
قراءة في كتاب د. مروان إميل طوباسي «فتح التي نحتاجها».. من نقد التجربة إلى صناعة المستقبل، بقلم : بقلم : شريف الهركلي
ليست كل الكتب التي تتناول السياسة محاولة لكتابة التاريخ، ولا كل الصفحات التي تتحدث عن الحركات الوطنية تستعيد الماضي بحثًا عن زمن مضى. بعض الكتب تأتي في لحظة تشبه الوقوف عند مفترق طرق، فلا تسأل فقط: ماذا حدث؟ بل أيضًا: ماذا نريد أن يحدث؟
من هذه الزاوية قرأت كتاب «فتح التي نحتاجها: محطات وأسئلة ورؤية في النقد والتجديد والقيادة نحو صناعة المستقبل» للدكتور مروان إميل طوباسي، والذي يجري حاليًا تجهيزه للطباعة، تمهيدًا لإطلاقه قريبًا في لقاء لإشهار الكتاب. وقد كتب تقديمه الفريق نصر يوسف، رئيس المجلس الاستشاري لحركة «فتح» وعضو لجنتها المركزية الأسبق، في إضافة تعكس أهمية النقاش الذي يفتحه الكتاب من داخل الحركة وتجربتها النضالية في مختلف الساحات.
منذ الصفحات الأولى، يبدو أن المؤلف لا يريد أن يحوّل تاريخ «فتح» إلى منطقة محرّمة على النقد، بل ينطلق من أن الوفاء للتجربة لا يعني حمايتها من المراجعة، وأن الحركة الوطنية لا تحافظ على تاريخها بتقديسه، وإنما بقدرتها على إضافة صفحات جديدة إليه.
ومن هنا يبرز السؤال المركزي الذي يطرحه الكتاب: أي «فتح» نحتاج اليوم؟
السؤال لا يتعلق بالأسماء والمواقع التنظيمية وحدها، وإنما بوظيفة الحركة ودورها في المشروع الوطني التحرري الفلسطيني، وفي طرح قضايا العدالة الاجتماعية والديمقراطية والانتخابات. فالكتاب يربط استنهاض «فتح» بإعادة الاعتبار للنقد والمشاركة والمساءلة، وبالانتقال من الاستقطاب حول الأشخاص والمواقع إلى الانتماء للفكرة والتعددية الفكرية والسياسية في إطار الوحدة.
ومن القضايا اللافتة التي يناقشها الكتاب مسألة القيادة. فالقيادة، في رؤيته، ليست مجرد موقع تنظيمي، وإنما مسؤولية وحضور ومبادرة وقدرة على التأثير وتحمل القرار ونتائجه. ومن هنا يطرح سؤال مشاركة الأجيال الجديدة والكفاءات في صناعة القرار، بدل أن تتحول المواقع التنظيمية إلى غاية في ذاتها.
ولا يتوقف الكتاب عند التنظيم الداخلي، بل يتناول العلاقة بين «فتح» والسلطة والمجتمع ومنظمة التحرير، ويفرّق بين الحركة باعتبارها حركة تحرر وطني، والسلطة باعتبارها مؤسسة لإدارة شؤون الناس، بما يفتح نقاشًا أوسع حول وظيفة الحركة ودورها في المشروع الوطني، وتقديم الحلول للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، ومواجهة التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية.
ومؤلف الكتاب، د. مروان إميل طوباسي، من مواليد القدس عام 1959، وتنحدر أصول عائلته من مدينة يافا التي هُجّر منها أهلها خلال النكبة. وهو كاتب ودبلوماسي فلسطيني، شغل مواقع وطنية ودبلوماسية عدة، من بينها سفير دولة فلسطين لدى اليونان، ومحافظ طوباس والأغوار الشمالية، ووكيل وزارة السياحة والآثار، ويحمل الدكتوراه في العلاقات الدولية والدبلوماسية، كما يشغل عضوية المجلس الاستشاري لحركة «فتح».
ويأتي الكتاب من داخل تجربة سياسية ووطنية امتدت لعقود، ومن خلال تجربة مؤلفه ودوره في الحركة الوطنية منذ دراسته الثانوية، لا بوصفه سردًا لها، بل مساهمة في مراجعتها وفتح النقاش حول تجديد المؤسسات والأدوات والقيادات، وربط استنهاض «فتح» باستنهاض أوسع للحركة الوطنية والمشروع الوطني التحرري الفلسطيني.
ولعل قيمة «فتح التي نحتاجها» تكمن في أنه لا يقدم وصفة جاهزة، بقدر ما يطرح أسئلة تحتاجها الحركة في هذه المرحلة: كيف تتجدد دون أن تفقد بوصلتها؟ وكيف تراجع تجربتها دون أن تتنكر لتاريخها؟ وكيف تعيد الاعتبار للمشاركة والتعددية ودور الأجيال الجديدة؟.
وفي النهاية، أتمنى أن يتحقق حلم د. مروان إميل طوباسي، ومعه حلم الكتاب والمثقفين والصحفيين والناشطين الإعلاميين والفنانين والشعراء والروائيين، في أن تتحول الأفكار من صفحات الكتاب إلى فعل فلسطيني حي؛ وأن يكون هناك «دقّ للخزان التنظيمي» يعيد لحركة «فتح» عافيتها ودورها، ويسهم في إنهاء الانقسام الفتحاوي والفلسطيني، واستعادة الوحدة الوطنية.
فالمطلوب ألا تبقى أحلام المثقفين والكتّاب حبيسة السطور، بل أن تنتقل من بين صفحات الكتب إلى الواقع الفلسطيني؛ لتصبح فكرةً تُناقش، وإرادةً تُمارس، وخطوةً تُسهم في صناعة المستقبل.
فهل يتحول حلم طوباسي ومن معه من بين السطور إلى واقع فلسطيني؟ ذلك ما نأمل أن تجيب عنه الأيام.

شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.