9:07 مساءً / 18 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

كفٌّ نازف ، بقلم : بلقيس عثامنه

كفٌّ نازف

كفٌّ نازف ، بقلم : بلقيس عثامنه


سقط كوب القهوة، يدها مرتعشة في لحظة غيابها عن واقع يؤلمها واستسلامها بحذر لغيباهب عالمها، ظنت أن الأرض توقفت عن الدوران للحظة! تنبهت لصوت ارتطام كوبها، الكوب الذي يعرفها قبل الحادثة، فُطر قلبها لرؤية فتات الزجاج ممزوجا بمرارة القهوة ومختلطا بالحب والذكريات التي تتشاركها والكوب، والآن.. خسرت، دوى سقوطه في قلبها، وانهارت، فاض سيل من دموعها اختلط بالقهوة الساخنة المسكوبة..


كم مضى من الوقت؟ لا تعلم! لم تشعر بنزيف قدميها ويديها، كان الكون في رأسها بقايا غير منسوجة تفضي بها إلى فناء، خارت قواها، فقدت سيطرتها، استيقظت من غيبوبة الألم على صوت هاتفها يرن، المكالمة العاشرة الفائتة، قلق يرتاب صديقتها لغيابها منذ أيام…


نظرت إلى الهاتف، التقطته، شعرت بوخزات الزجاج في قدميها، عاد إليها جزء من صوابها، ولكن رأسها كان يدور كأفلاك، أيقنت أن فقدها، هذه المرة، مختلف، سقط الكوب مرارا من قبل، وفي كل مرة أصلحت الشظية وعادت إليه؛ ليعيد جمعها وينقذها من تخوم الحزن، تتذوق مرارة العالم من خلال قهوتها لعلّها تستفيق ذات صباح!


هذه المرة خذلت يدها الكوب، لم تتشبث جيدا، لم تستدرك لحظة الانهيار، ولم تستفق أبدا.. الكوب جميل نهر دافق من زرقة، يحمل اسمها بأحرف بيضاء كغيمة تظلل بستانا، وأزهار السيلين والترمس البري والدحنون والأقحوان تزينه، وسوسنة سوداء في وسط الأزهار تسلب الأنظار، تأملها يحمل شيئا من ثبات الفقد، وفقد الحضور، تحول الآن إلى فسيفساء، قطع متناثرة في كل مكان، إلا أن السوسنة حافظت على سحرها.. أمسكتها بيدها النازفة، وعادت لغيبوبتها، هذه المرة، بكى فؤادها أثناء استعادتها لحظاتها الشقية وضحكاتها الصاخبة، عادت إليها روحها مع كل نظرة لهذه الزهرة.. كثيرا ما سافرت بذاكرتها رفقة تأملاتها المهملة وسنوسنتها..


أيقنت، في هذه اللحظة، أنها خسرت ثمينا لن يعود، وعادت إلى عزلتها البائسة، زهرة ذابلة فقدت بستانها اليانع، وخسرت حضورا كان قوتها، نظرت إلى جسدها النازف، غاصت في روحها الممزقة وعلمت أن جرحا لن يزول أبدا، كان جرح كفها، ذات الكف الذي قرأته البصارة ذات مساء أيلولي في حديقة بعيدة حد القرب، من جمالها تظنها أكذوبة، “ستكونين زهرة برية نادرة الحضور، بريقك يلفت الأنظار، أريجك يحفر في الذاكرة، حدك السماء، وقوتك الأرض، وارتواؤك دموع تفيض من عينيك اللامعتين، دافئة أنت، ولكنك يا زهرتي وحيدة، احذري القطف فإن خسرت قوتك.. فقدت البقاء”.


جرح عميق في يدها سيربطها بهذه الأرض التي نقشتها على الكوب بيديها الساحرتين، علمت أن جذور أرضها قد غرست اليوم في كفها لتكون علامة الولادة المؤلمة، وحضور ذكرى لن تزول كانت كوبا وأصبحت دما داكنا.. راقبت بصمت التحام لحمها وتكوينه المشوه الجديد، وواصلت كل صباح تأمل كفها وكوبها الذي جمعته لوحة، وأقسمت ألا تتذوق مرار القهوة من جديد! لكن الكون داخلها تضاعف حجمه عدة مرات منذ يوم انهيارها!

شاهد أيضاً

رئيس الجبل الأسود يلتقي وزير الخارجية الصيني وانغ يي

شفا – التقى رئيس الجبل الأسود ياكوف ميلاتوفيتش وزير الخارجية الصيني الزائر وانغ يي في …