10:41 صباحًا / 8 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

أزمة الثقافة السطحية الأفقية: حين تنتصر سرعة المعلومة على عمق المعرفة ، بقلم : د. عمر السلخي

عمر السلخي

أزمة الثقافة السطحية الأفقية: حين تنتصر سرعة المعلومة على عمق المعرفة ، بقلم : د. عمر السلخي


من وفرة المعلومات إلى فقر المعرفة

لم تعد مشكلة الإنسان المعاصر في الوصول إلى المعلومات؛ فالمعلومة أصبحت أقرب إليه من أي وقت مضى. بضغطة زر يستطيع أن يعرف ماذا حدث، ومن قال ماذا، وماذا يتداول الناس.

لكن المفارقة أن وفرة المعلومات لم تنتج بالضرورة وفرة في المعرفة.

لقد أصبحنا نعيش في زمن يعرف فيه الإنسان أشياء كثيرة، لكنه لا يمتلك بالضرورة القدرة على فهمها أو تحليلها أو وضعها في سياقها الصحيح. نقرأ العنوان ونترك التفاصيل، نشاهد المقطع القصير ونصدر الحكم، ونشارك الخبر قبل أن نسأل: هل هو صحيح؟

وهنا تبدأ أزمة الثقافة السطحية.

الثقافة الأفقية: معرفة تمتد ولا تتعمق

الثقافة السطحية الأفقية هي ثقافة تتحرك بسرعة في جميع الاتجاهات، لكنها لا تنزل إلى العمق.

نعرف شيئًا عن السياسة، وشيئًا عن الاقتصاد، وشيئًا عن الإدارة، وشيئًا عن التاريخ، وشيئًا عن القانون، لكن القليل منا يتوقف عند سؤال بسيط: ماذا نفهم فعلًا؟

المشكلة ليست في تعدد الاهتمامات، بل في تحويل المعرفة إلى مجموعة من الانطباعات المتفرقة، بحيث يصبح الإنسان قادرًا على الحديث في كل شيء، دون أن يكون متخصصًا أو عميقًا في شيء.

وهكذا تتحول الثقافة من وسيلة لفهم الواقع إلى وسيلة لإظهار الذات.

عندما يصبح الرأي مساويًا للمعرفة

أخطر نتائج الثقافة السطحية أنها ألغت، في أذهان البعض، الفارق بين الرأي والخبرة.

لم يعد من الغريب أن يناقش شخص قضية اقتصادية معقدة كما لو كان خبيرًا اقتصاديًا، أو يقدم حكمًا قانونيًا دون معرفة بالقانون، أو يقيّم أداء مؤسسة دون أن يعرف كيف تعمل.

الرأي حق للجميع، لكن المعرفة ليست حقًا يُكتسب بمجرد امتلاك منصة للحديث.

ومن هنا يجب أن نعيد الاعتبار إلى التخصص، والخبرة، والبحث، والقراءة، والتجربة، والقدرة على تقديم الدليل.

وسائل التواصل الاجتماعي وتسطيح الوعي

ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تغيير طريقة إنتاج المعرفة وتلقيها.

فالمحتوى الأكثر انتشارًا ليس بالضرورة الأكثر عمقًا، والعنوان الأكثر إثارة ليس بالضرورة الأكثر صدقًا، والشخص الأكثر ظهورًا ليس بالضرورة الأكثر كفاءة.

أصبحت الخوارزميات تكافئ السرعة والإثارة والاختصار، بينما يحتاج التفكير العميق إلى وقت وهدوء وتأمل.

وهنا تظهر مفارقة العصر:

كلما زادت قدرتنا على الوصول إلى المعرفة، زادت حاجتنا إلى القدرة على التمييز بينها.

في السياسة: حين يصبح الانطباع بديلًا عن البرنامج

تظهر أزمة الثقافة السطحية بصورة أكثر خطورة في المجال السياسي.

فالسياسة ليست صورة، ولا منشورًا، ولا جملة رنانة، ولا عددًا من المتابعين.

السياسة معرفة بالمجتمع، وفهم لموازين القوى، وقدرة على قراءة الواقع، وامتلاك رؤية، وتحويل الرؤية إلى سياسات وبرامج وقرارات.

لكن الثقافة السطحية قد تدفع الجمهور إلى تقييم الشخص من خلال حضوره الإعلامي بدلًا من سجله، ومن خلال قدرته على الكلام بدلًا من قدرته على الإنجاز.

وهنا لا تعود المشكلة في السياسي وحده، بل في البيئة الثقافية التي تنتج معيارًا خاطئًا لاختيار السياسي.

أزمة المعايير قبل أن تكون أزمة الأشخاص

ربما نخطئ عندما نبحث دائمًا عن مشكلة الأشخاص، وننسى مشكلة المعايير.

حين يصبح معيار النجاح هو الشهرة، سننتج مشهورين.

وحين يصبح معيار الاختيار هو الولاء فقط، سننتج موالين.

وحين يصبح معيار التقييم هو القدرة على الكلام، سننتج خطباء.

أما حين يصبح المعيار هو الكفاءة، والنزاهة، والخبرة، والقدرة على الإنجاز، والاقتراب من الناس، فإننا نبدأ بإنتاج قيادات مختلفة.

لذلك فإن إصلاح الحياة العامة يبدأ من إصلاح معايير الحكم على الأشخاص.

من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة السؤال

الثقافة الحقيقية لا تعني أن نحفظ أكثر، بل أن نسأل أفضل.

أن نسأل:

لماذا حدث ذلك؟

ما أسبابه؟

من المستفيد؟

ما البدائل؟

ما الأدلة؟

ما النتائج؟

وماذا يمكن أن نفعل؟

هذه الأسئلة هي التي تنقل الإنسان من مستهلك للمعلومات إلى صانع للوعي.

فلسطين تحتاج إلى ثقافة أعمق

في الحالة الفلسطينية، نحن أمام واقع شديد التعقيد؛ احتلال واستيطان، اقتصاد مأزوم، تحديات سياسية واجتماعية، ومؤسسات تحتاج إلى التطوير، وأجيال جديدة تبحث عن فرص ومستقبل.

ولا يمكن مواجهة هذه التحديات بعقلية سطحية.

نحتاج إلى ثقافة تستطيع أن تجمع بين الوطنية والمعرفة، وبين الموقف والكفاءة، وبين الهوية والقدرة على التفكير النقدي.

فالوطنية وحدها لا تكفي إذا لم تتحول إلى عمل، والكفاءة وحدها لا تكفي إذا انفصلت عن المسؤولية الوطنية.

المعركة الحقيقية: معركة الوعي

المعركة اليوم ليست فقط على الأرض أو في السياسة أو في الاقتصاد؛ إنها أيضًا معركة على الوعي.

ومن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع أن يفقد القدرة على التمييز بين الحقيقة والانطباع، وبين الإنجاز والاستعراض، وبين القيادة والشهرة.

إن مواجهة الثقافة السطحية لا تعني احتقار الناس أو مصادرة آرائهم، بل تعني رفع مستوى النقاش العام، وتشجيع القراءة، واحترام التخصص، وتعزيز التفكير النقدي، ومحاسبة الأفكار قبل الأشخاص.

من الثقافة الأفقية إلى الوعي العميق

لسنا بحاجة إلى مجتمع يعرف أقل، بل إلى مجتمع يفهم أكثر.

ولا نحتاج إلى إلغاء سرعة التواصل، وإنما إلى إضافة العمق إليها.

فالسرعة مهمة، لكن البصيرة أهم.

والشهرة قد تصنع حضورًا، لكن الكفاءة تصنع أثرًا.

والكلام قد يجذب الانتباه، لكن الإنجاز هو الذي يصنع الثقة.

وفي النهاية، قد يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا:

هل نريد أن نكون مجتمعًا يستهلك المعلومات… أم مجتمعًا يصنع المعرفة ويحوّلها إلى وعي وقرار؟

فالمستقبل لن يكون لمن يعرف أكثر فقط، بل لمن يفهم أعمق، ويسأل أفضل، ويقرر بوعي، ويعمل بقدرة.

شاهد أيضاً

الاحتلال يعتقل 22 مواطنًا ويحتجز العشرات خلال اقتحامه عدة مناطق في محافظة الخليل

شفا – اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الخميس، 22 مواطنا، واحتجزت العشرات خلال اقتحامها عدة …