12:57 مساءً / 17 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

ناصر الدين… رائد العصيان المدني في الخليل، وذاكرة وطن تنتظر الإنصاف ، بقلم: المهندس غسان جابر

ناصر الدين… رائد العصيان المدني في الخليل، وذاكرة وطن تنتظر الإنصاف ، بقلم: المهندس غسان جابر

ناصر الدين… رائد العصيان المدني في الخليل، وذاكرة وطن تنتظر الإنصاف ، بقلم: المهندس غسان جابر

ليست الخيانة الوحيدة للتاريخ أن تُزوَّر الوقائع؛ أن يُترك المناضلون في زوايا النسيان خيانةٌ لا تقل قسوة. وحين يغيب أصحاب المواقف عن ذاكرة الأجيال، لا نخسر أسماءً فحسب، بل نخسر صفحات من تاريخ المقاومة الفلسطينية، ونترك فراغًا لا يملؤه إلا التوثيق واستعادة الحقيقة.

من هنا، تأتي ضرورة استعادة سيرة الحاج ناصر الدين عبد الفتاح ناصر، رئيس بلدية الخليل في عهد الانتداب البريطاني، والرجل الذي تنسب إليه الرواية التاريخية المحلية ريادة تأسيس العصيان المدني البلدي في فلسطين، في مواجهة سلطات الانتداب، خلال مرحلة كانت فيها الإرادة الوطنية تُختبر بالفعل لا بالشعارات.

وفق السجل الرسمي لبلدية الخليل، تولى ناصر الدين رئاسة البلدية بين 18 أيار/مايو 1935 و28 أيار/مايو 1936. وفي تلك المرحلة المفصلية، كانت فلسطين تتجه نحو الإضراب العام والثورة الكبرى عام 1936، في مواجهة الانتداب البريطاني وسياساته، وتصاعد المشروع الصهيوني على أرضها.

إن أهمية ناصر الدين لا ينبغي أن تُختزل في منصبه البلدي، بل في الدلالة الوطنية للموقف المنسوب إليه: أن تتحول المؤسسة المحلية من جهاز إداري محدود الصلاحيات إلى مساحة فعل وطني، وأن يصبح الامتناع عن الخضوع المدني وسيلة احتجاج في مواجهة سلطة استعمارية. فالعصيان المدني ليس تفصيلًا إداريًا، بل تعبير عن إرادة شعب يرفض أن تُدار حياته ومصائره بعيدًا عن حقوقه الوطنية.

وإذا أكدت الوثائق أسبقية بلدية الخليل في هذه التجربة، فإن ذلك يمنح المدينة موقعًا متقدمًا في تاريخ المقاومة الشعبية الفلسطينية، ويعيد الاعتبار إلى شكل من أشكال النضال الذي لا يقل أهمية عن المواجهة في الشوارع وساحات الاشتباك. لكن هذه المكانة لا تُصان بالشعارات وحدها؛ بل ببحث علمي مسؤول يثبت الوقائع، ويحدد التسلسل الزمني، ويكشف تفاصيل القرار ودور صاحبه.

وتزداد مسؤولية التوثيق إلحاحًا أمام ما ورد عن اغتيال ناصر الدين في آب/أغسطس 1936، في مرحلة كانت فلسطين تعيش فيها اضطرابًا سياسيًا ومواجهة متصاعدة مع سلطات الانتداب. غير أن تفاصيل الحادثة وهوية المسؤولين عنها تحتاج إلى تحقيق تاريخي يستند إلى الوثائق المعاصرة، بعيدًا عن الاستنتاجات غير المثبتة.

إن واجبنا الوطني اليوم أن نفتح ملف ناصر الدين، لا أن نكتفي بتداول صورته. ندعو بلدية الخليل، والمؤسسات الثقافية والبحثية، والجامعات الفلسطينية، والمؤرخين، وعائلة الراحل، إلى إطلاق مبادرة جادة لجمع محاضر البلدية ووثائقها، والبحث في الصحف الفلسطينية الصادرة عام 1936، واستعادة الشهادات العائلية والمحلية، والتحقق من تفاصيل الإضراب والعصيان المدني وظروف الاغتيال. والمطلوب أن تنتهي هذه الجهود إلى سيرة موثقة، ودراسة تاريخية منشورة، وإدراج اسمه ودوره في برامج التثقيف الوطني وتاريخ المدينة.

لسنا أمام مهمة احتفالية عابرة، ولا أمام محاولة لإضافة اسم إلى قائمة الأسماء المنسية. نحن أمام استحقاق وطني يتعلق بمن يكتب تاريخ فلسطين، وكيف نحفظ ذاكرة مقاومتها، وكيف نمنع تهميش رجالها الذين أدوا أدوارهم في ظروف بالغة الصعوبة.

إن الأوطان التي تحترم تاريخها لا تترك مناضليها رهائن للروايات الشفهية، ولا تنتظر أن يأتي الآخرون ليعرّفوها برجالها. وهي لا تكتفي بتكريم الأحياء، بل تنصف الراحلين بالبحث والتحقيق وحفظ الوثائق، وتمنح الأجيال حقها في معرفة من سبقها، وكيف قاوم، وماذا ترك من إرث وطني.

رحم الله الحاج ناصر الدين عبد الفتاح ناصر الدين.

إن استعادة سيرته ليست استدعاءً للماضي، بل دفاع عن الذاكرة الوطنية، وتأكيد أن المقاومة الفلسطينية لم تبدأ مع جيل واحد، ولم تُصنع في ميدان واحد، بل راكمها رجال ونساء، ومؤسسات شعبية، ومواقف شجاعة امتدت عبر الأجيال.

لا نريد لناصر الدين صورةً تُنشر ثم تُنسى؛ نريده تاريخًا يُوثَّق، ودورًا يُنصف، وذاكرةً وطنيةً تنتقل من جيل إلى جيل. فالشعب الذي لا يوثّق تاريخه يترك للآخرين حق روايته، ومن لا يحفظ ذاكرة مناضليه يفرّط بجزء من هويته الوطنية.

م. غسان جابر – الخليل

شاهد أيضاً

مستوطنون يهاجمون مزارعين شمال سلفيت

مستوطنون يهاجمون مزارعين شمال سلفيت

شفا – هاجم مستوطنون، اليوم السبت، مزارعين في منطقة الواد بين بلدات جماعين ومردا وياسوف …