الاعتياد غطاءً للخطأ، وتصير المصلحة أقوى من الضمير.

ومع ذلك، ليس من العدل تحميل الإنسان وحده مسؤولية ظروف فرضتها الحرب والفقر والتمييز وغياب الفرص. فالإصلاح يحتاج إلى مؤسسات عادلة وشفافة تحمي الحقوق وتحاسب المخالفين، وإلى أفراد يرفضون الرشوة والمحسوبية والتواطؤ مع الخطأ. فالضمير وحده لا يعوض غياب العدالة، كما أن القوانين وحدها لا تضمن نزاهة من يطبقونها.

إن الاعتراف بالخطأ ليس انتقاصًا من الكرامة، بل بداية لاستعادتها. ومن حق كل فلسطيني أن يسأل نفسه: هل كنت سأقبل هذا التصرف لو كنت المتضرر منه؟ وهل سأدافع عن المبدأ نفسه لو تعارض مع مصلحتي؟

في نهاية المطاف، لا تتغير الأوطان بالشعارات وحدها، ولا تُبنى المجتمعات بالأمنيات، بل بمراجعة الذات، وتصحيح السلوك، وإقامة العدل، واحترام كرامة الإنسان. نحن لسنا مسؤولين عن كل ما حلّ بفلسطين من مآسٍ، لكننا مسؤولون عن القيم التي نحميها وسط المأساة، وعن المجتمع الذي نريد أن ننهض به من تحت الركام.

فقد نخسر بيوتنا وأماننا وأشياء كثيرة بفعل الظلم، لكن خسارتنا الأخطر أن نسمح له بأن يغيّر أخلاقنا؛ ففلسطين التي نحلم باستعادتها لا تحتاج إلى أرض محررة فحسب، بل إلى إنسان يحمي حريتها بالعدل، ويصون كرامتها بالأخلاق، ويبدأ التغيير من نفسه دون أن يتنازل عن حقه في تغيير الواقع.

شاهد أيضاً

مركزية فتح تؤكد على مواصلة الحوار الوطني واستنهاض الحركة وتعزيز صمود شعبنا

مركزية فتح تؤكد على مواصلة الحوار الوطني واستنهاض الحركة وتعزيز صمود شعبنا

شفا – عقدت اللجنة المركزية لحركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح”، اجتماعا اليوم الخميس، ناقشت خلاله …