
شفا – كشف تقرير بحثي إسرائيلي جديد عن فجوات واسعة في مستويات التعليم والإنتاجية الاقتصادية، محذرًا من انعكاساتها على مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي، في ظل اعتماد قطاعات الإنتاج المتقدمة على شريحة محدودة من السكان، وتدنّي تحصيل مجموعات واسعة من الطلاب، ولا سيما الطلاب العرب، الذين يشكّلون نحو ربع طلاب الصف الأول في إسرائيل.
وبحسب دراسة نشرها معهد “شورش” للأبحاث الاقتصادية والاجتماعية، اليوم الخميس، تحت عنوان “دليل شورش 2026: التهديد الاقتصادي-الاجتماعي لإسرائيل”، فإن نتائج الطلاب الذين وصفهم بأنهم “ناطقون بالعربية” في اختبارات التقييم الدولي للطلاب (PISA) لعام 2025، جاءت أدنى من نتائج جميع دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، وكذلك من ست دول عربية من أصل سبع شاركت في الاختبار.
وأعدّ الدراسة رئيس المعهد، البروفيسور دان بن دافيد، الذي حذّر من أن اتساع الفجوات التعليمية، بالتزامن مع التحولات الديموغرافية وتراجع الإنتاجية، يهدد قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على الحفاظ على مكانته بين الاقتصادات المتقدمة، معتبرًا أن معالجة هذه الفجوات لم تعد قضية تخص مجموعات سكانية بعينها.
وأظهرت معطيات الدراسة أن”الطلاب العرب يشكّلون 23% من إجمالي طلاب الصف الأول في إسرائيل عام 2026، وهي نسبة يرى الباحثون أنها تجعل مستوى التعليم في المجتمع العربي عاملًا مؤثرًا في مستقبل الاقتصاد بأكمله، بالنظر إلى وزن هذه الفئة بين الأجيال التي ستدخل سوق العمل خلال العقود المقبلة.
وقال بن دافيد إن “قوة العمل التي ستعتمد عليها إسرائيل بعد عشرين عامًا موجودة اليوم في المدارس”، مضيفًا أنه “عندما يكون نحو ربع طلاب الصف الأول من الناطقين بالعربية، فإن جودة التعليم الذي يتلقونه والفرص التي ستتاح لهم ليست شأنًا يخص المجتمع العربي وحده”.
وأضاف: “لن تتمكن إسرائيل من الحفاظ على مكانتها كدولة متقدمة إذا لم تحصل شرائح واسعة من الجيل القادم على الأدوات التي تمكّنها من الاندماج الكامل في اقتصاد حديث”، معتبرًا أن “تقليص الفجوات يصبّ في مصلحة المجتمع العربي والدولة بأسرها”.
تراجع الإنتاجية واتساع الفجوة مع الدول المتقدمة
ورصدت الدراسة تراجعًا طويل الأمد في موقع الاقتصاد الإسرائيلي مقارنة باقتصادات مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى (G7)، إذ كانت الإنتاجية الإجمالية في إسرائيل أقل بنسبة 27% من متوسط هذه الدول عام 1954، قبل أن تتجاوز المتوسط بنسبة 9% عام 1975.
غير أن هذا الاتجاه انعكس في العقود اللاحقة، لتصبح الإنتاجية الإجمالية في إسرائيل أقل بنسبة 15% من متوسط دول المجموعة بحلول عام 2023، وفق معطيات المعهد.
وأظهرت الدراسة أيضًا تفاوتًا كبيرًا بين قطاع التكنولوجيا المتقدمة (الهايتك)، وبقية الاقتصاد الإسرائيلي. ففي عام 2024، كانت إنتاجية العمل في قطاع الهايتك، الذي يشغّل نحو 10% من العاملين، أعلى بنسبة 22% من متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بينما كانت إنتاجية العمل لدى بقية العاملين، الذين يشكّلون نحو 90%، أقل بنسبة 24% من المتوسط نفسه.
وأشار المعهد إلى أن العاملين في المهن التكنولوجية داخل قطاع الهايتك، والأطباء، وكبار أعضاء الهيئات الأكاديمية في الجامعات البحثية، لا تتجاوز نسبتهم مجتمعين 3% من سكان إسرائيل، في مؤشر إلى ضيق القاعدة السكانية التي تستند إليها قطاعات رئيسية من الاقتصاد والبحث العلمي.
فجوات التعليم لا تقتصر على المجتمع العربي
وفي حين تبرز الدراسة تدني تحصيل الطلاب العرب، فإنها تشير إلى فجوات تعليمية واسعة في مجموعات أخرى داخل إسرائيل. فبحسب نتائج اختبارات PISA لعام 2025 التي أوردتها، تفوقت 76% من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على طلاب التعليم الرسمي الديني في إسرائيل، مقابل 81% من دول المنظمة التي تفوقت على طلاب التعليم الرسمي.
أما معظم الفتيان الحريديين، فلا يدرسون جميع مواد المنهاج الأساسي التي تشملها الاختبارات، ولا يشاركون فيها أصلًا، ما يعني أن نتائجهم لا تنعكس في المقارنات الدولية التي استندت إليها الدراسة.
ويربط المعهد بين هذه المعطيات وبين قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على توسيع قاعدة رأس المال البشري، محذرًا من أن استمرار الفجوات التعليمية بين الأجيال الشابة سيحدّ من فرص رفع الإنتاجية وتحسين مستويات المعيشة مستقبلًا.
هجرة الكفاءات واتساع الفجوة بين المهاجرين و”العائدين”
وتناولت الدراسة مؤشرات تتعلق بهجرة أصحاب الكفاءات من إسرائيل، إذ ارتفعت نسبة الأطباء الإسرائيليين المقيمين في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، باستثناء الولايات المتحدة، قياسًا إلى عدد الأطباء في إسرائيل، من 0.7% عام 2000 إلى 1.9% عام 2023، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف.
وفي عام 2024، غادر إسرائيل 35,993 شخصًا من مواليد البلاد، مقابل عودة 13,820 شخصًا، ما يعني أن عدد المغادرين تجاوز عدد العائدين بنحو 160%.
وحذّر بن دافيد من أن تقلّص قاعدة رأس المال البشري، بالتزامن مع تزايد الأعباء على أصحاب الكفاءات الذين يبقون في إسرائيل، قد يؤدي إلى اتساع الظاهرة وتسارعها، بما يزيد الضغوط على الاقتصاد في المدى الطويل.
توصيات تتعلق بالتعليم والميزانيات ونظام الحكم
وتصدر الدراسة قبل نحو أسبوعين من انتخابات الكنيست، في محاولة لطرح التحديات الاقتصادية والاجتماعية أمام الحكومة المقبلة، التي يرى بن دافيد أنها ستواجه ضرورة اتخاذ قرارات تتعلق بمسار الاقتصاد الإسرائيلي وقدرته على معالجة الفجوات القائمة.
ويطرح رئيس المعهد تصورًا يسميه “إسرائيل 2.0″، يستند إلى أربعة تغييرات أساسية، في مقدمتها اعتماد منهاج تعليمي أساسي مطوّر وموحّد وإلزامي لجميع الطلاب، وإعادة ترتيب أولويات الميزانية العامة، بما ينقل التركيز من الاعتبارات القطاعية إلى ما يصفه بـ”الأولويات الوطنية”.
ويتضمن التصور أيضًا تغيير نظام الحكم لتعزيز آليات الرقابة والتوازن بين السلطات وتحسين فاعلية الحكم، إلى جانب إقرار دستور يكفل حماية أسس الدولة والحقوق الأساسية لمواطنيها.
ويخلص بن دافيد إلى أن مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي مرتبط بمدى قدرة الدولة على توفير تعليم يؤهل شرائح أوسع من السكان للمشاركة في الاقتصاد الحديث، بدل استمرار الاعتماد على قاعدة محدودة من أصحاب الكفاءات والإنتاجية المرتفعة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.