12:31 مساءً / 20 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

من التعاون في المشاريع إلى الشراكة في سلاسل القيمة الصناعية، نحو مرحلة جديدة من التنمية عالية الجودة في التعاون الصيني المصري ، بقلم : ما تينغ

يصادف عام 2026 الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر. وفي الفترة من 1 إلى 2 سبتمبر، قام رئيس الصين شي جين بينغ بزيارة إلى مصر، هي الأولى له منذ عشر سنوات، والتقى بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حيث وضعا تصورات جديدة لمواصلة تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين ومصر في العصر الجديد. وخلال الزيارة، وقّع الجانبان عدداً من وثائق التعاون في مجالات البناء المشترك لمبادرة «الحزام والطريق»، والاقتصاد والتجارة، وسلاسل القيمة الصناعية وسلاسل الإمداد، والذكاء الاصطناعي وغيرها، كما وقّعا أكثر من 20 وثيقة تعاون في مجالات الاقتصاد الرقمي، والعلوم والتكنولوجيا، والتعليم، والنقل وغيرها.

ومن خلال هذه النتائج، يمكن ملاحظة تغير جدير بالاهتمام في التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر: فلم يعد التركيز في التعاون مقتصراً على مشاريع البنية التحتية والمشاريع الكبرى، بل بدأ يمتد تدريجياً إلى التكامل بين سلاسل القيمة الصناعية، والابتكار التكنولوجي، والتوطين الصناعي. وبعبارة أخرى، ينتقل التعاون الصيني المصري من «التعاون في المشاريع» إلى «التنمية الصناعية المشتركة»، ومن التعاون القائم على المشاريع كحامل رئيسي له إلى اندماج أعمق قائم على سلاسل القيمة الصناعية.

من «المشاريع الكبرى» إلى «سلاسل القيمة الصناعية» يتجه التعاون الصيني المصري نحو الارتقاء بالجودة

على مدى فترة طويلة في الماضي، كان أكثر ما يلفت الأنظار في التعاون الصيني المصري هو مشاريع البنية التحتية والمشاريع الهندسية الكبرى. فمن النقل والكهرباء والطاقة إلى التنمية الحضرية، شهدت مجموعة من المشاريع الرائدة تعمق البناء المشترك لمبادرة «الحزام والطريق» بين الصين ومصر بصورة مستمرة. وقد أسهمت هذه المشاريع في تحسين البنية التحتية في مصر، وقدمت دعماً مهماً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المحلية.

لكن بالنسبة إلى دولة يتجاوز عدد سكانها 100 مليون نسمة، وتمتلك مزايا جغرافية واضحة وتطلعات إلى التصنيع والتنمية، فإن البنية التحتية ليست سوى نقطة انطلاق للتنمية. أما القوة الدافعة الحقيقية القادرة على تحقيق نمو مستدام على المدى الطويل، فتتمثل في بناء دورة مستقرة تربط بين الصناعة والتكنولوجيا والمواهب والأسواق.

وقد أظهرت زيارة الرئيس شي جين بينغ إلى مصر بوضوح أن التعاون بين البلدين يتوسع بصورة أكبر ليشمل مجالات الطاقة الخضراء، والمركبات الكهربائية، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، وأشباه الموصلات، والأمن السيبراني، وتطبيقات الفضاء، والاستشعار عن بُعد وغيرها، كما طرح الجانبان استكشاف التعاون في توطين الصناعات في مجالات المركبات الكهربائية، وبناء السفن، والطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، وتحلية مياه البحر وغيرها. وهذا يعني أن مضمون التعاون الصيني المصري يشهد تغيراً.

في الماضي، كان تنفيذ مشروع ما يعني في كثير من الأحيان أن جسراً أو خطاً للسكك الحديدية أو محطة لتوليد الكهرباء أو مبنى قد أُنجز وأصبح قائماً؛ أما اليوم، فقد بدأ الجانبان يوليان اهتماماً أكبر بسلاسل القيمة الصناعية وسلاسل الإمداد وسلاسل التكنولوجيا وسلاسل المواهب الكامنة وراء المشاريع. ولم يعد التعاون يقتصر على الإجابة عن سؤال «ماذا نبني؟»، بل بدأ أيضاً في الإجابة عن أسئلة أعمق من قبيل «كيف تبقى الصناعة وتتطور محلياً؟»، و«كيف تتحول التكنولوجيا إلى تطبيقات فعلية؟»، و«كيف تتشكل التجمعات الصناعية؟»، و«كيف تدخل المنتجات إلى الأسواق الإقليمية والعالمية؟».

وهذه هي الخطوة الأساسية التي يرتقي بها التعاون الصيني المصري نحو التنمية عالية الجودة.

المنطقة الاقتصادية والتجارية لقناة السويس تمثل صورة حية لهذا التحول

إذا أردنا البحث عن مثال نموذجي يوضح انتقال التعاون الصيني المصري من «المشروع» إلى «الصناعة»، فإن المنطقة الاقتصادية والتجارية لقناة السويس تمثل بلا شك نافذة مهمة لرصد هذا التحول.

قبل أكثر من عشر سنوات، كانت المنطقة تؤدي بدرجة أكبر وظائف استقطاب الاستثمارات، وإنشاء المناطق الصناعية، وتحسين البنية التحتية وغيرها. أما اليوم، وبعد سنوات من التطور المستمر، فقد تشكل فيها تجمع صناعي. وحتى نهاية عام 2025، استقطبت المنطقة الاقتصادية والتجارية الصينية المصرية «تيدا» ما يقرب من 200 شركة، وبلغ إجمالي الاستثمارات الفعلية فيها أكثر من 3.8 مليار دولار، ووفرت بصورة مباشرة نحو 10 آلاف فرصة عمل، كما تشكلت فيها تجمعات صناعية تشمل الخدمات اللوجستية في المناطق الحرة، ومواد البناء الجديدة، وتصنيع الآلات، والمنسوجات، والطاقة الجديدة، والأجهزة المنزلية وغيرها.

والأكثر أهمية هو أن بعض الشركات لم تعد تكتفي بمجرد تجميع المنتجات، بل بدأت تحقق التصنيع المحلي وتوجّه إنتاجها نحو الأسواق الدولية.

فعلى سبيل المثال، أنشأت قاعدة إنتاج شركة ميديا في مصر قدرات لإنتاج الأجهزة المنزلية الذكية؛ وأسهم مشروع شركة «جوشي» المصرية للفيبرجلاس في تطوير الصناعات ذات الصلة؛ كما حقق مشروع «إيجيماك» للكهرباء عالية الجهد التابع لشركة «شيديان» الصينية تصنيعاً محلياً للمعدات الكهربائية ذات الجهد العالي، وتوجّهت المنتجات ذات الصلة أيضاً إلى الأسواق العالمية.

ومن هنا، يتضح أن أهمية المنطقة الصناعية لم تعد تقتصر على كونها «منصة لاستقطاب الاستثمارات» بالمعنى التقليدي. فعندما تتجمع الشركات والموردون والخدمات اللوجستية والمواهب والتكنولوجيا بصورة متواصلة في منطقة واحدة، يمكن لمشروع واحد أن يتطور إلى تجمع صناعي، ويمكن لهذا التجمع الصناعي بدوره أن يؤدي إلى تشكيل سلسلة إمداد أكثر اكتمالاً.

وهذا يمثل تجسيداً مهماً لانتقال تعاون «الحزام والطريق» من «الربط في مجال البنية التحتية» إلى «تعزيز القدرات الصناعية».

المزايا الجغرافية لمصر تمنح التعاون في سلاسل القيمة الصناعية آفاقاً أوسع

إن امتلاك التعاون الصناعي الصيني المصري إمكانات طويلة الأجل يعود أيضاً إلى التكامل الاقتصادي الواضح بين الجانبين.

فمصر تمتد عبر قارتي آسيا وأفريقيا، وتربط بين البحر المتوسط والبحر الأحمر وقناة السويس، وهي عقدة مهمة تربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. وقد نص البيان المشترك الصيني المصري هذه المرة بوضوح على أن الجانبين سيعملان على تعميق المواءمة بين مبادرة «الحزام والطريق» المشتركة و«رؤية مصر 2030»، بما يساعد مصر على أن تصبح مركزاً إقليمياً للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي.

وهذا يعني أن قيمة مصر بالنسبة إلى الشركات الصينية تتوسع من كونها «سوقاً خارجية» مهمة إلى كونها قاعدة صناعية مهمة للوصول إلى الأسواق الإقليمية.

وبالنسبة إلى مصر، فإن ما تجلبه الشركات الصينية ليس فقط رأس المال والمعدات، بل يشمل أيضاً القدرات التنظيمية الصناعية، والخبرة الإنتاجية، وتطبيق التكنولوجيا، وموارد سلاسل الإمداد العالمية؛ أما بالنسبة إلى الشركات الصينية، فيمكن لمصر أن توفر نقطة ارتكاز مهمة لدخول الأسواق الأفريقية والشرق أوسطية والأسواق الإقليمية الأوسع.

ومن شأن الجمع بين مزايا الجانبين أن يتيح إمكانية جديدة لنموذج «التصنيع في مصر، والتسويق إقليمياً، والارتباط بالأسواق العالمية».

لذلك، فإن ما يستحق الاهتمام في التعاون الصيني المصري مستقبلاً ليس فقط حجم الاستثمارات التي تضخها الشركات الصينية في مصر، بل أيضاً ما إذا كان بالإمكان تشكيل المزيد من التجمعات الصناعية القادرة على المنافسة دولياً، وما إذا كان بالإمكان إدماج المزيد من الشركات المصرية في سلاسل الإمداد، وما إذا كان بالإمكان خلق المزيد من فرص التكنولوجيا والتوظيف والتصدير.

ستصبح الصناعات الناشئة محركاً مهماً للنمو في المرحلة المقبلة من التعاون

ومن الإشارات الواضحة الأخرى التي أطلقتها الزيارة أن التعاون الصناعي الصيني المصري يتجه بوتيرة متسارعة نحو مجالات الرقمنة والتنمية الخضراء والتكنولوجيا المتقدمة.

فمجالات الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، ومراكز البيانات، وأشباه الموصلات، والأمن السيبراني، وتطبيقات الفضاء تمثل اتجاهات الثورة الصناعية الجديدة؛ بينما تتوافق مجالات المركبات الكهربائية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتحلية مياه البحر بدرجة كبيرة مع احتياجات مصر للتحول الأخضر والتنمية المستدامة. وقد أكد الجانبان بالفعل دعمهما للشركات في تنفيذ التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والتصنيع المحلي، والطاقة المتجددة.

وهذا يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الصيني المصري.

ولا سيما في ظل تسارع إعادة تشكيل سلاسل القيمة الصناعية العالمية، لم يعد التعاون في سلاسل القيمة الصناعية يقتصر على «بيع المنتجات»، بل أصبح يولي اهتماماً أكبر بالتنسيق بين البحث والتطوير والإنتاج والخدمات اللوجستية والخدمات والأسواق. ومن شأن الجمع بين التكنولوجيا والقدرات التصنيعية للشركات الصينية وبين المزايا الجغرافية والسوقية لمصر أن يدفع بصورة أكبر نحو إقامة علاقات تعاون أكثر استقراراً ومرونة في سلاسل القيمة الصناعية.

وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يصبح «التوطين» في التعاون الصناعي معياراً مهماً لقياس جودة التعاون. ففقط عندما تترسخ المزيد من التكنولوجيا والمواهب وسلاسل الإمداد والقدرات الإنتاجية فعلياً في السوق المحلية، يمكن أن يتحول التعاون من عوائد المشاريع لمرة واحدة إلى قدرات تنموية طويلة الأجل.

من «البناء المشترك» إلى «التنمية المشتركة»

تُظهر مسيرة الصداقة والتعاون بين الصين ومصر على مدى 70 عاماً أن أحد الأسباب المهمة التي مكّنت التعاون بين الجانبين من التعمق المستمر هو التكامل الكبير بين استراتيجيات التنمية لدى البلدين.

واليوم، تقف العلاقات الصينية المصرية عند نقطة انطلاق جديدة. فلم تقتصر زيارة الرئيس شي جين بينغ على ضخ زخم جديد في مجالات التعاون التقليدية بين البلدين، بل فتحت أيضاً آفاقاً جديدة للتعاون في سلاسل القيمة الصناعية والابتكار التكنولوجي والصناعات الناشئة. كما تعمل سلسلة وثائق التعاون التي وقعها الجانبان على تحويل التوافقات الاستراتيجية إلى مجالات تعاون أكثر تحديداً.

من البنية التحتية إلى المناطق الصناعية، ومن المشاريع الفردية إلى التجمعات الصناعية، ومن تجارة المنتجات إلى التعاون في سلاسل الإمداد، وصولاً إلى الاقتصاد الرقمي والطاقة الخضراء والتصنيع المتقدم، تتزايد باستمرار «القيمة النوعية» للتعاون الصيني المصري.

وهذا هو أيضاً جوهر البناء المشترك عالي الجودة لمبادرة «الحزام والطريق»؛ فالتعاون لا ينبغي أن يقتصر على ترك مجموعة من المشاريع وراءه، بل ينبغي أن يترك أيضاً صناعات وتكنولوجيا ومواهب وقدرات تنموية.

ومع انطلاق البلدين من الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية نحو مرحلة جديدة، يشهد التعاون الصيني المصري تحولاً مهماً من «التعاون في المشاريع» إلى «التكامل الصناعي». ومع مواصلة الجانبين تعزيز المواءمة بين استراتيجيات التنمية، والتصنيع المحلي، والتعاون في المجالات الناشئة، يمكن للصين ومصر أن تنتقلا من شريكين اقتصاديين وتجاريين مهمين لبعضهما البعض إلى شريكين أكثر عمقاً في سلاسل القيمة الصناعية.

ومن «مشاريع التعاون» إلى «شراكة في سلاسل القيمة الصناعية»، ما يتغير هو أسلوب التعاون، بينما لا تتغير روح المنفعة المتبادلة والفوز المشترك؛ وما يتوسع هو مجالات التعاون، وما تتجه إليه في نهاية المطاف هو مستقبل التنمية المشتركة للبلدين.

  • ما تينغ – باحثة في مركز الدراسات الشرق الأوسطية، جامعة صن يات-سين – الصين .

شاهد أيضاً

صناعة الجينسنغ تحفز النمو الاقتصادي المحلي وتعزز دخول المواطنين في شمال شرقي الصين

صناعة الجينسنغ تحفز النمو الاقتصادي المحلي وتعزز دخول المواطنين في شمال شرقي الصين

شفا – توافد تجار الجينسنغ من شتى أنحاء الصين مؤخرا إلى سوق وانليانغ لتجارة الجينسنغ، …