
قوائم الموت المؤجلة : حين يتحول حق العلاج إلى تصريح لا يأتي وتجارة في العتمة ، بقلم : أ. منال رمضان الصفدي
ليست مجرد أوراق مكدسة في أدراج المكاتب الصحية ولا أرقاماً متتابعة على شاشات الحواسيب تنتظر الإشارة الخضراء ؛ إنها أنفاس تُعد ، وأجساد تذوي ببطء وأرواح معلقة بين تقرير طبي يستغيث وبوابة معبر موصدة .
في غزة ، لم تعد قوائم السفر للعلاج مجرد مسار إداري للتحويلات الطبية ،بل تحولت إلى برزخٍ قاسٍ يختبر قدرة الإنسان على احتمال الوجع ، حيث تفصل بين الحياة والموت ورقة مختومة ب الموافقة ، ورقة قد تستغرق شهوراً أو قد تضيع في دهاليز الانتظار إلى الأبد ومن المرجح أن يتركها المريض للورثة .
يقف مريض السرطان أمام مرآته يراقب الورم وهو يتمدد مدركاً أن جرعة الكيماوي أو جلسة الإشعاع التي يحتاجها موجودة على بعد مسافة قصيرة خلف الحدود ، لكنها تظل أبعد من النجوم .
هنا في المنظومة الصحية المستنزفة يقاتل الأطباء بما تيسر من مسكنات واجهزة أنهكها الاستهداف والحصار ، ليتحول الطبيب أحياناً من المعالجة إلى مرافقة المريض في رحلة التراجع نحو الموت التلطيفي ، ليت المشكلة في انعدام التشخيص بل في عجز العلاج حين يصبح الخروج من الجغرافيا جحيماً من التدقيق والرفض الغير مبرر .
لكن المأساة لاتقف عند حدود القيد الخارجي وبطش المعابر ؛ بل الجرح يغدو مميتاً حين ينغرس الخنجر في الخاصرة بيد من يفترض أنهم درعك ؛ حين يتحول ابن جلدتك من طوق نجاة إلى سمسار يتاجر بأنفاسك الأخيرة .
هذه الظاهرة البالغة القتامة سماسرة الأزمات وبعض أدعية المبادرات الانسانية الذين حولوا أوجاع الناس إلى ورقة مقايضة نفوذ .
كيف يمكن لعقل أن يستوعب استبدال اسم مريض على حافة الموت ، تآكلت رئتاه أو انتشر الورم في نخاعه ، بآخر لا تنطبق عليه معايير الخطورة ، فقط لأن الثاني يملك ثمن التنسيق أو يحظى يقرابة نافذة أو ركب موجة مبادرة مشبوهة تتاجر بالحالات الغنسانية أمام الكاميرات ؟ إن هذا الاستبدال والتلاعب الفج بالاولويات الطبية ليس خللاص بيروقراطياً ولا مجرد فساد إداري ؛ إنه سطو مسلح على فرص النجاة وشراكة معلنة في القتل العمد ، بل هو عمالة صريحة ترتدي قناع العمل الإنساني لتتقاطع خيوطها في العتمة مع آلة الاحتلال وحصاره كل تحويلة تُباع في الخفاء ، وكل اسم يُقحم زوراً مكان مريض يستحق ، يعني حكماً بالاعدام الفوري على صاحب الحق الأصلي الذي يبيت ليلته ينتظر اتصالاً يُنقذ حياته فلا يصله سوى خبر تأجيل جديد .
تتجلى هذه القسوة المركبة في معضلة المرافقين أيضاً ،طفل يعانيمن تشوه قلبي خلقي ، أو مصاب يحتاج إلى بتر تلو الآخر ، يُمنح الإذن بالمرور بعد شق الأنفس ، بينما تُرفض والدته أمنياً أو يقال لها “ ابحثي عن بديل فوق الستين “ وبين مطرقة الإجراءات التعسفية وسندان المحسوبيات التي تتحكم في ترشيح الأسماء ومرافقيها ، يجد الأهالي أنفسهم مجبرين إما على توديع أطفالهم إلى المجهول وحيدين ، أو خوض سباق ابتزاز مالي لا يملكون تكلفتها .
إن الصمت إزاء مايحدث في ملف الإجلاء الطبي لم يعد عجزاً ، بل هو تواطؤ متعدد الأطراف المطلوب اليوم ليس فقط الضغط الدولي الصارم لفتح ممرات إنسانية غير مشروطة وعاجلة ، بل أيضاً يد من حديد تطهر هذا الملف داخلياً من أيدي العابثين وتجار الحروب .
يجب أن تخضع كل قائمة للتفتيش والتدقيق الشفاف من لجان طبية وأهلية مستقلة ، ليعود المعيار الوحيد هو “ الخطورة الطبية “ ا النفوذ ولا التملق ولا حجم الوساطة .
صرخة المريض المحتضر على عتبة المعبر لا تطلب مستحيلاً ولا ترفاً ؛ هي تطلب أبسط حقوق الآدمية : فرصة عادلة للنجاة دون أن تُسرق تحويلته في العتمة ودون أن يسبقه الأجل وهو مقيد بانتظار تصريح لم يأت ِ.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.