11:52 مساءً / 1 نوفمبر، 2026
آخر الاخبار

87 ساعة في صُحبة أبي تمام وحماسته ، بقلم : نزار موسى أبو دهيم

87 ساعة في صُحبة أبي تمام وحماسته ، بقلم : نزار موسى أبو دهيم

في قصيدة «لا تعتذر عما فعلت» لمحمود درويش، وبين سلسلة من الذكريات والأشياء التي تستعيدها الذاكرة من الطفولة، يقول:

لا تعتذرْ عمَّا فَعَلْتَ – أَقول في
سرّي. أقول لآخَري الشخصيِّ:
ها هِيَ ذكرياتُكَ كُلُّها مرئِيّةٌ:
ضَجَرُ الظهيرة في نُعَاس القطِّ
عُرْفْ الديكِ
عطرُ المريميَّةِ
قهوةُ الأمِّ
الحصيرةُ والوسائدُ
بابُ غُرفَتِكَ الحديديُّ
الذبابةُ حول سقراطَ
السحابةُ فوق أفلاطونَ
ديوانُ الحماسةِ
صورةُ الأبِ
مُعْجَمُ البلدانِ
شكسبير
الأشقّاءُ الثلاثةُ, والشقيقاتُ الثلاثُ,
وأَصدقاؤك في الطفولة، والفضوليُّون:
((هل هذا هُوَ؟))

ومن بين كل هذه التفاصيل التي تستعيدها الذاكرة، يمرّ «ديوان الحماسة» كواحد من الأشياء التي بقيت حاضرة في الذاكرة، إلى جانب صورة الأب ومعجم البلدان وشكسبير وسائر الأشياء التي شكّلت عالم الشاعر.

فما هذه الحماسة التي دخلت إلى ذاكرة شاعر كبير مثل محمود درويش؟ وما الذي جعل كتابًا جمعه أبو تمام قبل أكثر من ألف عام يبقى حاضرًا في الذاكرة العربية إلى اليوم؟

أبو تمام هو حبيب بن أوس الطائي، الشاعر العباسي، ولد نحو 188هـ وتوفي سنة 231هـ.
العصر: العصر العباسي، القرن الثالث الهجري.

والحماسة مختارات من الشعر العربي القديم، جمعها أبو تمام وانتخبها ورتبها في أبواب موضوعية، فضم شعرًا جاهليًا ومخضرمًا وإسلاميًا وأمويًا وعباسيًا.

والحماسة كتابٌ ألّفه أبو تمام جمعًا واختيارًا وترتيبًا، وليست ديوانًا يضم شعره هو. فقد جمع فيه مختارات من شعر شعراء مختلفين، وانتخب منها ما رآه جديرًا بالبقاء، ثم رتّبها في أبواب متعددة.

وهنا يجب أن نميز بين ثلاثة أشياء: الشاعر الذي أنشأ النص، والرواة والكتب التي حفظته ونقلته، وأبو تمام الذي اختاره وأدخله في كتابه.

وهذا أمر مهم في قراءة الحماسة؛ فما نقرأه فيها ليس شعر أبي تمام كله، بل شعر عرب كثيرين حفظته الرواية والكتب، ثم اختار أبو تمام منه ما رآه جديرًا بالبقاء.

ماذا لو قرأنا كتابًا كبيرًا، لكننا لم ننظر إلى عدد صفحاته، بل إلى ساعة واحدة من يومنا؟

الكتاب الذي اخترناه هو «شرح ديوان الحماسة» لأبي علي أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي الأصفهاني (ت 421هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1424هـ/2003م، بتحقيق غريد الشيخ.

إذا قرأنا بمعدل 15 صفحة في الساعة، فإن إجمالي وقت القراءة يبلغ نحو 87 ساعة تقريبًا.

رقم بسيط، لكنه يجعل الكتاب أقرب إلى اليد.

لكن الأهم من الحساب كله: لماذا الحماسة؟

في شتاء همذان القارس، وثلوجها المتساقطة، جلس أبو تمام يؤلف حماسته. وتقع همذان على ارتفاع نحو 1822 مترًا فوق سطح البحر، وهذا ما يجعلها عرضةً لتساقط الثلوج بكميات كبيرة.

وترتبط أشهر الروايات في جمع الحماسة بإقامته في همذان حين حالت الثلوج دون مواصلة سفره، فأقام عند أبي الوفاء بن سلمة، وكان من أهل بيت رئاسة وثراء، وكانت له خزانة كتب واسعة، فقدّمها لأبي تمام يقضي بها الوقت حتى تذوب الثلوج، وبالفعل بدأ أبو تمام باختيار أبيات الحماسة من هذه الكتب.

ثم جاء المرزوقي، وقبله علماء كثر، فشرح هذه المختارات، ووقف عند ألفاظها ومعانيها وصورها ودقائقها، وقرّبها إلى القارئ، فكشف له ما فيها من جزالة الألفاظ العربية، والشواهد النحوية، والصور البلاغية، ودقائق اللغة، والحكم والتجارب الإنسانية، مما يجعل قراءتها نافعة للشاعر والكاتب والدارس ومحبي العربية.

ولهذا تعد الحماسة من عيون الشعر العربي؛ فقد حفظت لنا مختارات من شعراء كثيرين، وبقيت أبيات منها حاضرة في كتب الأدب واللغة والنقد، وبعض الشعراء لم يصلنا من شعرهم إلا القليل.

وقد بلغ أبو تمام من المكانة أن بعض النقاد والشعراء فضّله على المتنبي، وهي مسألة قديمة في المفاضلة بين كبار شعراء العربية.

الحماسة ليست الحرب وحدها

الحماسة في أصلها تدور حول الشجاعة والجرأة والقوة والإقدام، لكن أبا تمام لم يحصرها في الحرب. فالكتاب يبدأ بالحماسة، ثم يتسع إلى الرثاء والأدب والنسيب والهجاء والمديح والوصف والسفر والطرف.

وهذا يعني أن الحماسة عند القراءة الأوسع هي قوة الإنسان في مواجهة الحياة.

قد تظهر القوة في الحرب، وقد تظهر في الصبر، أو الوفاء، أو الكرم، أو احتمال الشدائد، أو حفظ العهد، أو حماية الجار.

ولهذا تتصل الحماسة بالمروءة. فالقوة وحدها لا تكفي لتكوين النموذج البطولي؛ وإنما تكتسب قيمتها عندما ترتبط بخلق أو موقف.

الحماسة إذن لا تقدم الحرب وحدها، بل تقدم نماذج للإنسان القوي أمام الخوف والموت والفقد والمشقة والخصومة.

بيت واحد قد يقول الكثير

ومن الأشياء التي تستحق الانتباه في الحماسة قيمة البيت المكثف.

قد يختصر بيت واحد تجربة نفسية أو أخلاقية واسعة، فيبقى في الذاكرة، ويصبح صالحًا للحفظ والاستشهاد.

وهنا ندرك أن طول القصيدة ليس معيارًا للجودة. فقد يعيش بيت واحد مستقلًا عن قصيدته إذا كان قوي المعنى، واضح الصياغة، مؤثر الصورة، راسخ الإيقاع.

وربما نقرأ بيتًا فنقف عنده أكثر من مرة، ونسأل: كيف استطاع الشاعر أن يقول كل هذا في بيت واحد؟

أبواب الكتاب

رتب أبو تمام مختاراته في أبواب موضوعية، ومن أشهرها: الحماسة، والمراثي، والأدب، والنسيب، والهجاء، والأضياف والمديح، والصفات، والسَّيْر والنُّعاس، ومَذَمَّة النساء، والمُلَح والطرائف.

وقد تختلف تسمية بعض الأبواب أو ضبطها في الطبعات والشروح، لكن البناء العام واضح.

وهذه الأبواب تنقلنا من تجربة إلى أخرى؛ من الشجاعة إلى الحزن، ومن الحكمة إلى الحب، ومن الخصومة إلى الكرم والمديح، ومن الوصف إلى السفر، ثم إلى الطرفة والمفارقة.

وفي كل باب نجد الإنسان في موقف مختلف.

سنراه قويًا وضعيفًا، كريمًا وبخيلًا، وفيًّا وغادرًا، ثابتًا وفارًّا.

وسنجد أنفسنا أمام عالم من المتقابلات: الكرم في مواجهة البخل، والشجاعة في مواجهة الجبن، والوفاء في مواجهة الغدر، والعفة في مواجهة الخسة، والحياة في مواجهة الموت، والذل في مواجهة المجد، والفرار في مواجهة الثبات، والعار في مواجهة الكرامة.

وهذه المتقابلات تكشف جانبًا مهمًا من القيم التي تتحرك داخل الشعر العربي.

والغاية ليست أن نصل إلى الصفحة الأخيرة فقط، بل أن نقرأ ما اختاره أبو تمام من عيون الشعر العربي، وأن نفهمه من خلال شرح المرزوقي، وأن نكتشف لماذا بقيت بعض الأبيات حية في الذاكرة بعد قرون طويلة.

87 ساعة في صُحبة أبي تمام وحماسته.

شاهد أيضاً

أحمد حلس : المرأة الفلسطينية حارسة الحلم الوطني وشريكة النهوض

أحمد حلس : المرأة الفلسطينية حارسة الحلم الوطني وشريكة النهوض

شفا – أكد عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، مفوض عام التعبئة والتنظيم بالأقاليم الجنوبية، أحمد …