
قراءة في قصيدة “سيأتي طائر الرَّعد” للشاعرة ماجدة الريماوي
استخدمت فيها أساليب بلاغية حوَّلت اللغة العادية
إلى لغة شعرية إبداعية تثير العاطفة والخيال، كما جعلت من الطائر رمزا للخلاص
بقلم الكاتب: نصير أحمد الريماوي
عندما أريد الكتابة عن ديوان أو قصيدة، أحاول دائما قدر الإمكان، فهم الأبعاد الإبداعية، وكشف القيم الجمالية، وفهم طبيعة ونوعية لغتها مع محاولة فك رموزها. أثناء متابعتي لشعراء وأدباء بلدتي “بيت ريما”، اخترت لكم هذه المرة، قصيدة بعنوان” سيأتي طائر الرّعد” للشاعرة ماجدة الريماوي. المنشورة في “جريدة الصباح الفلسطينية” الإلكترونية، وفي موقع “الثقافة مقاومة” الإلكتروني بتاريخ 30/9/2026م، وهي قصيدة لافتة للإنتباه، ومثيرة بمضامينها.
تدور فكرتها المحورية حول الصمود والمقاومة الفلسطينية، والتمسك بالأرض في وجه الاحتلال، مع اليقين الحتمي بالنصر، آجلا أم عاجلا، وزوال الظلم عن شعبنا الفلسطيني.فهي تقول فيها:
سيأتي طائر الرعد
بيد أغلق أبواب جراحي
ويد أحمي بها ارضي وساحي
خنجر المحتل يدمي اضلعي
وعلى وجهي أخاديد الكفاح
جبهتي أغرسها، اغرسها
بالورود الحمر، زهرات الأقاح
شرف أكبر أن أبقى هنا
أتحدى الهول مشدود الجناح
وأكيل الصاع صاعين لكم
أرفع الرايات من نزف جراحي
كلما زدتم بظلمي إنما
أنا اشتد وتذروكم رياحي
إنني الخنجر في أعينكم
هب للحرية الحمراء صاح
وأنا الصبار في أرواحكم
أتحداكم ولن يخبو كفاحي
شرف أكبر أن أبقى هنا
مبدئي يعلو ويعلوه سلاحي
فأنا ابن القدس هذا اسمها
مذ وطئت الكون نقش فوق راحي
وأنا ابن الشعب صخر صامد
غضبي القادم ريحاً بلقاح
هذه أرضي وهذا وطني
من حجار الدار للكرم المباح
“تتحدى زهرتي دبابة
فاسحقوها تزدهر كل بطاحي
كل طفل في بلادي بطل
يزرع الأرض كفاحاً في كفاح
طائر الرعد سيأتي في غد
من عيون الشرق يأتي بالرياح
وجيوش زاحفات جندها
تدحر العدوان من ساح لساح
ينتهي العدوان غيماً عابراً
وأنا أبقى وحبي وكفاحي
وعناقيد الدوالي تبقى أبداً
تاج أطفالي ستبقى بالرماح
فخطى شعبي دوماً ترتقي
سلم المجد إلى عين الصباح
أبدأ أولا بدلالة العنوان، لقد لجأت شاعرتنا إلى استخدام الرَّمزية أثناء اختيارها المُوفَّق لعنوان القصيدة “طائر الرَّعد”، وجعلت طائر الرعد في النص يُمثل رمزاً للخلاص، والعاصفة القادمة، والتغيير الجذري الذي سيقتلع الغاصب. وهو مرتبط بـ “عيون الشرق” و”الرياح”، مما يعكس طابع الأمل العروبي أو الإنساني المتوقع لنصرة الحق. كما يتجلى الإنتماء و الهوية بوضوح من خلال الارتباط المقدسي والوطني عندما تقول: “فأنا ابن القدس”، “ابن الشعب”، “أرضي وهذا وطني”.
من الملاحظ في القصيدة أن امتزاج كل من: التشبيه، والكناية، والرمز فيها، يمنحها الخلود والتأثير؛ فهي الأدوات التي نقلت النص من مجرد “كلام مقفى” إلى تجربة إنسانية حية وجذَّابة، تعيش في وجدان القارئ وتتحرك في خياله. هنا تبرز مدى براعة الشاعرة وقدرتها الثقافية في اختيار صورها البيانية( الجمالية) في النص.
للتدليل على ذلك، تقول في القصيدة:”وأنا الصبار في أرواحكم أتحداكم”: تشبيه بليغ يعكس صلابة الشاعرة وشعبها، وتحويل الصبار إلى رُعب يؤلم المحتل من الداخل.
وتكمل “أغرسها بالورود الحمر، زهرات الأقاح”، هذه الصورة تنم عن الأمل والحياة التي تنبت من رحم المعاناة والدماء. و”غضبي القادم ريحاً بلقاح”، وهي استعارة مكنية تجسد الغضب كقوة طبيعية خصبة ومؤثرة، وهذا هو الذكاء التعبيري والإيحاء بحد ذاته.
إضافة إلى ذلك، استخدمت الرمزية الطبيعية، مثل:الصبار، الورود الحمر، الرياح، عناقيد الدوالي، حجار الدار، فهي من عناصر الطبيعة، وذلك بهدف تعزيز الارتباط العضوي بالأرض الفلسطينية وإثبات التجذُّر. إن الرمزية في قصيدة”سيأتي طائر الرَّعد” جاءت لتكثيف المعنى، إضافة إلى فتح المجال أمام تعدد التأويلات بجعل القصيدة نصاً مفتوحاً، وقابلاً للقراءة بأكثر من طريقة.
لا أغالي إذا قلت: إن الأهمية الكبرى في استخدام التشبيه، والكناية، والرمز في القصيدة يكمن في قدرة الشاعرة على تحويل اللغة العادية إلى لغة شعرية إبداعية تثير العاطفة والخيال، وهذه الأساليب البلاغية (أو الصور الفنية) لا تُستخدم لمجرد الزينة اللفظية، بل هي أدوات جوهرية تبني بها الشاعرة العمق التجريبي والشعوري.
من المعروف منذ القِدم، أن اللجوء إلى توظيف التشبيه في الشِّعر، يُعد من أقدم وأقوى وسائل التصوير الشعري، وتكمن أهميته في، تقريب الصور الذهنية ليجعل المعنى الغامض أو البعيد قريباً ومفهوماً للمتلقي، ولإثارة عنصرالتشويق والمفاجأة.
لقد اعتمدت القصيدة على الشعر الحر أو التفعيلة ، مع تنوع في الأطوال والقوافي الجزئية، وهو قالب ملائم للنبرة الحماسية والثورية التي تتطلب تدفقاً شعورياً غير مقيد بقافية واحدة صارمة. وهذا ليس غريبا على شاعرتنا الحاصلة على درجة البكالويوس في اللغة العربية وآدابها من جامعة بيرزيت في عام 2015م، وامتهنت التعليم في العديد من مدارس محافظة رام الله والبيرة وما زالت على رأس عملها، وتكتب الشعر العمودي والشعر الحر (التفعيلة). وكما أعلمتني الشاعرة نفسها، بأن لديها الآن من الإبداعات (20) ديوانا شعريا للنشر، لكن بسبب الظروف الاقتصادية المتردية في وطننا الحبيب فلسطين تأخر اصدارها ، وهي عبارة عن مخطوطات جاهزة للنشر في حال توفر من يتبناها من دور النشر.
أثناء قراءتي للقصيدة، تذوَّقت إيقاعها الداخلي النابع من التناغم الصوتي، ومن داخل الألفاظ والتراكيب والأفكار وتكرار كلمات الصمود والمواجهة مثل: “أكُيل الصاع صاعين، كفاح، أتحداكم، أبقى”، وتوظيف الحروف القوية مثل: الخاء، الحاء، الصاد، الطاء التي تلائم أجواء التحدي والصلابة.
أما فيما يتعلق بالسمات الأسلوبية واللغوية في القصيدة، فقدغلبت الألفاظ ذات الشحنة العاطفية والقتالية العالية، مثل: جراحي، خنجر، المحتل، الهول، ظلمي، دبابة، العدوان، الرماح، الموازنة بكلمات النور والحياة (الورود، المجد، الصباح، عناقيد الدوالي).
من اللافت للانتباه، أن الشاعرة استخدمت في شعرها أسلوب التحدي والمواجهة من خلال اللجوء إلى الضمائر القوية:”أنا، نحن، كم” المخاطب للمحتل، لخلق صراع مباشر وثنائية حادة بين الضحية الصامدة والجلاد الزائل.
ثم اختتمت القصيدة بدلالة تاريخية للنص و برؤية تفاؤلية ملؤها اليقين، بأن العدوان مهما طال فهو “غيماً عابراً”، بينما البقاء للأرض وأصحابها، لتتوج الصورة بـ “سلم المجد إلى عين الصباح”، وهو ما يمنح النص أبعاداً نضالية خالدة تلخص فلسفة البقاء والمقاومة..
من الجدير ذكره، أن شاعرتنا هي عضو في اتحاد الكتاب الفلسطيني، واتحاد الكتاب والأدباء العرب، و شاركت في العديد من الأمسيات الشعريه والثقافيه داخل الوطن وخارجه، منها :أمسية شعرية في دار دار الثقافة والعلوم في بيت لحم عام ٢٠١٣، حيث شارك فيها العديد من الشعراء وتم خلالها توقيع ديوانها الأول “حديث الليل” الصادر عن “دار الجندي” عام 2013م، وأمسية بعنوان “وصل القصيد” – رام الله عام 2013 ، أقيمت في حديقة (القيقب)، كواحدة من المبادرات الثقافية التي جمعت بين الكلمة والفضاء المفتوح، واحتفت بجمال الشعر الفلسطيني وتنوعه، وأمسية شعريه في ذكرى الراحلين الشاعرين الكبيرين فدوى وابراهيم طوقان التي اقيمت في مكتبة بلدية نابلس بتاريخ ٤/٩/٢١٣، وامسية شعرية بعنوان رحل “زياد” وشجر الزيتون باق، في الذكرى الأربعين لرحيل زياد أبو عين، وقد نُظمت في فندق “الجراند بارك” في رام الله بتاريخ ٤/١/٢٠١٥، أمسية شعريه بعنوان “كلنا غزة” وخصص ريع الأمسيه لدعم أهلنا في غزة، وأقيمت في منتدى شباك في رام الله عام ٢٠١٤ ، وأمسية شعريه بعنوان “عصفورة الشَّمس” في ذكرى الأربعين لرحيل الفنانة “ريم بنا” في قاعة مدرسة الفرندز في رام الله عام ٢٠١٨، حيث استذكرت فيها سيرة الفنانة الراحلة ريم بنا، التي شكّلت بصوتها وإبداعها رمزًا للمقاومة والجمال الفلسطيني.تخللت الأمسية كلمات وقصائد وعروض فنية، عبّرت عن الوفاء لروح ريم التي بقيت حاضرة في الوجدان الفلسطيني.
كما شاركت في مسابقة ملتقى أدباء فلسطين للشعر الفصيح عام ٢٠١٥ والحصول على جائزة سميح القاسم للإبداع الأدبي برعاية الدكتوره نعيمه عبد اللطيف القاسم . و في مهرجان مراكش للشعر الدولي في دورته الأولى المفرب العربي عام ٢٠١٤ .وتم تكريمها من قبل دار الثقافه وجامعة “القرويين” في مراكش .

شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.