12:12 صباحًا / 12 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

العقوبات الأميركية على المحكمة الجنائية الدولية.. من يحمي العدالة في غزة؟ ، بقلم : شريف الهركلي

العقوبات الأميركية على المحكمة الجنائية الدولية.. من يحمي العدالة في غزة؟ ، بقلم : شريف الهركلي

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة الأميركية والمحكمة الجنائية الدولية مجرد خلاف سياسي عابر، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمستقبل العدالة الدولية، وقدرة القانون على مساءلة أصحاب النفوذ بعيدًا عن ضغوط السياسة وموازين القوة.

أعلنت واشنطن فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، تشمل تجميد الممتلكات والمصالح الخاضعة للولاية القضائية الأميركية، وحظر تقديم الأموال والسلع والخدمات إليها، في سياق رفضها ملاحقة مسؤولين أميركيين وإسرائيليين. كما هدّد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بمواصلة الضغط على المحكمة، وصولًا إلى تفكيكها «حجرًا حجرًا».

لكن السؤال الجوهري: هل تستطيع دولة أن تستخدم قوتها الاقتصادية والسياسية لمعاقبة مؤسسة قضائية دولية لأنها تمارس اختصاصها القانوني؟

تأسست المحكمة الجنائية الدولية بموجب نظام روما الأساسي، ودخلت حيز العمل عام 2002، لملاحقة الأفراد المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان، وفق شروط اختصاصها. وهي محكمة مستقلة عن الأمم المتحدة، والولايات المتحدة ليست طرفًا في نظامها الأساسي.
صحيح أن واشنطن تعترض على اختصاص المحكمة، لكن اعتراضها لا يمنحها سلطة إلغاء قراراتها القضائية. فاختصاص المحكمة قد يشمل جرائم تقع على أراضي دولة طرف، حتى عندما يكون المتهم من دولة غير طرف، وفق القواعد القانونية ذات الصلة.

وهنا تتجلى المعضلة الكبرى: المحكمة تستطيع إصدار مذكرات التوقيف، لكنها لا تمتلك شرطة دولية مستقلة لتنفيذها، بل تعتمد على تعاون الدول. وهكذا قد يصدر القرار القضائي، بينما تظل العدالة معلقة على إرادة سياسية تسمح بتنفيذه أو تعرقله.

وماذا فعلت المحكمة الجنائية الدولية للشعب الفلسطيني؟
فتحت المحكمة تحقيقًا في الحالة الفلسطينية عام 2021، ثم أصدرت في 21 نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وهذه مذكرات توقيف وليست أحكام إدانة نهائية، لكنها خطوة مهمة في مسار المساءلة القانونية.

ومع ذلك، يبقى السؤال الفلسطيني موجعًا: ما قيمة القرارات القضائية إذا تعذر تنفيذها؟ وما معنى العدالة لأطفال غزة وعائلات الضحايا، إذا ظل الطريق إلى المحاسبة محفوفًا بالعراقيل السياسية؟

من المنظور الفلسطيني، لو مُكّنت المحكمة من ممارسة اختصاصها بفاعلية، وتعاونت الدول في تنفيذ قراراتها، لاتسعت دائرة المساءلة، ولربما امتلأت قاعات المحاكم بملفات المشتبه في تورطهم بجرائم الحرب، بدلًا من أن تبقى الجرائم الموثقة في انتظار العدالة. فالمطلوب ليس أحكامًا مسبقة، بل تحقيقات مستقلة ومحاسبة عادلة لا تستثني أحدًا.

إن فلسطين لا تطلب عدالة انتقائية، ولا امتيازًا على حساب أحد؛ بل تطالب بقانون واحد يحاسب القوي والضعيف، ويمنع تحويل النفوذ السياسي إلى حصانة من المساءلة. فأطفال غزة وضحاياها يستحقون عدالة تتجاوز البيانات والإدانات اللفظية إلى المحاسبة الفعلية.

فإذا كانت العدالة تتراجع أمام نفوذ الأقوياء، وإذا كانت المؤسسات القضائية تُعاقَب لأنها تقترب من مساءلتهم، فهل نحن أمام نظام دولي يحمي القانون، أم أمام عالم يُترك فيه القوي ليحكم والضعيف ليدفع الثمن؟.

إن العالم الذي يخضع فيه القانون لموازين القوة يقترب، خطوة بعد أخرى، من قانون الغاب؛ وحينها لن تكون فلسطين وحدها الخاسرة، بل ستكون العدالة الدولية بأسرها أمام امتحان وجودي.

شاهد أيضاً

كبير المستشارين السياسيين الصينيين يلتقي رئيس الجمعية الوطنية الفيتنامية

كبير المستشارين السياسيين الصينيين يلتقي رئيس الجمعية الوطنية الفيتنامية

شفا – التقى وانغ هو نينغ، رئيس المجلس الوطني للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، تران …