
شفا – مدائن الشوق ومرافئ المطر: حوارٌ مع الشاعر خليل عبد الولي حول وحشة الغياب وجغرافيا الروح اليمنية- ج 1
حوار:عطا درغام
من الخضرة الساحرة المحملة بغيوم “إب” ومطرها الدفاق، ينبعث صوت الشاعر اليمني خليل عبد الولي الحكمي ليرسم بمداد اللهفة واللوعة لوحاتٍ وجدانية تقاوم النسيان، وتبحث عن ملامح الإنسان والوطن وسط رياح الاغتراب الصعبة. هو مبدعٌ اختار أن يعجن كلماته بنبض الروح وخفايا الوجدان، متخذاً من الفضاء الرقمي والملتقيات الأدبية المعاصرة نافذةً يطل منها على العالم، ليوصل سيرة القلوب العطشى ويوثق تفاصيل المشهد اليمني بنبرة إنسانية أصيلة وصادقة.
في هذا اللقاء الممتد، نقتفي خطى الشاعر عبر محاوره المتعددة؛ لنسائله عن فلسفة الفقد والغياب وتداخل ملامح الحبيبة بتراب الأرض، واقفين عند بناء نصوصه ومزاوجته الفريدة بين شعر التفعيلة والقصيدة العمودية في عالم افتراضي متسارع. كما يبرق الشاعر في حديثه شهادةً للتاريخ حول راهن الحراك الأدبي اليمني وأبرز تحدياته، لنختم برؤاه الفنية المستقبلية، وكيف انعكست طبيعة مسقط رأسه على قاموسه اللغوي وعاطفته الجياشة، وما يود تركه من أثر وعطر في قلوب القراء.
ا1. في نصوصك ملامح واضحة للاغتراب؛ هل تعيش الغربة كواقع جغرافي أم هي حالة وجودية ترافق المبدع أينما حل؟
أهلاً بك أستاذ عطا، وأرحب بك أجمل ترحيب. أشكرك جداً لإتاحة هذه الفرصة التي اقتطعتَ لها من وقتك واهتمامك الكثير، وأقدّر وأثمن هذه اللفتة الكريمة لرعايتك للأدب والشعر والإبداع العربي، داعياً الله أن يوفقك ويكلل مساعيك بالنجاح. أتابعُ صفحتك منذ فترة، وأؤمن أنك تقوم بدور ضخم وعظيم واستثنائي؛ فقد قرأتُ بعض لقاءاتك السابقة وأنا معجبٌ جداً بطريقتك الفذة في استخراج الإجابات التي يتطلع إليها المجتمع الأدبي، والتي تسلط الضوء على مسارات أدبية مختلفة في حياة كل شاعر أو كاتب؛ فأنت -كما يُقال- معلمٌ تثبت الإجاباتِ بالأسئلة، وتصنع واقعاً ربما لم ينتبه له الكثيرون في تاريخ الإبداع.
أمّا عن السؤال؛ فأظن أن الغربة بشقّيها هي قدرُ معظم الكُتّاب والفلاسفة، ولكوني يمنياً، فإن الاغتراب الجغرافي أكثر تحقّقاً في حياتي، يليه الاغتراب الوجداني الذي يغذّيه بشكل مفرط ذلك البعد الجغرافي. وعلى الرغم من وجود تقطعاتٍ في غربتي الجغرافية؛ حيث أسافر وأعود إلى الوطن على فترات، إلا أن الاغتراب الوجداني مقيمٌ معي في سفري وحَلّي.
أحاوره دائماً؛ يستفزني ويخلق بيننا توتراً ووداً وتضاداً مريراً، لكنه يبدو التجربة الأكثر حضوراً في حياة الشعراء. إن موقفي منه حساسٌ جداً، فلا تكاد تمرّ لحظةٌ إلا ويذكّرني بوجوده، مصراً على غربتي وغربة كل ما حولي… هل يحب أن يقتات على دموع الشعراء وآهاتهم؟ لا أدري، إنما الغربة الوجدانية هي الأكثر تواصلاً معي.
هل أنا متصالحٌ معها؟ هل أمارسها خياراً أم تسكنني سلطةً؟ لا أدري! فأكثر الحقائق توصلتُ إليها بالأسئلة والشك، لكن الغربة الوجدانية تستوعب كل فضولي، ولا أدرك حتى الآن كنه علاقتي بها؛ إنها وجعي وألمي الأكثر نضجاً، وربما تكون هي الإجابة الكبرى لكوني شاعرا.
- كتبت في إحدى قصائدك: “يهددني الغياب وأنا لا حد لشواطئ أشواقي”، كيف يواجه خليل عبد الولي الحكمي تهديد الغياب بالقصيدة؟
إن الغيابَ تهديدٌ كبيرٌ بالنسبة لي، سواءٌ أكان يتواجه مع قصائدي وجهاً لوجه، أم كان مخاتِلاً بطرقٍ غيرِ مباشرة. وفي الحالتين، أجدُ أن الفلسفةَ التي اكتسبتُها من خلال تجاربي هي الأنسبُ لاستيعاب الخيبات والصدمات، ولشرح طريقة تعاملي معها.
إن القصيدةَ في وجه الغياب ليست ردةَ فعلٍ طائشة، بل هي مواجهةٌ مدروسةٌ وعميقة، تأخذُ بعين الاعتبار الحكمةَ من قول الشعر، والحكمةَ من فلسفة الغياب نفسه، والحكمةَ من الوجود وتناسبه مع الغياب او الفناء. فالقصيدةُ هي بيانُ الشاعر في كل حالاته، وهي -على الأقل- ليست مجرد شجبٍ وتنديد، إنما أزرعُ فيها مكابرةً وتحدياً، وأحتفظُ بكرامتي بين أسطرها، وأمارس بها الضربَ من تحت الحزام، والانتقامَ المُدَجَّجَ بالوعي.
إن اللغةَ التي أكتبُ بها قصيدتي أمام الغياب أعتبرها فخراً وحماسة؛ فهي الصوتُ الذي أقولُ به ما أريد بأسلوبي ودون ابتذال أو ترجي أو انكسار ، وهي سلاحٌ كافٍ، وأرواحٌ إضافية أستطيعُ بها أن أكسرَ فرضيةَ الغياب أو حصاره.
- تعبّر في سطورك عن “الرهاب ولوعة الخيبات”؛ هل بات الخوف والقلق سمة ملازمة للإنسان المعاصر في شعرك؟
تزداد أدوات الخيبات في حياتنا بل وتُعَزَّزُ بشكلٍ مهووس؛ إذ أصبحت سهلة الحدوث ويومية، وباتت اللوعة والانكسارات ومهمةُ مقاومتها ومكاسرتها -أو حتى الرضوخ لها- تشغلنا بشكلٍ مباشر ومباغت. العالم الافتراضي بات يكشفنا أكثر؛ فتخيّل أنك بضغطة زرٍّ واحدة قد تتعرض لخيبة قوية، أو رفض، أو سخرية، أو تلاعب، أو تنمّر، أو خداع، أو هجوم غير مسبوق!
تتراكم هذه الأعباء يومياً، يرافقها سعيُك الدائم لإقامة رؤيتك المستقيمة التي تتعرض لجرفٍ مستمر من عدم الوعي أو ركض “السوشيال ميديا”. إن المقاطع المؤلمة -والتي يُنشَأ تسعون في المائة منها اليوم بواسطة الذكاء الاصطناعي- تؤسس لهوية الخيبات، وتصنع هوة كبيرة بين أمانك الداخلي ووحشة العالم. بل إن أفظع ما اخترعه البشر هو هذه “الخوارزمية” التي تستدعي الأسوأ والتافه، وتكرّس نمط التفكير الجمعي المنزوع الهوية.
وفي خصوصية الشاعر، تتجلى هذه الخيبات واللوعة بشكلٍ أعمق؛ كون الشاعر هو الأكثر وعياً وحساسية… قد يربكه ان حظرتة حبيبته أو اسيئ فهم قصيدته، ويُغضِبه التصفيق للتفاهة، ويُضعِفه انعدام الوعي العام بالثوابت. الشاعرُ هو أكثر الناس لوعةً وألماً، أو هكذا ينبغي أن يكون من وجهة نظري… حتى إن النصوص نفسها التي يكتبها، قد تنقلب عليه أحياناً… بسرعةٍ وبقسوة!
- أيهما أكثر إيلامًا وتأثيرًا في مسار قصيدتك: غياب “الحبيبة” أم غياب “الوطن”؟ وكيف يندمج الاثنان في نصك؟
لا أميلُ إلى الإجابات المرتّبة أو الدبلوماسية؛ وسأجيبك بعفوية الشعر:
الوطنُ كالعقيدة لا نتخلى عنه، وليس مجرد احتياجٍ عابر، بل هو هويةٌ وذات. ولا يستقيمُ الوطنُ في الشعر بلا حبيبة؛ فقد تكون عيونُ الحبيبة وطناً، وقد يكون الوطنُ حضنَ حبيبة. ليس الأمرُ مجردَ تداخلٍ بقدر ما هو لُحْمَةٌ واحدة؛ فإن كانت الحبيبةُ جزءاً من وطن، فهي في عقيدة الشعر وطنٌ كامل.
وهذا الالتحامُ بين الوطن والحبيبة ليس اختراعاً طارئاً أو خاصاً بزمنٍ دون غيره؛ فالوطنُ سَكَن، والحبيبةُ سَكَن. وإن تكلم الشعراءُ عن حبيباتهم قبل الوطن، فليس ذلك غفلةً عن عقيدة الوطن، بل تقديمٌ لحظيٌّ لفاجعة غياب الحبيبة؛ وكما قال الشاعر: “وما حبُّ الديارِ شَغَفْنَ قلبي… ولكن حُبُّ مَنْ سَكَنَ الديارا”.
إن الأغاني والقصائد لم تُجزّئ الوطنَ والحبيبة، بل صبّتهما في قالبٍ واحدٍ كالدم؛ فنحنُ -إجمالاً- لا نقول إن الدمَ كرياتٌ حمراءُ وبيضاء، بل نقول: “دَم”… وكذلك الوطنُ والحبيبة!
- في عالم مليء بالوحشة والتمزق الوجداني، هل ترى أن “القصيدة الوجدانية” قادرة على ترميم ما أفسده الواقع والبعد؟
لا يُقاوِمُ التمزقَ الوجداني ووحشةَ المتغيرات الآن إلا القصيدةُ الوجدانية. وأفضّلُ كلمة “تُقاوِم”؛ لأن حجمَ التمزق حيالَ ما تقاومُه كَثِيفٌ وكَبِير وعلى أكثرَ من جبهة.
لم تكن التحدياتُ أمامَ القصيدة الوجدانية في أولِ ظهورها بالصعوبة التي نشهدها في هذا العصر؛ فالقصيدةُ الوجدانية -في الشعر العمودي مثلاً- كانت تعالج قضيةً أو قضيتين وتسيطرُ تماماً على مجريات الأمور؛ كأن تمدحَ قبيلةً بعد أن كانت مهضومةً لِتَصْنَعَ لها مجداً، أو ترضيَ حبيبة، أو تصلحَ بين مَلِكٍ ورعيّته.
أما الآن، فقد تعددت المشاكلُ الوجدانية؛ حتى في الحبِّ نفسه تغيرت الرؤى والأفكار والنيات والأشكال… وبات التمزقُ أسرعَ وأكبرَ من قدرة القصائد الوجدانية. ومع ذلك، تواصلُ القصيدةُ الوجدانية المقاومةَ بكل ما أُوتيت من استطاعة لترميم هذا التمزق الوجداني العصري.
- تدمج في كتاباتك بين شعر التفعيلة والقصيدة العمودية؛ في أي القالبين تجد مساحتك الحرة للتعبير؟
الشعرُ العموديُّ إطارٌ لغوي، بينما شعرُ التفعيلةِ صورٌ ومجازٌ وأغراضٌ تتناسبُ مع أدواتي كشاعرٍ معاصر. نحنُ لا نستغني عن الهيكل العمودي، لكننا لم نعد قادرين على خَلْقِ شيءٍ جديدٍ فيه؛ إذ إن أغراضَه ووجهاتِه الشعرية أُسْتُنْزِفَتْ إلى أبعدِ حد—ربما على يدِ عباقرةِ الشعر السابقين الذين نكّلوا باللغة والصور ولم يتركوا لنا شيئاً، أو لصرامةِ البحور وقسوةِ قوالبها التي تشكّلتْ وتأطّرت. ويظلُّ هذا القالبُ محلَّ اعتزازي، لكنني في شعر التفعيلة -وأحياناً النثر الايقاعي- أجدُ نفسي أكثرَ حرية. لا أقول إنه “الأفضل”، ولكنه يناسبُ الأدواتِ التي أستخدمها كإنسانٍ عصري يخضعُ لكمٍّ هائل من التطور، والقفزات، والانفتاحِ الأكبر على ثقافاتِ العالم أجمع.أجدُني حاضراً بالصور والإيقاع وبكلِّ ما أريدُ قوله، حتى إنني أستطيعُ تناولَ مصطلحاتٍ عصرية جداً؛ كما في قصائدي التي تطرقتُ فيها إلى “السوشيال ميديا” ومفاهيم سنستخدمها في لغتنا الآن أو مستقبلاً. إن الشعرَ الحرّ أو “حداثة الحداثة” ضرورةٌ، والشعرُ العمودي مرجعٌ له فضله على اللغة وإيقاعه؛ فمن يستطيعُ أن يأتي بصورٍ جديدةٍ وجميلة تناسبُ العصر وهو في جوفِ الشعر العمودي فسنأخذُ منه ونحتفي به، وإلا فإن الشعرَ الحر هو المنقذُ للغة وللشعر ككل، والمنقذُ لي شخصياً. تخنقني أحياناً قيودُ الشعر العمودي، وأجدُ نفسي الحقيقية وكلَّ ما أريدُ نقله في التفعيلة والنثر الايقاعي.
- اخترت الفضاء الرقمي ومنصات التواصل لنشر أشعارك بدلًا من الدواوين الورقية، ما الذي منحه لك هذا الفضاء وما الذي أخذه منك؟
منحني الجمهورَ، والأدواتِ، والانتشارَ الواسع، والسرعة. كما منحني الوصولَ إلى النخبةِ بشكلٍ قوي دون تكلُّفِ أعباء التعرّف إليهم عن قرب، بل أتاح لي صداقتَهم والاستفادةَ من نقّادٍ كبار وشعراءَ وشاعراتٍ مرموقين.
وأخذَ مني “الحقيقة”؛ إذ تغيبُ عنا في الفضاء الرقمي حقيقةُ مَن يقرأ لك؛ هل كان إعجابه بالنص (اللايك) بعد قراءته والتعمق فيه؟ تغيبُ عنك هويةُ من يصفّق لك ودرجةُ وعيه، وحقائقُ كثيرة أخرى… يضافُ إلى ذلك حجمُ المجاملات والرسميات في الفضاء الرقمي، حيث لا تستطيعُ معرفةَ المكانة الحقيقية لنصوصك بدقة. هذا ما أراه من وجهة نظري.
- ألا تخشى على نتاجك الأدبي من “السرقة” أو النسيان السريع في بحر النشر الإلكتروني المتلاطم؟
من يملك قصيدةً واحدةً فقط هو من يخاف. لم أفكّر كثيراً ولم أهتم؛ ليس لأنني لا أبالي، بل لأن الخاسرَ الأكبرَ هو السارقُ أولاً وأخيراً. نحن الآن في أرشيفٍ رقميٍّ هائل يضمّنا جميعاً؛ وسألتقي بقصيدتي المسروقةَ الآن أو بعد قليل، واستردّها وينكشفُ من أخذها…
ثانياً: الخوفُ لن يحرسَ لك أعمالك ما لم تشاركْها وتقدّمْها للعالم. أنتَ من يكتب، وحتى إن نُشرت قصيدةٌ أو قصيدتان بغير اسمي سيعلمُ العالمُ أنها لي لذا احرص على أن تكون بصمةُ (خليل الحكمي) حاضرةً حتى في عباراتي القصيرة. عقيدتي في هذا الاطار مؤمن أن هُويةُ القصائد هي حارسُها الأول.
أما بالنسبة للنسيان، فلم نعد نعتمدُ على ذاكرتنا البشرية بقدر اعتمادنا على الذواكر الرقمية. نصوصي بمجملها مؤرشفة؛ فلديّ نحو 2700 نصٍّ ومسودةٍ مؤرشفة والحمد لله، كما أستغلُّ منصات التواصل الاجتماعي للأرشفة والمران المستمر.
- تقول في مقطع لك: “واللهفة تتداعى عطشى على ذراعي، مثل الضباب”؛ كيف تبني صورتك الشعرية ومن أين تستوحي هذا المجاز؟
لا توجدُ مدرسةٌ جاهزةٌ للمجاز. ما يلهمني أو يجعلني أنحازُ للغةٍ دون غيرها، هي أساليبُ شعراءَ أقرأ لهم بكثرةٍ وأحبّهم.
فـ (البردوني) بلغته العبقرية يبهرني كلما قرأتُ له؛ وأكتشفُ كل يومٍ عمقَه الوجداني والسياسي والفلسفي والساخر. لديه لغةٌ تشظّت وصنعت لغاتٍ وإعجازاً ضخماً لا نستطيعُ تفكيكَه عبر عصور؛ لقد كان البردوني داهيةَ الشعر الحديث حقاً! ثم يأتي (المقالح) في أفقِ التصوف، و(أدونيس) بفكره، و(محمود درويش) بصوره المقاتلة والمقاومة، و(نزار قباني) معلم المجاز الأول في الغزل.
الحقيقةُ أن هؤلاء بمثابةِ زوايا مشتركةٍ تتنازعُ لغتي. أنا لا أكررُ ما قالوه، بل أقولُ لغتي اللحظية الخاصة، لكنني متأثرٌ جداً بمدارسهم. ولأن أدواتي عصريةٌ ولغتي حاضرة، يولدُ المجاز ابنَ لحظته؛ فكلما كانت اللغةُ نقيةً، والفكرةُ واضحةً، والوجدانُ أكثرَ شفافية وإحساساً، جاءت الصورةُ عبقرية.إنها خلطتي الخاصة. أحياناً أتفاجأ في منتصف النص بمجازٍ لم يخطر ببالي ولا خططتُ له؛ تسقطُ الصورُ كالبرق، وتثبتُ نفسها، وقد أمحو من أجلها قافيةً، أو أتخلى عن سطرٍ أو مطلع كامل! هكذا يولدُ المجاز من هذه الخلطة، فلا يخلو نصٌّ من نصوصي إلا وفيه مجازٌ مبتكرٌ جديد لم يسبقني إليه أحد—وهذا ليس غروراً بل حقيقةُ ما أعملُ عليه.
- هل ترى أن بساطة اللفظ وعمق الرمز هما المعادلة الناجحة للوصول إلى ذائقة القارئ المعاصر؟
هذا صحيحٌ تماماً بالنسبة للنخبةِ من القرّاء المعاصرين. لكن للأسف يطغى على كثيرٍ من القرّاء أو الكُتّاب “التثقّفُ الزائف”؛ أعني محاولةَ إظهار الألفاظِ أكثرَ تعقيداً مع إهمالِ الرمز، وهنا تحديداً تسقطُ روعةُ الشعر.
إن الحفاظَ على التوازن بين بساطة اللفظ وعمق الرمزية هو ما يجعلُ القصيدةَ تُقالُ بأريحية، بل إنه روحُ الشعر نفسه؛ فتعقيدُ اللفظ يُبْهِتُ عمقَ الرمز، وتبسيطُ الرمزية مع تعقيد اللفظ يخربُ هذه الروح. أستلذُّ هذا التناولَ في الشعر تحديداً، وقد يختلفُ الأمرُ بالطبع في النثر المرسل أو الرواية.
المحور الثالث: شهادة على المشهد والأدب اليمني المعاصر
11.كيف تقيم المشهد الأدبي اليمني الحالي في ظل الظروف الصعبة والأزمات المتلاحقة التي تمر بها البلاد؟
المشهد اليمني لا يخلو من بوادر العظمة الشعرية والإبداعية في كل وقت، لكنه يخضع فعلياً للظرف السياسي والواقع القائم. واقعنا معقد وصعب جداً، ما يحول دون ممارسة المؤسسات الثقافية والأدبية لدورها المأمول، أو توفير بيئة الاستقرار التي يتفاعل بموجبها الإبداع.رغم ذلك، أرى نسبياً أن هناك أصواتاً مبدعة تبرز بجهدها الشخصي الذاتي، وبتحدٍّ ومثابرة منقطعة النظير للوصول. هذه الأصوات أخذت تبرز بشكل لافت وتتزايد باستمرار، وهي أصوات استثنائية بحق، ولا سيما في مجال الشعر. ألمح في الأفق تياراً شعرياً وأدبياً جميلاً ورائعاً يتشكل من ألسنة نسائية ورجالية؛ لو أنصت المجتمع لهم، ودُعِموا وتُمِكِّنوا من إخراج وطباعة أعمالهم، لحصلنا على نتاجات في قمة الإبداع والعبقرية. ما تلاحظه اليوم هو خطاب واعٍ، وإن كان يعبر عن تجارب فردية، إلا أنه خطاب جاد، مختلف، ولا يشبه بعضه؛ مختلف بنحو أجمل ومتقدم، يستوعب وعي اللحظة ومتطلباتها، ويواكب العالم من حوله وإن كان بشدة وتحدٍّ، ليؤكد جلياً أن المشهد حافل بإبداع متزايد وملموس.
12.هل استطاع الشاعر اليمني المعاصر عبر أدواته الحديثة أن ينقل صوت وسيرة “الإنسان المنسي” إلى العالم؟
كلفة أن توصل صوتك وصورة الإنسان المنسي إلى العالم كمثقف يمني هي كلفة مضاعفة. عليك أولاً أن تجتاز تحديات جمة، في مقدمتها التشخيص الدقيق لواقعك ضمن مناطق جغرافية يسكنها التوتر، ومخلفات الحرب، والمأساة الناتجة عن تمزق الجغرافيا، وتدهور الحالة المعيشية، والاستقطابات الفكرية والسياسية، وانعدام الاستقرار عموماً.
إنه أمر مرهق وصعب للغاية في ظل غياب الأدوات الوطنية والمحلية القادرة على المنافسة مقارنة بالأدوات العالمية؛ لكن، ولو بنسب بسيطة، استطاع المبدع اليمني عبر الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي إحداث اختراق حقيقي في هذا الجانب وإيصال النبض إلى الخارج.
13.ما هو تقييمك لجيل الشعراء الشباب في اليمن، وهل ينالون الدعم والتقدير المستحق من المؤسسات الثقافية؟
يحظى الوطن اليمني بنخبة من الشعراء والشاعرات الشباب الذين يُعدّون عباقرة في هذا المجال، ولا سيما في الأعوام الأخيرة، وذلك على الرغم من الصعوبات القاسية وغياب الدعم وانعدامه كلياً نتيجة انحسار دور المؤسسات بفعل الواقع السياسي الاضطرابي.ومع ذلك، أؤكد أننا سنشهد لاحقاً حضوراً لأسماء شعريّة شابة قادمة بقوة، ستُعيد إلى الأذهان سيرة وحضور عهد الشعراء اليمنيين الكبار في تاريخنا المعاصر.
14.كيف تنظر إلى ثنائية “الشعر الحكمي” (الفصيح) و”الشعر الحميني/الشعبي” في الخارطة الإبداعية اليمنية اليوم؟
هي علاقة تكاملية وتوافقية إلى أبعد حد؛ فالشعر الحكمي (الفصيح) المطابق لقواعد النحو وبحور الخليل، يكتمل أو يُشرَح بالشعر الحميني، مع الملاحظة أن معظم الشعر الحميني هو فصيح بالأساس، لكون الشعر الشعبي اليمني يعتمد الفصاحة العربية حتى في بعض كلماته الدارجة.ما يميّز الشعر الحميني أنه شعر غنائي بالدرجة الأولى، وهذا ما أدى إلى انتشاره الواسع وأخذه مساحة توازي -أو تتجاوز أحياناً- مكانة الفصيح. وللمعلومية التاريخية التي يُسعدني مشاركتها مع القارئ الكريم: فإن أول من بدأ بالنظم الحميني هو شاعر حكمي، وهو الشاعر أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن فليتة الحكمي (المتوفى سنة 731 هـ). ويُعد ابن فليتة الحكمي من أبرز أعلام قبيلة بني الحكم في تهامة، ويكاد يجمع الكثير من المؤرخين والباحثين على أنه رائد الشعر الحميني وأول من أحدث التغيير الشكلي للنظم في تهامة عبر الانتقال إلى ثنائية القافية والموشح الحميني خلال عهد الدولة الرسولية.
15.لو طُلِب منك توجيه رسالة أو “شهادة للتاريخ” عن الأدب المعاصر في اليمن وأبرز تحدياته، ماذا ستقول فيها؟
سأقول إن الأدب اليمني المعاصر يستند إلى موروث ثقافي وحضاري ضخم جداً، وهو الجدار الصلب الذي يساعده على الصمود والتجدد يومياً. لدينا عقول وطاقات جبارة -أو دعني أسميها عبقريات وطحاطيح- من الشعراء والأدباء والكتاب.
أما أبرز التحديات التي تقف حائلاً أمام قطاف هذه الثمار، فتتلخص في ركنين أساسيين: استعادة الاستقرار السياسي، وتحقيق الاستقرار الاجتماعي. متى ما تحققا، سيشهد العالم انفجاراً إبداعياً يمنياً لا مثيل له.انفجارا إبداعيا لك حق تغييرها ههههه مش ناقصين لا أحب أن اتكلم في الشأن السياسي أبدا لذا قلت إجابات مقتضبه
مدائن الشوق ومرافئ المطر: حوارٌ مع الشاعر خليل عبد الولي حول وحشة الغياب وجغرافيا الروح اليمنية- ج2
حوار:عطا درغام
المحور الرابع: الأنشطة، الملتقيات، والإنتاج الثقافي
16.تشارك بانتظام في المجموعات والملتقيات الثقافية الرقمية؛ كيف تصف أثر هذه التجمعات على تطوير أدوات الشاعر المعاصر؟
من واقع تجربتي الكبيرة في هذا المجال، أعتقد أن لها تأثيراً كبيراً جداً في تحسين أدوات الشاعر المعاصر؛ فهناك تبادل معرفي وثقافي وأدبي بشكل سريع ومريح، والأدوات التي تعمل بتكتل دوري ومتقن تساعد جداً في تطوير ذات الشاعر ولغته، وممارسة دور تطوعي في تقمص أدوار اجتماعية وتجارب دولية أحياناً خارج ما اعتاده، وقراءة تجارب وجدانية عالمية في وقت قياسي؛ إذ تحصل على خلاصة أو ثمرة جهود جبارة في لحظة، فهو العصر الأكثر راحة لتطوير أدوات الشاعر.
وهنا أنبه إلى أن الاتجاهات في الملتقيات الثقافية الرقمية سريعة ومتعددة جداً، وقد تجد نفسك في مسار لا تريده يخدم أجندة معينة ليست بالضرورة ثقافية بحتة، وعليك أن تنزل منه في أقرب محطة وتبحث عن المسار الذي تجد فيه نفسك؛ وهذه سلبية قوية يمكن للمحترفين التنبه لها، وإلا فكل شيء يصبّ في صالح تطوير أدوات الشاعر….
17.هل يخطط الشاعر خليل عبد الولي لجمع شتات قصائده الرقمية المنشورة في ديوان مطبوع ومسجل قريباً؟
هو حلمي منذ زمن بعيد؛ فقد كانت لي أعمدة ثابتة في صحف وجرائد محلية أيام الصحافة الورقية، وكانت هذه النوافذ تمتص غروري الكتابي أو الإبداعي، وكنت أجمع هذه الصحف وأؤرشفها. ثم تطورت الكتابة الرقمية وامتصت بدورها تركيزي في جمع أعمالي في كتاب، أو خففت من زخم هذا المشروع، وكان انشغالي الدائم بلقمة العيش سبباً آخر.لكن تظل فكرة جمع أعمالي وقصائدي أو قصصي في كتاب أمراً منشوداً وفكرة تراودني في كل لحظة، بل إن لي تواصلاً مع مطابع ودور نشر، و-إن شاء الله- في القريب العاجل أرى جزءاً من حلمي في كتاب -إن لم يكن عدة كتب-. وقبل ذلك، أنا بصدد إنجاز ديوان رقمي، تتبعه رحلتي مع الكتب المطبوعة -بإذن الله-.
18.كيف تلمس تفاعل الجمهور الثقافي مع قصائدك؟ وهل هناك نصوص معينة شعرت بصدى استثنائي لها لدى المتابعين؟
يتفاعل الجمهور الثقافي مع قصائدي بشكل إيجابي لافت، بل إن السبب الرئيسي لتكثيفي كتابة النصوص والقصائد هو “ضجة التصفيق” -مجازاً- وتفاعل المتابعين؛ فلدى هذا الجمهور ذائقة تشكّل بعض هوسي في ابتکار المجازات والصور، لا سيما في قصائدي الوجدانية.جمهوري المتذوق للشعر يشترك فعلياً في إعجابه بتلك القصائد التي تربط الوجدان بالطبيعة وأنسنة الأشياء، وهو ما عبّر لي عنه معجبون بالشعر، سواء من اليمن أو الوطن العربي، أو حتى من بعض الجنسيات الأجنبية التي تجمعني بهم أنشطة ومنتدىات أدبية دولية.ولا شك أن هناك قصائد تحظى بصدى أكبر لدى الجمهور؛ إذ توجد دائماً في حياة أي شاعر أعمالٌ أو فلسفةٌ لها طابع مميز واستثنائي. لكن ما يجعل الشاعر يبدع ويستمر حقيقةً هو هذا الجمهور، وأراها مناسبةً طيبة لأشكر كل من مرّ على قصائدي وألقى تحية إعجاب، أو من يقرأ لي الآن هذا الحوار.
19.هل شاركت أو تفكر في المشاركة في مسابقات شعرية عربية كبرى لإيصال صوتك الإبداعي بشكل أوسع؟
تراودني الفكرة دائماً، لكن انشغالي المستمر هو السبب الرئيس في عدم تفرغي لذلك؛ ومع ذلك أحرص على الحضور متى ما أتيحت الفرصة. لدي مشاركات بسيطة في منتديات عربية، ولكني حتى الآن لم أركز أو أبحث بشكل جدي عن مسابقات شعرية كبرى، ومع هذا يظل ذلك مشروعاً ستفرضه الأيام بحكم الطموح ومقتضيات المشوار الإبداعي.
20.ما هي أبرز الأنشطة أو الأمسيات الثقافية (الافتراضية أو الواقعية) التي شاركت بها وتركت أثراً في مسيرتك الأدبية؟
كان للمشاركات الأدبية الواقعية -من أمسيات وندوات وفعاليات جماهيرية في حدود مساحتي الجغرافية داخل الوطن- أثر كبير وخلاب في تعميق رؤيتي الأدبية والشخصية، ولنقل في بناء الشجاعة الأدبية.
أما الفعاليات الافتراضية لاحقاً، فقد نقلتني إلى وعي أكثر تجاوباً مع نفسي، وعرّفتني على منابع الإبداع في ذاتي؛ إذ قادتني تلك الأنشطة -وبالأخص الافتراضية- إلى العودة لداخلي تحت ضغط التحدي وإثبات الذات، وأعادتني لأستخرج كل طاقاتي وأبحث بأسلوب متقن ومنهجي في قدراتي.صحيح أن البعض يحدث معه العكس؛ إذ يبحث في الخارج وتستقطبه الفعاليات حتى يصل إلى الفراغ، لكن الحقيقة أن الأنشطة الثقافية -واقعية كانت أم افتراضية- تمنحك مسارين للعبور: إما إلى ذاتك وصنع شخصيتك، وإما إلى الفراغ بعد امتلاء كاذب. وبالنسبة لي، كانت الأنشطة الواقعية في الوطن كافية وخلابة، بينما الأنشطة الافتراضية كثيرة جداً وتزداد كل يوم والحمد لله.
المحور الخامس: رؤى مستقبلية وفلسفة الحرف
21.في سياق قصائدك الوجدانية؛ هل الحب بالنسبة لك خلاص روحي أم أنه مكمن الخيبات والتمزق؟
المحاولة في الحب—بحد ذاتها—هي الخلاص الروحي؛ فالحب فعلٌ حيّ لا يُعطي دون أن يرتدّ أثره على الروح. أما التمزق، فيحدث حين يقرر الإنسان أن يرتدي تأريخ “قيس بن الملوّح”؛ ذلك الشاعر الذي اجتمعت في شخصيته ثلاثة عذابات متراكبة: أنه كان شاعراً، وكان عاشقاً، وكان مجنوناً. واليوم، نقف من تجربة قيس موقفاً متبايناً؛ فنحن نُعجب به كشاعر، ونشمت به كعاشق، وننتقص من جنونه أو نكذّبه!
يكون الحب خلاصاً روحياً حين يتكافئ الشعور ويحدث ذلك الارتداد الوجداني، لكنه يتحول إلى مكمن للخيبات والتمزق حين يُفجع العاشق—أو الشاعر—بأن طاقته الشعورية لم تُترجم كاملاً، وأن رسالة الشعر والحب لم تصل، أو كان ارتدادها بطيئاً وثقيلاً على النفس. ومع ذلك، حتى إن غدى الحب أو الشعر مسرحاً للخيبة والتمزق، فإن الشعر يظل الملاذ الأخير؛ يمنحك على الأقل حقّ الزمجرة، ويمدّك بالغطرسة والكبرياء أمام كسورك.
22.ما الذي تبحث عنه في مشروعك الشعري مستقبلاً؟ وما هي الإضافة التي تود تركها في ديوان الشعر العربي؟
أن يكون لي شعري، لغتي، أريد أن أتباهى بفتنة اللغة بسحر المجاز وضجة التصفيق، أريد أن أكون شاعراً، وأن أضيف فضلاً آخر من أفضال اليمن على الشعر العربي والعالمي.
23.”محافظة إب” الخضراء الساحرة هي مسقط رأسك؛ كيف انعكست طبيعة هذه المدينة ومطرها على عاطفتك وقاموسك الشعري؟
هي شهقة الشعر الأولى، مطر البيان وخضرة السحر، ولدت وفي فمي منها أغنية خضراء ، كانت القصائد سنابل في معيّتي، أزرع في كل رابية قصيدة، وأحصد من كل سحابة قصة…
في بلدتي
تتبادلُ الجبالُ مع السماءِ
الحكاية…
يُقالُ إنَّ جبلَ بعدان
عشقَ غمامةً
وإنَّ في وادي السُّحول
ذابتْ سحابة.
أنا بعض زرعها وغيمها، فتنتها ما برحت شعري ولا شاخ في حنايا الروح جمالها.
إِبْ
وَأَحْلَامُ مَدِينَتِي فَرَاشَاتٌ
مِنَ النَّدَى..
طُيُورُهَا أَنْفَاسُ الصَّلَاةِ
وَاللَّحْنُ مَاءٌ
وَالْأَغَانِي نَوَافِيرُ الضَّوْءِ
وَسَطْوَةُ الشِّعْرِ بَيْنَنَا
وَخُضْرَةُ الْأَرْضِ
سَنَابِلُ وَبَهَاءٌ
أَبْدَأُهَا بِالْعِشْقِ كُلَّ يَوْمٍ قَصِيدَةً
فَتَرُدُّهَا قُبْلَةً مِنْ مَطَرٍ
عَلَى جَبِينِي
وَتَحْضُنُنِي
مَا بَيْنَ أَرْضٍ وَسَمَاءٍ!
.24 إذا أردت توجيه عتب رقيق للمشهد الثقافي العربي المعاصر اليوم.. فماذا سيكون موضوع هذا العتب؟
النقد لا يعمل كمؤسسة أدبية..
25.ختاماً؛ ما هي القصيدة أو السطور الشعرية من إنتاجك التي تود أن تتركها كرسالة وأمانة في قلوب القراء؟
ساقول مقتطفات من قصيدة قديمة
أنا جَموحُ خيالٍ،
مَرِحٌ كالصبيِّ
لَّبِق
تسكنني ألفُ بيتٍ من التهذيب،
ويعتمرني مثلُها من الجنون.
فاسألي…
ما بالُ عينيكِ تتّسعان؟
ويزيدني هذا التباعدُ
ضجّةً في أضلعي،
ويدفعني ثغرُكِ المتقلّصُ
في موجِ الشفاه
إلى التوتر…
كأنّه خاتمُ نبيّ.
واقول قصيدة حديثة لم تنشر بعد….
بين أن أكونَ شاعرا
أو مرتبكاً… حيرة
وضعتُ الأسئلة
قلتُ الافتراضاتِ المريرة
تكبّدتُ عناءَ أن أكونَ واعياً
أن أكونَ مسافراً
غريباً
وحيداً
ذا حيلةٍ قصيرة
يُقالُ إن الأسئلةَ الكثيرة
تصنعُ من تكرارها
مع المدى
حقيقة
كنتُ أدّخرُ كلَّ يومٍ سؤالاً
كلُّ شروقٍ كان جولةً
وكلُّ غروبٍ صولةً كبيرة
ما تأخّرتُ عن صمودي
كما هي عادةُ أحلامي الأخيرة
كلُّ يقينٍ
كان بمثابةِ شك
والشكُّ صمتٌ
والصمتُ أطاردهُ
مثلَ طريدة
ما ادّخرتُ جهداً
إلا وزرعتُ سؤالاً
ولا طافَ نصٌّ في سمائي
إلا واستجوبتُ الطيور… على إثره
بطرقٍ شنيعة
ألومها… بلا ذنبٍ
لماذا تنامينَ قريرة؟
لماذا السماءُ مراغماً
وأشجاركِ قراراً
ودنوُّكِ من الأرضِ
مسألةٌ خطيرة؟
وبلا انتهاءٍ
أسألُ الجدوى
لماذا الروابي
مثلُ قصائدي
وقصائدي
مثلُ غابةٍ مطيرة؟
لماذا عيونُ النساءِ
بحوراً
ومكيدةً
والبحارُ بعمقها
لعبةٌ صغيرة؟
كم يلزمني من سؤالٍ
كي أزرعَ
في هوامشِ الوقتِ
جداراً
وأقايضَ خرائطَ الشعرِ
فاصلةً
مكبلةً
مستديرة؟
كيف أنهمرُ
أسئلةً كبرى
أسئلةً أعمق
أسئلةً أعتى…
ثم ارتددتُ
أسألُ نفسي
كثيراً…
كثيراً…
ثم من تلقاءِ نفسي
قلتُ
قصيدة.
خليل الحكمي .
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.