
زهرة قرعوش… الماجدة التي لم تنتهِ حكايتها ، بقلم : د. عمر السلخي
ليست كل النساء الفلسطينيات بطلاتٍ في كتب التاريخ… بعضهن أصبحن تاريخًا لأنهن عشن الألم ولم يسمحْن له أن يهزمهن.
حين نتحدث عن «الماجدات الفلسطينيات»، لا ينبغي أن نبحث فقط عن الأسماء التي تصدرت العناوين، بل عن نساء حملن الوطن في أصعب الظروف، ودفعن من أعمارهن وأسرهن وحياتهن ثمنًا لموقفهن.
ومن بين هذه الأسماء تبرز زهرة قرعوش، ابنة دير بلوط في محافظة سلفيت، الأسيرة الفلسطينية المحررة، التي ارتبط اسمها بتجربة الحركة الوطنية والأسيرات الفلسطينيات.
في ربيع عام 1986، كانت زهرة في التاسعة والعشرين من عمرها، وأمًا لثلاثة أطفال، عندما كُشفت الخلية التي كانت تنتمي إليها وبدأت مرحلة جديدة من حياتها: الاعتقال والسجن.
لم يكن السجن بالنسبة لها مجرد جدران وأبواب حديدية.
كان امتحانًا للإنسان.
وكانت الماجدة الفلسطينية تعرف أن الاحتلال يستطيع أن يصادر الحرية، لكنه لا يستطيع أن يصادر معنى الحرية.
نخرج معا … أو نبقى معا
من أكثر صفحات تجربة زهرة دلالة، موقفها مع مجموعة من الأسيرات الفلسطينيات في مرحلة المفاوضات.
كانت زهرة واحدة من خمس أسيرات حاول الجانب الإسرائيلي استثناءهن من الإفراج، إلى جانب عبير الوحيدي ومي الغصين وعطاف عليان ورولا أبو دحو.
لكن الأسيرات رفضن أن تتحول قضية كل واحدة منهن إلى صفقة منفردة.
كان موقفهن واضحًا: إما الحرية للجميع، أو لا تجزئة لقضية الأسيرات.
وفي النهاية تحقق الإفراج الجماعي عنهن.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات قصة زهرة:
الماجدة لا تقاوم فقط عندما تكون خلف القضبان؛ بل تقاوم أيضًا عندما يُطلب منها أن تتخلى عن غيرها كي تنجو وحدها.
وبعد الأسر… لم تنتهِ الحكاية
الأسر لا ينتهي دائمًا لحظة فتح باب السجن.
هناك حياة كاملة تبدأ بعده.
وفي حالة زهرة قرعوش، استمر حضورها في العمل العام، فظهرت في محافظة سلفيت في ملفات تتصل بالأسرى وعائلات الشهداء والعمل النسوي والمجتمعي. وقد شغلت منصب مديرة مؤسسة أسر الشهداء والجرحى في المحافظة، وشاركت في فعاليات تتعلق بدعم الأسرى وعائلاتهم وتعزيز مشاركة المرأة الفلسطينية.
وهذا ما يجعل سيرتها أبعد من قصة أسيرة محررة.
إنها قصة امرأة خرجت من السجن لتواصل خدمة المجتمع الذي ناضلت من أجله.
واليوم… تعود زهرة إلى الأرض
في مشهد يلخص تاريخًا فلسطينيًا كاملًا، لم تعد المواجهة مع الاحتلال خلف قضبان السجن فقط.
ان ما اقدم عليه المستوطنون من عملية منع زهرة قرعوش ونجلها من الوصول إلى أرضهما الزراعية في المنطقة الشمالية من دير بلوط، بينما كانوا يرعون أبقارهم داخل الأراضي الزراعية التابعة للمواطنين.
هنا تكتمل الصورة.
زهرة التي واجهت السجن بالأمس، تواجه اليوم محاولة اقتلاع الإنسان من أرضه.
تتغير الأدوات، لكن جوهر الصراع واحد:
الأرض… والإنسان… والذاكرة.
الماجدات لا يحتجن إلى تماثيل
ربما لا تحتاج زهرة قرعوش إلى نصب تذكاري.
فالأرض التي عادت إليها بعد عقود تقول ما يكفي.
والأجيال التي تسمع قصتها تستطيع أن تفهم أن المرأة الفلسطينية لم تكن يومًا هامشًا في الرواية الوطنية.
كانت في قلبها.
أسيرة.
وأمًا.
ومناضلة.
وعاملة في الشأن العام.
ومزارعة تتمسك بأرضها.
ولهذا فإن تكريم الماجدات لا يكون فقط بإطلاق أسمائهن على الشوارع والميادين، بل بحفظ قصصهن من النسيان، وتحويل سيرتهن إلى معرفة تتعلم منها الأجيال.
زهرة قرعوش ليست مجرد اسم من الماضي.
إنها تذكير بأن هناك نساءً حملن فلسطين في السجن، ثم حملنها بعد التحرر في العمل والأرض والذاكرة.
وهكذا تصنع الماجدات التاريخ… بصمتٍ أحيانًا، وبثباتٍ دائمًا.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.