4:51 مساءً / 24 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

«الناجي الوحيد».. حين تتساقط الأوراق على خريف الحرب ، بقلم : شريف الهركلي

«الناجي الوحيد».. حين تتساقط الأوراق على خريف الحرب ، بقلم : شريف الهركلي

حرثت آلة الحرب المجنونة الأرض الفلسطينية، وهدمت البيوت، واقتلعت الأشجار والإنسان، وتركت خلفها حكايات من الألم: شهداء، وأسرى، ومفقودين، وعائلات مُسحت من السجل المدني، ولم يبقَ منها سوى ناجٍ وحيد يحمل ذاكرة الجميع.

في قاعة بلدية خانيونس، وبين حضور ثلة من الأدباء والشعراء والفنانين الفلسطينيين النازحين، عُرض الفيلم الوثائقي «الناجي الوحيد»، من إخراج المخرج الفلسطيني سعود مهنا، في مشهد يؤكد أن السينما الفلسطينية قادرة على مقاومة النسيان، ومخاطبة العالم العربي والغربي بلغة الصورة والحكاية.

جاء العرض تحت رعاية بلدية خانيونس، وبإشراف المنتدى الأدبي «نبع الإبداع»، وبالتعاون مع ملتقى الفيلم الفلسطيني الذي يرأسه المخرج سعود مهنا.

وافتتح الشاعر نضال بربخ، رئيس المنتدى الأدبي «نبع الإبداع»، فعاليات العرض، مرحبًا بالضيوف، فيما أكد رئيس بلدية خانيونس الدكتور علاء البطة دعم البلدية للمنتدى، مشيرًا إلى أهمية الثقافة والفن في التعبير عن عذابات الشعب الفلسطيني. وفي ختام كلمته، أعلن تكريم المخرج سعود مهنا تقديرًا لجهده، كما أعلن استمرار دعم البلدية للفعاليات الثقافية والفنية، قبل أن يبدأ عرض الفيلم في قاعة البلدية.

أما سعود مهنا، فتحدث عن السينما الفلسطينية التي تعمل في ظروف صعبة وبإمكانات محدودة، لكنها تواصل توثيق ما يعيشه الفلسطينيون وحفظ ذاكرتهم من الضياع.

الفيلم، الذي تبلغ مدته 43 دقيقة، يأخذ المشاهد إلى بين خيام النازحين على شاطئ مواصي خانيونس، حيث يجلس الكهل «أبو أحمد» يصارع ذاكرته. رجل فقد أفراد عائلته، ويحاول أن يزرع حول خيمته، وكأنه يزرع شيئًا من الحياة في أرض أثقلها الموت.

يا لها من قسوة حرب!
ترافق المشاهد موسيقى حزينة، كأنها تعزف على أوتار الجرح الفلسطيني، فيما تتحرك الكاميرا بين الخيام البيضاء التي تبدو في بعض اللقطات كأنها أكفان معلقة بين الأرض والسماء.

الناجي يوشوش البحر، والبحر يصغي إليه.
يحلم بأبنائه، وكأن الحلم أصبح المساحة الوحيدة التي يستطيع فيها أن يلتقي من فقدهم.
وهنا يطرح الفيلم سؤالًا موجعًا: هل تستطيع الأحلام أن تخفف قسوة الفقد؟ وهل يصبح الحلم وطنًا مؤقتًا نلتقي فيه بمن غابوا؟.

في الليل، وعلى ضوء الحطب المشتعل، يناجي أبو أحمد الظلام، وتستعيد النار أمامه وجوه الذين غابوا، كأنها توقظ من رماد الذاكرة حكايات عائلته. يحدّثهم في صمت، ويصرخ في وجه غيابهم، فيما تخبو النار شيئًا فشيئًا، وتبقى الذاكرة مشتعلة.

كانت حياتنا أوراقًا تتساقط واحدةً تلو الأخرى على خريف الحرب؛ ورقةٌ باسم شهيد، وأخرى باسم مفقود، وثالثة باسم بيتٍ اقتُلع من الذاكرة، حتى لم يبقَ من الشجرة إلا ناجٍ وحيد يتشبث بجذعها.

ثم تأتي «ليلى»، الناجية الوحيدة من عائلتها، لتزور أبا أحمد. لا يعرف في البداية أنها تحمل الحكاية ذاتها؛ حكاية الناجي الذي بقي وحده في مواجهة ذاكرة عائلة كاملة.

وحين يكتشف الحقيقة، يأتي المشهد الأكثر تأثيرًا في الفيلم: دموع الأب وحضنه لليلى. لحظة صامتة، لكنها كانت أبلغ من كثير من الكلمات، أبكتني وأبكت عددًا من الحضور، وأكدت قدرة الصورة السينمائية على اختزال مأساة كاملة في مشهد واحد.

«جمعية قدر» التي ظهرت في الفيلم ليست جمعية قائمة على أرض الواقع، كما أوضح سعود مهنا ردًا على سؤال طرحته خلال النقاش، وإنما هي شخصية رمزية تمثل مختلف الجمعيات الفلسطينية التي تعمل في خدمة النازحين.

وهنا تكمن أهمية الفيلم؛ فهو لا يحكي قصة أبي أحمد وليلى فقط، بل يفتح نافذة على مجتمع فلسطيني كامل امتلأت ذاكرته بقصص الناجين والمفقودين، والعائلات التي غابت أسماؤها وبقيت حكاياتها.

السينما هنا ليست ترفًا؛ إنها شكل من أشكال المقاومة الثقافية، ووسيلة لحفظ الذاكرة، وساحة نضالية لها أدواتها الخاصة، مثلما للكلمة والرواية والشعر والفن أدواتها.

ومن هنا جاءت دعوتي إلى إنشاء مدرسة فلسطينية متخصصة في تعليم فنون التمثيل والمسرح والسينما، كي يجد الموهوبون الفلسطينيون طريقهم إلى الشاشة، وتتحول التجارب الفردية إلى صناعة سينمائية فلسطينية أكثر حضورًا وقدرة على إيصال الرواية.

في ختام العرض، أثنى المشاهدون على الفيلم رغم محدودية الإمكانات، وطرحوا ملاحظاتهم بهدف تطوير التجربة والبناء عليها في أعمال فلسطينية قادمة.
بين ليلى وأبي أحمد طابور طويل من الناجين من قسوة الحرب.
تتساقط الأوراق، لكن الذاكرة لا تسقط.
وهنا يبقى السؤال:
هل تنتهي الأفلام بانتهاء الشاشة، أم يبقى السؤال مفتوحًا؟
هل تأتي يومًا نهاية للألم الفلسطيني؟
وهل يعيش الفلسطيني كباقي شعوب العالم، دون أن يكون بقاؤه نفسه قصة نجاة؟
على هذه الأرض، ما يستحق الحياة…
وما يستحق أيضًا أن يُروى.

شاهد أيضاً

"أصوات من أجل الحقوق": مركز إبداع المعلم في ندوة حواریة تناقش أثر الاستيطان على التعليم في جنين

“أصوات من أجل الحقوق”: مركز إبداع المعلم في ندوة حواریة تناقش أثر الاستيطان على التعليم في جنين

شفا – تحت شعار “أصوات من أجل الحقوق”، نظم مركز إبداع المعلم ، لقاءً حواريًا …