10:14 صباحًا / 26 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

لو عاش سعد صايل… هل كان الانشقاق سيحدث وهل كانت الطريق إلى أوسلو ستُعبَّد؟ بقلم: أحمد سليمان

لو عاش سعد صايل… هل كان الانشقاق سيحدث وهل كانت الطريق إلى أوسلو ستُعبَّد؟ بقلم: أحمد سليمان

حين اغتيل سعد صايل «أبو الوليد» في أيلول عام 1982 لم تفقد حركة فتح قائدًا عسكريًا بارزًا فحسب بل فقدت في واحدة من أخطر مراحل تاريخها رجلًا جمع بين الخبرة العسكرية والموقع السياسي والحضور داخل دائرة القرار.


جاء اغتياله بعد الخروج الفلسطيني من بيروت وقبل أشهر من الانشقاق الذي ضرب فتح عام 1983. وهذا التقارب الزمني لا يثبت وجود علاقة سببية بين الحدثين ولا يسمح بالقول إن بقاء سعد صايل كان سيمنع الانشقاق. لكنه يفتح بابًا مشروعًا لقراءة أثر غياب أحد أبرز القادة العسكريين في مرحلة كانت فيها الحركة تعيد بناء مؤسساتها بعد بيروت.


فالخروج من بيروت لم يكن مجرد انتقال للقوات الفلسطينية. لقد جاء في إطار ترتيبات قادها المبعوث الأميركي فيليب حبيب رافقتها تعهدات وضمانات تتعلق بخروج القوات الفلسطينية وأمن المدنيين الفلسطينيين الذين بقوا في لبنان.
خرجت منظمة التحرير وتوزعت قيادتها وقواتها على أكثر من دولة. ثم جاءت مجزرة صبرا وشاتيلا لتطرح أسئلة قاسية حول تلك الضمانات وحول الواقع الجديد الذي واجهه الفلسطينيون بعد فقدان مركز ثقلهم العسكري في لبنان.


وفي قلب هذه المرحلة اغتيل سعد صايل.
لم تكن خسارته مجرد غياب قائد ميداني. فقد كان عضوًا في اللجنة المركزية لحركة فتح وأحد أبرز القادة الذين جمعوا بين المؤسسة العسكرية والموقع السياسي في لحظة كانت الحركة تعيد فيها ترتيب قواتها ومؤسساتها.
وبعد أشهر انفجرت أزمة عام 1983 بقيادة المرحوم سعيد مراغة «أبو موسى».
لم يكن الانشقاق خلافًا تنظيميًا محدودًا. فقد تداخلت فيه عوامل تنظيمية وسياسية وعسكرية وإقليمية وتحول إلى مواجهة وقعت في وقت كانت فيه فتح تحاول التعامل مع نتائج الخروج من بيروت وإعادة تنظيم قواتها.
كما جاءت الأزمة في سياق صراع أوسع حول منظمة التحرير وعلاقاتها الإقليمية ومساحة القرار الوطني الفلسطيني المستقل.
وهنا يمكن طرح السؤال عن سعد صايل بحذر.


فلو بقي أبو الوليد حاضرًا لكان بحكم موقعه العسكري وعضويته في اللجنة المركزية أحد القادة الموجودين في قلب الأزمة. وربما كان لوجوده أثر في موازينها أو في طريقة التعامل معها. لكن الانتقال من هذا الاحتمال إلى القول إنه كان سيمنع الانشقاق يبقى افتراضًا لا يمكن إثباته تاريخيًا.
المؤكد فقط أن فتح دخلت أزمة 1983 بعد أن فقدت أحد أبرز قادتها العسكريين والسياسيين في مرحلة شديدة الحساسية.
ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند فتح بل امتدت إلى منظمة التحرير ووحدة مؤسساتها وعلاقاتها الفلسطينية والعربية.
وهنا تبرز أهمية الدورة السابعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في عمّان عام 1984.
فانعقاد المجلس جاء في مرحلة سعت فيها قيادة منظمة التحرير إلى تثبيت مؤسساتها وشرعيتها بعد الانقسام والضغوط التي رافقته. وأعيد تشكيل اللجنة التنفيذية واستمرت المنظمة في ممارسة دورها السياسي والتمثيلي.
لكن الحفاظ على المؤسسة لم يكن يعني العودة إلى الظروف العسكرية والسياسية التي كانت قائمة قبل عام 1982.
ومن هنا يمكن الانتقال إلى أوسلو ولكن بحذر أكبر.
لا توجد علاقة سببية مباشرة يمكن إثباتها بين انشقاق 1983 واتفاق أوسلو بعد عشر سنوات. فقد فصل بينهما عقد كامل شهد أحداثًا ربما كانت أكثر تأثيرًا بصورة مباشرة في الخيارات الفلسطينية اللاحقة.


جاءت الانتفاضة الأولى وغيرت موقع القضية الفلسطينية سياسيًا وشعبيًا. ثم جاءت حرب الخليج وما رافقها من تحولات في العلاقات العربية والدعم السياسي والمالي لمنظمة التحرير. كما تغير النظام الدولي مع نهاية الحرب الباردة وجاء مؤتمر مدريد ثم المفاوضات السرية في أوسلو.
لذلك لا يمكن تفسير أوسلو بالانشقاق ولا بالخروج من بيروت ولا بأي حدث منفرد.
لكن يمكن النظر إلى انشقاق 1983 باعتباره واحدة من محطات مرحلة طويلة تغير خلالها موقع منظمة التحرير وبيئتها العسكرية والسياسية والإقليمية.
فبيروت مثلت تحولًا في الوجود العسكري الفلسطيني في لبنان.
واغتيال سعد صايل جاء في لحظة إعادة تنظيم القوات.
والانشقاق شكل أزمة داخلية كبيرة.
ومؤتمر عمّان كان محطة في إعادة تثبيت المؤسسة.


والانتفاضة الأولى أعادت مركز الثقل إلى الداخل الفلسطيني.
ثم جاءت حرب الخليج ومدريد والتحولات الدولية لتضع منظمة التحرير أمام ظروف مختلفة في بداية التسعينيات.
وعندما وصلت منظمة التحرير إلى أوسلو كانت تعمل في واقع يختلف جذريًا عن واقعها قبل عام 1982.
ومن هنا فإن الصلة بين الانشقاق وأوسلو ينبغي ألا تُقرأ كخط مستقيم أو كنتيجة حتمية بل كجزء من سياق تاريخي تراكمت داخله تحولات عديدة قبل الوصول إلى المفاوضات.
ومن هذه الزاوية يصبح غياب سعد صايل جزءًا من السؤال التاريخي لا جوابًا عليه. فقد رحل في بداية مرحلة تغيرت خلالها بنية القوة الفلسطينية ومراكزها وتحالفاتها وخياراتها.


وهنا يعود السؤال الذي يحمله عنوان المقال:


لو عاش سعد صايل… هل كان الانشقاق سيحدث وهل كانت الطريق إلى أوسلو ستُعبَّد؟
لا يملك التاريخ جوابًا قاطعًا ولا تسمح الوقائع بإسناد المسارات الكبرى إلى غياب رجل واحد مهما كان وزنه. لكن السؤال يبقى مشروعًا لفهم أهمية اللحظة التي غاب فيها سعد صايل وما أعقبها من تحولات داخل فتح ومنظمة التحرير.


وبعد أربعة وأربعين عامًا على استشهاده يبقى «أبو الوليد» حاضرًا في ذاكرة مرحلة مفصلية من تاريخ الثورة الفلسطينية وفي أسئلة تاريخية لا تزال قابلة للنقاش والبحث.
في الذكرى الرابعة والأربعين لاستشهاده الرحمة للقائد سعد صايل «أبو الوليد» ولشهداء فلسطين جميعًا والوفاء لمن حملوا القضية ودفعوا حياتهم من أجل حرية شعبهم وحقوقه الوطنية.

  • أحمد سليمان – رئيس المركز السويدي الفلسطيني

شاهد أيضاً

الصين والولايات المتحدة تتفقان على إقامة علاقة بناءة تتسم بالاستقرار الاستراتيجي وتقوم على الاحترام والإنصاف والمعاملة بالمثل

الصين والولايات المتحدة تتفقان على إقامة علاقة بناءة تتسم بالاستقرار الاستراتيجي وتقوم على الاحترام والإنصاف والمعاملة بالمثل

شفا – اتفق الرئيس الصيني شي جين بينغ، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على إقامة علاقة …