
شفا – الكاتبة والطبيبة تالين محمد في مواجهة حرة مع الشغف والأدب وصناعة الوعي
حوار:عطا درغام
حين تلتقي دقة الملاحظة الإنسانية بعفوية القلم، نكون أمام تجربة أدبية تحاول إعادة قراءة المشاعر البشرية وصياغتها بشكل مغاير. في هذا الحوار الصريح، نلتقي مع الكاتبة تالين محمد، لنتجاوز العناوين العريضة والشعارات المحفوظة، ونغوص مباشرة في جوهر تجربتها الإبداعية، والتحولات الفكرية والاجتماعية التي تحرك نصوصها، والصدام المستمر بين عالم الأفكار والواقع اليومي المعاش.
المحور الأول: الهوية الثقافية وصناعة الوعي
ما هي الفكرة أو القناعة الفكرية التي دافعتِ عنها لسنوات في بداية مسيرتك، ثم أثبت لك الواقع المعاصر عكسها تماماً؟
لا يوجد فكرة دافعت عنها وأثبت الواقع عكسها
يقف المبدع دائماً بين فخين: الكتابة لنخبة محدودة أو السقوط في السطحية لإرضاء الجمهور؛ كيف تصنعين خطك الخاص بعيداًعن هذين المنحدرين؟
أنا أكتب ما يحلو لي ولا يهم ما يحب الجمهور؛ فأنا لا أبحث عن إرضاء أحد ، أهم شئ أن تكون القصيدة مختلفة ،ومميزة، وأنا إن اقتنعت بها ،يقتنع بها جمهوري.
هل ترين أن الأزمات الثقافية الحالية في مجتمعنا تحتاج إلى تقديم إجابات وحلول جديدة، أم أن الأهم هو إعادة صياغة الأسئلة نفسها بطريقة صحيحة؟
تحتاج إلى تقديم إجابات و حلول جديدة
متى يتحول الاطلاع والمعرفة من وسيلة للتحرر الفكري إلى قيد يمنع الكاتب من عيش بساطة وتلقائية الحياة؟
عندما يصل إلى مرحلة الوعي الفائض أو ما يعرف بلعنة المعرفة.
الرقابة الذاتية الصارمة:عندما تحاصره آراء الفلاسفة والنقاد الذين قرأ لهم فيشعر أن كل فكرة تخطر بباله قد كتبت من قبل، أو أنها ليست بالعمق الكافي،مما يقتل عفوية الكتابة وعفوية العيش.
إذا أتيحت لكِ الفرصة لحذف مفهوم أو فكرة سائدة من عقول الجيل الحالي لتصليح حال المشهد الثقافي، فماذا ستختارين؟
وهم النجاح السريع والثراء اللحظي
المحور الثاني: الشغف والاصطدام بالواقع المادي والتنموي
كيف يحمي المبدع فكرته من أن تتحول إلى منتج باهت وفاقد لروحه عندما يدخل بها في حسابات السوق وصناعة النشر؟
يجب على المبدع صياغة إستراتيجية توازن مرنة تجمع بين الحفاظ على الجوهر الأصيل للعمل وتفهم متطلبات السوق دون خضوع كامل لها.
برأيكِ، هل يخدم رأس المال المبادرات التنموية والثقافية اليوم، أم أنه يفرض شروطاً غير معلنة تقيد حرية صاحب الفكرة؟
إن رأس المال اليوم يمثل سلام ذو حدين للمبادرات التنموية فهو من جهة الشريان الأساسي الذي يحول الأفكار إلى واقع ملموس ،ومن جهة أخرى أداة توجيه غير معلنة تشترط غالباً التوافق مع أجندات الممول أو معايير السوق.
ما هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الشاب عندما يحاول تحويل موهبته الإبداعية إلى عمل مستقر يؤمن له متطلبات الحياة اليومية؟
ااإستغلال السئ له ومحاولة إقناعه بالشهرة والنجاح دون الحاجة إلى مال والكثير من المواهب لا تأتي بعائد مادي، وتظل موهبة فقط، لعدم معرفة قيمة ما نفعل أو تقديره بالقدر الكافي، فيستغلوا موهبتنا في نجاحهم دون أن نأخذ أي عائد مادي.
في أوقات الأزمات والضغوط الاقتصادية، كيف يثبت النشاط الأدبي والفني للمجتمع أنه ضرورة حتمية لبناء الإنسان وليس مجرد رفاهية؟
لأن الفن رسالة والكلمة رسالة وكل صاحب موهبة يجب ألا يتخلى عن موهبته ، أي إنسان صاحب موهبة يجب أن يستغل موهبته،في تطوير نفسه ،وإن لم يستغلها فهو بذلك يظلم نفسه، يجب على كل مبدع ،أن يساهم في تطوير المجتمع، فالمجتمع ينهض بالمبدعين ،وأصحاب العقول اليقظة،والناجحين.
كيف ننتقل بحركتنا الثقافية من مرحلة "المبادرات الفردية المؤقتة" إلى بناء بيئة تنموية مستدامة تدعم المواهب الحقيقية؟
عن طريق نقل المشاريع من طابعها الفردي المؤقت إلى مؤسسات أو جمعيات ثقافية مسجلة ذات هيكل إداري.
المحور الثالث: التحولات الاجتماعية وقضايا الهوية
الفن والأدب يجمعان الناس لكنهما يكشفان عيوبهم أيضاً؛ متى كان نصك أو نشاطك الإبداعي سبباً في إثارة جدل مجتمعي لم تتوقعيه؟
لا يوجد نصوص لي قد أثارت جدلا
كيف يمكن للعمل الأدبي أن يتبنى قضايا الفئات المهمشة أو غير المسموعة دون السقوط في فخ الاستعراض أو المتاجرة بآلامهم؟
عن طريق إعطاء صوت للمهمشين بدلاً من التحدث نيابةً عنهم،حيث يجب ألا يضع الكاتب نفسه في دور المنقذ، ويترك الشخصيات تعبر عن نفسها
في عالم يضغط باستمرار لجعل الجميع نسخاً متشابهة، كيف استطعتِ الحفاظ على خصوصية هويتك وأصالة طرحك؟
أحب أن يكون لي بصمة ،وكتابتي لها طابع خاص،يعرف الناس أنها كتابتي من أول كلمتين، لا أحب التقليد، أحب أن أكون مميزة ومختلفة عن غيري،أحاول دائماً أن يكون لي طريقة خاصة بي.
أين تلمسين الشرخ الأكبر بين طموحات الجيل الجديد اليوم وبين الموروثات الاجتماعية التقليدية التي تحكم حركة المجتمع؟
جيل gen Z وجيل ألفا تتعارض أفكارهم وطموحاتهم مع الموروثات الإجتماعية،وهم يرونها قيود لا فائدة منها، فهم جيل متحرر ،وهناك الكثير منهم مبدع ،يحبوا الخروج عن المألوف .
متى يشعر المبدع بالاغتراب وسط محيطه، وكيف يوظف هذه العزلة الاجتماعية لتكون وقوداً لإنتاجه بدلاً من أن تكون سبباً في انطفائه؟
يشعر بالغربة عندما يجد نفسه يواجه وحده ،وقد تخلى عنه أصدقائه، ولا يقدرون قيمة ما يفعله، وقتها يجب أن يزيده ذلك إصرار على النجاح، لأن هذا دليل على نجاحه ،وأنهم ربما يغيروا منه ومن نجاحه، فيستغل المبدع ذلك في الكتابة ،وأنه لديه وقت للكتابة بدلاً من الثرثرة ،وتضييع الوقت، وعندما ينجح ،سيجد اصدقاء حقيقيين.
المحور الرابع: الأبعاد النفسية والوجدانية في النص الأدبي
هناك مسافة دقيقة بين استخدام الكتابة كأداة للتعافي النفسي وبين الغرق في إعادة إنتاج الألم؛ كيف تضبطين هذه المعادلة أثناء صياغة النص؟
الكتابة لا تنتج ألم ،بل هي أفضل وسيلة للتعافي،لكن فعلاً يجب عدم الغرق في تذكر الألم ،والسعي في إنتاج أفكار جديدة ،ومختلفة ،حتى لا تكون النصوص كلها متشابهة،حتى وإن كان الإنسان في كتابته يشرح تجربة يجب أن يغير فيها ،وهنا يكمن الإبداع،ليكون له طريقته الخاصة، لا يكون مجرد بوح فقط.
ما هي الضريبة النفسية أو التضحية الأكبر التي قدمتها في حياتك الشخصية للحفاظ على تدفق نشاطك وقدرتك على العطاء؟
أنا أعرف جيداً كيف أوازن بين حياتي الشخصية والكتابة، فالكتابة وحدها والنشاط والعطاء هو ما يجعلني سعيدة في حياتي ، ويجعل لدي أمل وإقبال على الحياة،فالحياة الأدبية ،تزيد من ثقافة الإنسان ،وتجعله يتحدى أي شئ للإستمرار في حياته الأدبية.
عندما ينال عملك ترحيباً واسعاً من القراء، هل يرمم ذلك الشكوك الداخلية في روح الكاتب، أم يفرز خوفاً وقلقاً جديداً من الخطوة التالية؟
بالعكس يزيدني ذلك ثقة ،ويحفزني على تكرار النجاح بعمل آخر ،وألا يقل أهمية عما يسبقه.
كيف تحمين ذائقتك الخاصة ونفسيتك من التلوث السمعي والبصري في عصر يقدس لغة الأرقام والمشاهدات على حساب القيمة؟
أنا مقتنعة أن ما أقدمه ذو قيمة ،وهذا يكفي ،ولا أهتم لرأي أحد، فهناك الكثير ليس بنفس الإبداع ،ويقابل بالدعم الكثير ،لكن كل ما يهمني أن يكون ما أقدمه مميز ومختلف ،وسيتم تقديره بالتدريج، فالنجاح صعب لكن الأصعب هو الإستمرار فيه .
ما الذي يسيطر على عقلك في اللحظة التي تلي صدور عمل كبير أو انتهاء مشروع أدبي استهلك منكِ جهداً طويلاً؟
إن تم صدور عمل لي، أفكر بعدها مباشرة في عمل آخر وتكرار النجاح .
المحور الخامس: الفضاء الرقمي وتحديات التكنولوجيا
في زمن الخوارزميات والتفاعل اللحظي، كيف يحافظ الكاتب على عمق أفكاره بعيداً عن هوس ملاحقة "التريند" والمشاهدات السريعة؟
يجب أن يدرك الكاتب أن النجاح السريع يختفي سريعاً ،وأن التريند لا يعني نجاح الشخص ، فنرى أن الكثير يمكن أن يكون تريند في شئ سئ ، يجب أن يحافظ الكاتب على عمق أفكاره ،فنحن نرى الآن أن أغلب مقدمي المحتوى الهادف لا يوجد عليهم بقعة ضوء ،مثل مقدمي المحتوى السئ والردئ ، وهذا لا يعطينا مبرر لتغيير أفكارنا ،أو ملاحقة التريند، فالكاتب يجب أن يكون مثقف بالقدر الكافي، ولا ينظر للتريند وعدد اللايكات ،والمشاهدات، فكل هذا زيف، ولو كل كاتب غير أفكاره لأن الدعم ليس كافي ،لن يكون هناك كتاب مبدعين ،وأصحاب محتوى هادف.
الشاشات جعلت التواصل أسهل، لكن هل جعلت المشاعر الإنسانية أكثر سطحية؟ وكيف ينعكس ذلك على طريقة تلقي الأدب اليوم؟
بالفعل جعلت المشاعر الأنسانية أكثر سطحية ، واختصرت الناس المكالمات والإطمئنان على بعضها في رسالة ، أصبحت القراءة سهلة عن ذي قبل ،فالكثير من الكتاب والمبدعين ينشروا محتواهم على وسائل التواصل ،فلا يحتاج الناس إلى البحث كثيراً.
كيف يمكن استغلال وسائل التواصل لتقديم محتوى جاد دون التنازل عن رصانة المعنى وقيمته الفكرية؟
برغم أننا الآن في صراع على حجم التفاعل والإعجاب والتعليقات ،إلا أننا يجب أن نكون أصحاب محتوى جاد ،ولا نتنازل عن قيمة المحتوى وأهميته لأجل أي شئ آخر ،حتى لو لم يقابل بالدعم المنتظر والمطلوب، فالأهم من حجم التفاعل ،هو قيمة المحتوى نفسه، فهناك الكثير يقرأ ،ولكن لا يضغط أعجبني .
هل تخشين من تسارع أدوات التكنولوجيا في محاكاة التعبير الإنساني، أم تريْن أن الروح البشرية تظل عصية على التقليد؟
أرى أن الروح البشرية عصية على التقليد ،مهما حاولت التكنولوجيا إثبات عكس ذلك.
كيف توازنين بين حضورك ونشاطك الرقمي المستمر، وبين حاجتك الإنسانية للاختفاء والعزلة لتوليد أفكار جديدة ونقية؟
أنا أرى أن نجاحي في التواجد المستمر ولا يؤثر ذلك إطلاقاً على جودة كتابتي ،بالعكس ظهوري مرتبط جداً بالكتابة ،ويلزمني ذلك بالكتابة اليومية، والنشاط الدائم .
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.