3:06 مساءً / 14 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

من الوعد الديني إلى مشروع الإحلال: كيف يتحول الاستيطان لأداة لاقتلاع الفلسطيني من أرضه؟ بقلم : لؤي صوالحة

من الوعد الديني إلى مشروع الإحلال: كيف يتحول الاستيطان لأداة لاقتلاع الفلسطيني من أرضه؟ بقلم : لؤي صوالحة

لم تكن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية مجرد تجمعات سكانية أقيمت على أرض محتلة، ورافقها هدم المنازل والاعتداءات على الفلسطينيين كحوادث منفصلة، بل هي مظاهر لمشروع استيطاني يسعى إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا وميزان السيطرة على الأرض، فيما تستند بعض تياراته السياسية والدينية إلى قراءات انتقائية للتاريخ والنصوص المقدسة لتقديم التوسع الاستيطاني باعتباره حقا تاريخيا أو واجبا دينيا. وفي قلب هذا المشروع يقف الفلسطيني الذي لا يواجه فقدان قطعة من أرضه فحسب، بل يواجه محاولة متواصلة لتضييق شروط بقائه في وطنه.

هنا تبدأ المسألة من سؤال يتجاوز حدود النص الديني إلى جوهر الصراع السياسي: كيف يتحول الوعد الوارد في رواية دينية إلى ادعاء بالسيادة على أرض يعيش عليها شعب آخر؟ وكيف تُستخدم الذاكرة الدينية، حين توضع في خدمة مشروع قومي توسعي، لتبرير مصادرة الحاضر الفلسطيني والتحكم في مستقبله؟ والأهم، بأي منطق يمكن تحويل الاعتقاد بقداسة الأرض إلى مبرر لحرمان أصحابها من حقوقهم، أو التعامل مع وجودهم باعتباره عقبة ينبغي تجاوزها؟

في سفر التكوين، ترد نصوص تتحدث عن الأرض والوعد، من بينها ما جاء في الإصحاح الثاني عشر: “لنسلك أعطي هذه الأرض”، وما ورد في الإصحاح الخامس عشر بشأن الأرض الممتدة بين النهرين. وتحتل هذه النصوص مكانة في تقاليد دينية وتفسيرات متعددة، ولا يجوز اختزال اليهودية أو المسيحية أو المؤمنين بهما في قراءة سياسية واحدة. لكن الإشكالية السياسية والأخلاقية تظهر عندما تنتقي تيارات قومية دينية هذه النصوص، وتحوّلها من مادة للإيمان والتفسير إلى مرجعية تمنح جماعة حقا حصريا في أرض، وتتعامل مع حقوق السكان الموجودين فيها كما لو أنها حقوق ثانوية قابلة للإلغاء.

تحويل الوعد الديني إلى برنامج سياسي للسيطرة يطرح سؤالا جوهريا عن حدود استخدام المقدس في الصراع على السلطة: هل تصبح حقوق الإنسان رهينة لتفسير ديني تتبناه حركة سياسية؟ وهل يمكن أن يكون الادعاء بامتلاك حق تاريخي بديلا عن العدالة والقانون وحقوق السكان؟


فالاعتقاد الديني لا يتحول، بمجرد إعلانه، إلى سند قانوني لمصادرة أملاك الآخرين، ولا تمنح الرواية التاريخية أي طرف تفويضا مفتوحا لانتزاع أرض شعب آخر أو حرمانه من تقرير مصيره. إن تحويل الوعد الديني إلى برنامج سياسي للسيطرة يطرح سؤالا جوهريا عن حدود استخدام المقدس في الصراع على السلطة: هل تصبح حقوق الإنسان رهينة لتفسير ديني تتبناه حركة سياسية؟ وهل يمكن أن يكون الادعاء بامتلاك حق تاريخي بديلا عن العدالة والقانون وحقوق السكان؟

هذه ليست أسئلة نظرية، فعندما تتحول قراءة أيديولوجية للأرض إلى سياسات حكومية واستيطانية، يصبح النص جزءا من خطاب يمنح التوسع شرعية لدى مؤيديه، بينما تتولى القوة العسكرية والإجراءات الإدارية والوقائع المفروضة على الأرض تحويل الخطاب إلى واقع. وهنا تتداخل الأيديولوجيا مع أدوات السيطرة: مصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، وشق الطرق لخدمتها، وفرض القيود على حركة الفلسطينيين، وهدم المنازل والمنشآت، وتضييق الوصول إلى الموارد الزراعية والمائية. وبذلك لا يعود الاستيطان مجرد بناء في مساحة جغرافية، بل يصبح وسيلة لإعادة توزيع القوة والحقوق والقدرة على البقاء.

ولا يمكن تفسير المشروع الصهيوني كله بالدين وحده؛ فقد تشكل في سياق تاريخي حديث، وتداخلت في بنائه عوامل قومية وسياسية واستعمارية ودولية ودينية. غير أن تجاهل دور التيارات الدينية القومية التي تمنح الاستيطان معنى مقدسا لا يقلل من دقة التحليل، فحين تُقدَّم السيطرة على الأرض باعتبارها تحقيقا لوعد إلهي، يصبح التراجع عنها في نظر أصحاب هذا التصور تنازلا عن واجب مقدس، وتصبح التسوية السياسية أكثر تعقيدا، لأن الأرض لا تعود في الخطاب مجرد موضوع للتفاوض، بل تتحول إلى ملكية مزعومة فوق النقاش والمساءلة.

وفي الضفة الغربية، تتجسد هذه الرؤية في واقع يومي تتراكم فيه الوقائع لتصنع نظاما من السيطرة. فالمستوطنة الجديدة لا تعني إقامة مبان فحسب؛ فقد تفتح الطريق أمام السيطرة على أراض إضافية، وتزيد القيود المفروضة على القرى المحيطة، وتقطع مسارات الوصول إلى الحقول والمراعي، وتفرض على السكان الفلسطينيين التعامل مع مخاطر متزايدة في حياتهم اليومية. والبؤرة الاستيطانية التي تبدأ بعدد محدود من البيوت المتنقلة قد تتحول، مع الحماية والتوسع وشق الطرق، إلى نقطة ارتكاز لفرض وقائع جديدة على الأرض.

وعندما تتسع المستوطنات وتتوزع الحواجز والإغلاقات على الطرق، تتراجع قدرة الفلسطينيين على الحركة الطبيعية بين القرى والمدن. تصبح المسافة القصيرة رحلة طويلة، ويصبح الوصول إلى العمل أو الجامعة أو المستشفى مرتبطا بظروف متغيرة لا يملك المواطن التحكم فيها. أما الأرض الزراعية، التي تمثل مصدر دخل وامتدادا اجتماعيا وثقافيا للعائلات الفلسطينية، فتتحول في مناطق كثيرة إلى مساحة محفوفة بالمخاطر، بفعل الاعتداءات أو القيود على الوصول أو التوسع الاستيطاني المحيط بها.

وموسم الزيتون مثال واضح على هذا التداخل بين الأرض والرزق والهوية. فحين يتعرض المزارع للاعتداء، أو يُمنع من الوصول إلى أشجاره، أو يخشى على أرضه من المصادرة والتوسع الاستيطاني، لا تكون الخسارة محصورة في محصول عام واحد، إنها تمس قدرة الأسرة على الاستمرار، وتضرب مصدر دخلها، وتهدد علاقة الأجيال بأرضها. وما يبدو في الظاهر اعتداء على مزارع أو حقل قد يكون جزءا من واقع أوسع يجعل البقاء في بعض المناطق أكثر كلفة وخطورة، ويفرض على الفلسطيني معركة يومية للدفاع عن حقه في الوصول إلى أرضه واستثمارها.

وهنا يجب التمييز بين التهجير بوصفه لحظة مغادرة، والتهجير بوصفه مسارا من الضغوط المتراكمة. فقد لا يُجبر السكان على الرحيل بقرار واحد معلن، لكن اجتماع مصادرة الأراضي، والعنف، وقيود الحركة، وهدم المنازل، وتضييق سبل العيش؛ قد يخلق ظروفا تدفعهم إلى ترك أماكن إقامتهم. وعندما تتكرر هذه الظروف في أكثر من تجمع فلسطيني، يصبح من الضروري فحصها ضمن سياقها الأوسع، بدلا من التعامل مع كل واقعة باعتبارها حادثة معزولة لا رابط بينها وبين غيرها.

إن السيطرة على الأرض لا تعني امتلاك مساحتها فحسب، بل تعني أيضا التحكم في الوصول إليها، وفي إمكان البناء عليها، وفي استخدام مواردها، وفي حركة السكان المحيطين بها. ومن يمتلك القدرة على توسيع المستوطنات وشق الطرق وفرض القيود، بينما يفتقر الطرف الآخر إلى القدرة نفسها على حماية أرضه وتطوير حياته فيها، يفرض واقعا غير متكافئ يعيد تشكيل المجال الجغرافي والسياسي. بهذا المعنى، يصبح الاستيطان أداة لإنتاج السيطرة بصورة متراكمة، لا مجرد نتيجة لها.

ولا يجوز أن تتحول هذه القراءة إلى تعميمات دينية أو قومية، فليس جميع اليهود صهاينة، وليس كل من يتبنى الصهيونية يتبنى التفسير الديني ذاته، كما أن دوافع الأفراد والتيارات ليست متطابقة. لكن هذا التمييز لا يخفف من ضرورة مساءلة السياسات والأفعال، فالمعيار هو ما يُمارس على الأرض: من يصادر، ومن يعتدي، ومن يقرر التوسع، ومن يوفر الحماية أو الغطاء، ومن يتحمل المسؤولية القانونية والسياسية عن انتهاك حقوق السكان. إن توجيه النقد إلى المشروع الاستيطاني ومؤسساته وسياساته، استنادا إلى الوقائع، أكثر قوة ودقة من إسناد المسؤولية إلى جماعات دينية كاملة.

ومن الضروري، في هذا السياق، رفض الاستناد إلى “بروتوكولات حكماء صهيون” بوصفها دليلا على طبيعة الحركة الصهيونية أو على وجود خطة يهودية سرية للسيطرة على العالم. فالوثيقة مزورة ومعادية لليهود، وقد كُشف زيفها، ولا تصلح مرجعا تاريخيا موثوقا. إن استخدامها لا يقوي الرواية الفلسطينية، بل يضعفها، لأنه ينقل النقاش من وقائع الاحتلال والاستيطان القابلة للتوثيق إلى خطاب المؤامرة والتعميم. والقضية الفلسطينية لا تحتاج إلى وثائق مزورة لإثبات حقيقة الاستيطان؛ ما تحتاج إليه هو كشف الوقائع الموثقة، وتحليل السياسات التي تنتجها، ومساءلة المسؤولين عنها.

إن قوة الرواية الفلسطينية تكمن في قدرتها على الجمع بين الشهادة الميدانية والتحليل السياسي والحجة القانونية. فمصادرة الأرض، وتوسع المستوطنات، وهدم المنازل، والاعتداء على المزارعين، وفرض القيود على الحركة، كلها وقائع يمكن فحصها من خلال تقارير المؤسسات الفلسطينية والأممية والحقوقية، والخرائط، والقرارات الرسمية، والشهادات المباشرة. وكلما استند الخطاب إلى الأدلة الدقيقة، أصبح أقدر على تفكيك الدعاية التي تحاول تقديم الاستيطان باعتباره عودة طبيعية إلى أرض خالية، أو نشاطا مدنيا منفصلا عن واقع الاحتلال وحقوق السكان الفلسطينيين.

وعلى المستوى القانوني، لا يحسم الجدلَ حول مشروعية الاستيطان خطابٌ ديني أو ادعاءٌ تاريخي، فقد أكدت الأمم المتحدة عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، وخلصت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز/يوليو 2024، إلى أن استمرار وجود إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وتناولت الالتزامات المترتبة على ذلك. وبذلك لا يمكن التعامل مع الاستيطان باعتباره مجرد خلاف على روايات تاريخية؛ فهناك حقوق للشعب الفلسطيني والتزامات قانونية لا تُلغى بالادعاءات الأيديولوجية، ولا يجوز إخضاعها لمنطق القوة وفرض الأمر الواقع.

مواجهة المشروع الاستيطاني تبدأ برفض تحويل الادعاءات الدينية إلى تفويض سياسي مطلق، لكنها لا تتوقف عند تفكيك الخطاب. إنها تتطلب توثيق الوقائع، ومساءلة المسؤولين، وتعزيز الحماية القانونية والحقوقية للفلسطينيين، وكشف الآليات التي تحول الاستيلاء على الأرض إلى واقع دائم


إن جوهر الصراع هنا هو صراع على الأرض والحقوق والوجود السياسي. فحين تتحول رواية دينية أو قومية إلى مبرر لامتلاك أرض شعب آخر، تصبح العدالة نفسها موضع اختبار: هل تُمنح الحقوق لمن يمتلك القوة ويفرض الوقائع، أم تُصان وفقا للقانون وحق الشعوب في تقرير مصيرها؟ وهل يصبح المقدس غطاء لتبرير سلب الحقوق، أم تظل كرامة الإنسان وحقه في الحياة والحرية معيارا لا يجوز تجاوزه؟

الفلسطيني في الضفة الغربية لا يواجه هذه الأسئلة من موقع المراقب. إنه يواجهها حين يجد أرضه مهددة بالمصادرة، أو منزله عرضة للهدم، أو طريقه إلى عمله محكوما بالحواجز والإغلاقات، أو قريته محاطة بتوسع استيطاني يضيّق المجال المتاح لحياته. لذلك فإن الحديث عن الاستيطان ليس سجالا حول الماضي وحده، بل نقاش حول حاضر شعب ومستقبله، وحول حقه في أن يعيش في وطنه من دون أن يكون وجوده موضع ابتزاز دائم.

إن مواجهة المشروع الاستيطاني تبدأ برفض تحويل الادعاءات الدينية إلى تفويض سياسي مطلق، لكنها لا تتوقف عند تفكيك الخطاب. إنها تتطلب توثيق الوقائع، ومساءلة المسؤولين، وتعزيز الحماية القانونية والحقوقية للفلسطينيين، وكشف الآليات التي تحول الاستيلاء على الأرض إلى واقع دائم. كما تتطلب خطابا وطنيا قويا لا يخلط بين نقد الصهيونية والتعميم على اليهود، ولا يمنح الخصوم فرصة لإبعاد الأنظار عن جوهر القضية عبر التشكيك في الأدلة أو استغلال العبارات غير الدقيقة.

فالأرض ليست امتيازا تمنحه رواية تاريخية لطرف وتسحبه من طرف آخر، وليست ملكية حصرية تثبت بالقوة أو تُفرض بالتوسع، إنها موطن شعب وذاكرته ومصدر حياته وحقه في المستقبل. وما يجري في الضفة الغربية ليس مجرد صراع على حدود قطع أرض، بل مواجهة بين مشروع يسعى إلى توسيع السيطرة وتثبيت الوقائع، وشعب يدافع عن حقه في البقاء والحرية وتقرير المصير.

وفي نهاية المطاف، لا يمكن لأي نص ديني، ولا لأي ادعاء قومي، أن يمنح شرعية أخلاقية أو قانونية لاقتلاع شعب من أرضه. فحين يُستخدم المقدس لتبرير السيطرة، وحين تتحول القوة إلى أداة لفرض الوقائع، يصبح الدفاع عن الحق الفلسطيني دفاعا عن مبدأ يتجاوز حدود فلسطين: لا حق في سلب حقوق الآخرين، ولا شرعية للاحتلال والاستيطان، ولا عدالة يمكن أن تقوم على إنكار وجود شعب أو حرمانه من أرضه ومستقبله.

شاهد أيضاً

حسين الشيخ يلتقي رئيس مكتب تمثيل هولندا لدى فلسطين السفير ميشيل رينتنار

حسين الشيخ يلتقي رئيس مكتب تمثيل هولندا لدى فلسطين السفير ميشيل رينتينار

شفا – التقى سيادة نائب رئيس دولة فلسطين حسين الشيخ، اليوم الأربعاء، رئيس مكتب تمثيل …