4:41 مساءً / 2 نوفمبر، 2026
آخر الاخبار

من يربي أبناءنا؟ ، بقلم : أ. خليل إبراهيم أبو كامل

من يربي أبناءنا؟ ، بقلم : أ. خليل إبراهيم أبو كامل

حين تنهار المدرسة ولا تنجو الأسرة

هناك شيء ما يحدث في مجتمعنا الفلسطيني، أكبر من مشكلة منهاج، وأعمق من ضعف تحصيل دراسي، وأخطر من تراجع نتائج امتحان.

هناك أزمة تربية.

والمشكلة أننا ما زلنا نتعامل معها باعتبارها مشكلات منفصلة: طالب لا يدرس، معلم متعب، أسرة منشغلة، مدرسة تعاني، جامعة لا تلبي سوق العمل، طفل يقضي ساعات طويلة أمام الهاتف، وشاب غاضب من واقعه.

لكن ماذا لو كانت كل هذه الظواهر أجزاءً من صورة واحدة؟

ماذا لو كانت المنظومة التي يفترض أن تصنع الإنسان الفلسطيني قد بدأت تفقد قدرتها على القيام بدورها؟

لسنا أمام أزمة تعليم فقط.

نحن أمام أزمة في التربية، والقيم، والعلاقة بين الإنسان ومجتمعه.

لقد انشغلنا بتعليم الطفل ونسينا تربيته

نجحنا في بناء نظام يعلّم الطفل القراءة والكتابة والحساب، لكنه لم ينجح دائمًا بالقدر نفسه في تعليمه كيف يتعامل مع غضبه، وكيف يختلف مع الآخر، وكيف يحترم من هو مختلف عنه، وكيف يتحمل المسؤولية، وكيف يقول «لا» عندما يكون الخطأ جماعيًا.

أصبحنا نسأل الطفل:

كم حصلت في الرياضيات؟

كم حصلت في اللغة؟

كم معدلك؟

لكن كم مرة سألناه:

هل أنت سعيد؟

هل تشعر بالأمان؟

هل هناك شيء تخاف منه؟

هل هناك أحد يؤذيك في المدرسة؟

هل تستطيع أن تتحدث مع والديك؟

هل تعرف كيف تحل خلافًا دون عنف؟

هل تعرف كيف تحترم شخصًا لا يشبهك؟

هذه الأسئلة ليست خارج التعليم.

هذه هي التربية.

المدرسة ليست مصنعًا للعلامات

حين تتحول المدرسة إلى مكان هدفه الأساسي إنهاء المنهاج والحصول على العلامة، يصبح الطالب في نهاية المطاف رقمًا.

90%.

85%.

70%.

لكن ماذا يوجد خلف الرقم؟

طفل ربما يملك موهبة لم نكتشفها.

طفل يعاني من مشكلة نفسية لم ننتبه إليها.

طفل يتعرض للتنمر.

طفل يعيش مشاكل أسرية.

طفل فقد شخصًا عزيزًا.

طفل يخاف من المستقبل.

طفل لا يعرف كيف يعبر عن نفسه.

ثم نقول له: اجلس، اصمت، احفظ، واكتب.

وبعد ذلك نتساءل لماذا أصبح أبناؤنا أقل قدرة على الحوار، وأكثر غضبًا، وأقل صبرًا.

كيف نريد من الطفل أن يتعلم الحوار، إذا كان معظم يومه التعليمي قائمًا على الاستماع والتلقي؟

كيف نريد منه التفكير النقدي، إذا كان السؤال أحيانًا أخطر من الإجابة؟

كيف نريد منه الإبداع، إذا كان الخطأ بالنسبة إليه عقوبة؟

الطفل الذي لا نربيه نحن، سيُربيه غيرنا

هذه ربما أكثر حقيقة يجب أن نواجهها.

الطفل اليوم لا يعيش فقط مع أسرته ومدرسته.

هناك هاتف.

هناك تيك توك.

هناك إنستغرام.

هناك يوتيوب.

هناك ألعاب إلكترونية.

هناك مؤثرون.

هناك آلاف الرسائل التي تدخل إلى عقل الطفل كل يوم.

نحن نترك أبناءنا ساعات طويلة أمام هذه الشاشات، ثم نغضب عندما تتغير أفكارهم وقيمهم وسلوكياتهم.

لكن السؤال الحقيقي ليس:

لماذا تأثروا؟

السؤال:

لماذا تركنا الفراغ؟

عندما لا يجد الطفل الحوار في البيت، سيبحث عنه في مكان آخر.

عندما لا يجد القدوة، سيصنع قدوته بنفسه.

عندما لا يجد مساحة للتعبير، سيجد منصة أخرى يتحدث من خلالها.

وعندما لا نقدم له معنى للنجاح، سيبحث عن النجاح كما تصوره له الخوارزميات.

الأسرة أيضًا أمام المرآة

ليس من العدل أن نضع كل اللوم على المدرسة.

فالمدرسة لا تستطيع أن تعيد بناء طفل في خمس أو ست ساعات إذا كان البيت يهدم كل شيء بقية اليوم.

أحيانًا أصبح اهتمام الأسرة بالطفل مرتبطًا بالعلامة الدراسية فقط.

إذا حصل على علامة مرتفعة، فهو ممتاز.

إذا فشل، فهو كسول.

لكن الطفل ليس علامة.

والأب والأم ليسا موظفي متابعة أكاديمية.

الأب والأم قبل كل شيء مربيان.

والتربية لا تكون فقط بالصراخ والأوامر والعقاب.

التربية تبدأ بالقدوة.

بالاستماع.

بالحوار.

بأن يرى الطفل والده يعتذر عندما يخطئ.

وأن يرى أمه تحترم الاختلاف.

وأن يشعر أن البيت مكان يستطيع فيه أن يتحدث دون خوف.

وأين ذهب اللعب؟

ربما يبدو هذا السؤال بسيطًا، لكنه ليس كذلك.

أين ذهب لعب أطفالنا؟

لماذا أصبح وقت الطفل موزعًا بين المدرسة والواجبات والدروس الخصوصية والهاتف؟

الطفل يحتاج أن يلعب.

أن يركض.

أن يرسم.

أن يصرخ أحيانًا.

أن يتخيل.

أن يخطئ.

أن يتعلم من خلال التجربة.

اللعب ليس ترفًا تربويًا.

إنه جزء من نمو الطفل.

وعندما نحرم الطفل من مساحاته الطبيعية للتعبير والحركة واللعب، ثم نطالبه بأن يكون هادئًا ومتزنًا ومبدعًا، فنحن نناقض أنفسنا.

المعلم ليس المشكلة… لكنه يحتاج إلى منظومة تحميه

لا يمكن بناء تعليم جيد بمعلم منهك.

ولا يمكن أن نطلب من المعلم أن يكون مدرسًا، ومربيًا، وأخصائيًا نفسيًا، ومصلحًا اجتماعيًا، ومديرًا للصف، وخبيرًا بالتكنولوجيا، ثم نتركه يواجه كل ذلك وحده.

المعلم يحتاج إلى تدريب.

يحتاج إلى احترام.

يحتاج إلى دعم.

ويحتاج أيضًا إلى أن يتحمل مسؤوليته المهنية.

فلا يمكن أن نرفع شعار «حقوق المعلم» وننسى أن للطالب حقًا في معلم مؤهل، عادل، قادر على التعامل معه بإنسانية ومهنية.

حقوق المعلم وحقوق الطالب ليستا معركتين متناقضتين.

كلاهما جزء من منظومة واحدة.

الجامعة… نهاية الوهم أم بدايته؟

ثم يصل الطالب إلى الجامعة.

يحصل على الشهادة.

ثم يكتشف أن الشهادة وحدها لا تكفي.

نطلب من الشباب أن يكونوا مبادرين، لكننا لم نعلمهم المبادرة.

نطلب منهم التفكير النقدي، لكننا لم نعطهم دائمًا فرصة للنقاش.

نطلب منهم العمل الجماعي، بينما كان نجاحهم الدراسي قائمًا على المنافسة الفردية.

نطلب منهم دخول سوق العمل، لكننا لم نمنحهم بالضرورة الخبرة العملية الكافية.

ثم نلوم الشباب لأنهم «لا يعملون».

ربما المشكلة ليست دائمًا في الشباب.

ربما علينا أن نسأل:

هل أعددناهم فعلًا للحياة التي نطلب منهم أن يعيشوها؟

أخطر ما في الأزمة أننا اعتدنا عليها

الخطير ليس أن تكون لدينا مشكلات.

كل المجتمعات لديها مشكلات.

الخطير أن تصبح المشكلة طبيعية.

أن يصبح العنف في المدرسة أمرًا عاديًا.

أن يصبح التنمر مزحة.

أن يصبح الهاتف مربيًا.

أن يصبح غياب الحوار طبيعيًا.

أن يصبح الطالب الذي يسأل كثيرًا «مشاغبًا».

أن يصبح الطفل الذي يعاني نفسيًا «مدللًا».

أن يصبح الشاب الذي يرفض الواقع «متمردًا».

وأن يصبح كل شيء قابلًا للتبرير بجملة واحدة:

«زمان كان الوضع غير.»

نعم، كان الزمن مختلفًا.

لكن أبناءنا يعيشون في زمن آخر.

نحن لا نحتاج إلى إصلاح المدرسة فقط

نحتاج إلى إصلاح فكرة التربية نفسها.

نحتاج إلى أن نتوقف عن النظر إلى التعليم باعتباره طريقًا للحصول على شهادة.

التعليم يجب أن يكون طريقًا لبناء إنسان.

إنسان يعرف كيف يفكر.

كيف يحاور.

كيف يختلف.

كيف يحب.

كيف يتحمل المسؤولية.

كيف يرفض الظلم.

كيف يحترم الآخر.

كيف يعمل مع الجماعة.

وكيف يكون جزءًا من الحل بدل أن يكون مجرد متفرج على المشكلة.

نحن بحاجة إلى مدرسة تفتح عقل الطفل، لا فقط كتابه.

وأسرة تسمع طفلها، لا فقط تراقب علاماته.

وجامعة تبني مهاراته، لا فقط تمنحه شهادته.

ومجتمع يرى في الطفل مشروع إنسان، لا مشروع علامة.

السؤال الذي نخاف منه

ربما علينا أن نطرح السؤال الأكثر قسوة:

من يربي أبناءنا اليوم؟

هل نحن؟

أم المدرسة؟

أم الهاتف؟

أم الشارع؟

أم المؤثرون؟

أم الخوارزميات؟

أم مجموعة من الظروف التي لم يعد أحد يريد تحمل مسؤوليتها؟

إذا لم نجب عن هذا السؤال بوضوح، فلا يجب أن نتفاجأ عندما نرى نتائج التربية في الشارع، وفي الجامعات، وفي أماكن العمل، وفي العلاقات الاجتماعية.

لأن ما يحدث داخل المدرسة لا يبقى داخل المدرسة.

الطالب الذي نتجاهل مشكلته اليوم قد يصبح مواطنًا يحمل المشكلة إلى المجتمع غدًا.

والطفل الذي لا يتعلم الحوار قد يصبح بالغًا لا يعرف إلا الصراخ.

والطفل الذي يتعلم أن القوة هي الحل، قد يحمل هذه القاعدة معه إلى أسرته ومجتمعه.

والطفل الذي لا يتعلم احترام الآخر، قد يصبح فردًا يعجز عن بناء مجتمع متماسك.

لا نحتاج إلى جيل يحفظ أكثر

نحتاج إلى جيل يفهم أكثر.

لا نحتاج إلى جيل يحصل على علامات أعلى فقط.

نحتاج إلى جيل يمتلك وعيًا أعلى.

لا نحتاج إلى جيل يحمل شهادات أكثر فقط.

نحتاج إلى جيل يمتلك قدرة أكبر على صناعة الحياة.

فلسطين لا تحتاج فقط إلى أطباء ومهندسين ومحامين ومعلمين.

فلسطين تحتاج إلى إنسان.

إنسان يعرف قيمة الإنسان.

يعرف معنى المسؤولية.

يعرف كيف يختلف دون أن يتحول الاختلاف إلى كراهية.

يعرف أن المجتمع ليس مجموعة أفراد يعيش كل واحد منهم لنفسه.

ويعرف أن الوطن لا يبنى بالشعارات وحدها، بل بالأخلاق والعمل والمعرفة والمشاركة.

كلمة أخيرة

إذا كانت المدرسة مرآة للمجتمع، فعلينا ألا نغضب من الصورة التي نراها.

علينا أن نسأل: كيف وصلنا إليها؟

ولا يكفي أن نطالب الطفل بالتغيير.

ولا يكفي أن نلوم المعلم.

ولا يكفي أن نهاجم الأسرة.

ولا يكفي أن ننتقد الوزارة.

ولا يكفي أن نكتب استراتيجية جديدة ونضعها في الأدراج.

المطلوب أن نعترف بأن التربية مسؤولية وطنية ومجتمعية.

وأن إعادة بناء الإنسان الفلسطيني يجب أن تكون واحدة من أهم أولوياتنا.

لأننا إذا فشلنا في بناء الإنسان، فلن تنقذنا أفضل المناهج.

وإذا فقد الطفل ثقته بالمدرسة، فلن تعيده إليها عشرات الكتب.

وإذا فقد الشاب ثقته بالمجتمع، فلن تعيدها إليه شهادة جامعية.

وإذا فقدنا القدرة على تربية أبنائنا على الحوار والاحترام والمسؤولية، فعلينا أن ندرك أن الأزمة لم تعد أزمة تعليم.

لقد أصبحت أزمة مجتمع.

والسؤال الذي يجب أن نتركه مفتوحًا ليس:
كيف ننجح في امتحانات أبنائنا؟

بل:

أي إنسان نريد أن يخرج من مدارسنا بعد اثني عشر عامًا؟

لأن الإجابة عن هذا السؤال هي، في الحقيقة، الإجابة عن سؤال أكبر:

أي فلسطين نريد أن نبني؟

شاهد أيضاً

الناطق الرسمي باسم حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” عبد الفتاح دولة

الناطق بإسم فتح عبد الفتاح دولة في ذكرى وعد بلفور: بعد 109 أعوام ما زالت الاستراتيجية الصهيونية واحدة ومشروع الاقتلاع والتصفية مستمرا

شفا – قال عضو المجلس الثوري والناطق الرسمي باسم حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” عبد …