
بسملة.. حين يخرج الوطن من قلب طفلة ، بقلم : محمد علوش
ثمة لحظات صغيرة تكاد تمرّ من بين أصابع الأيام، لكنها تترك في الروح أثراً لا يزول، وتلك الطفلة الجميلة، طفلة مريضة اسمها بسملة كانت واحدة من تلك اللحظات، لم تكن تعرف، وهي تواجه ألمها، أن اسمها سيخرج من حدود بيتها الصغير، وأن وجعها سيصبح معروفاً لدى أناس لم تلتقِ بهم، وأن وجوهاً كثيرة ستتجه نحوها بالقلق والدعاء والأمل، ولم تكن تعرف أن طفولتها الهادئة ستوقظ في الآخرين شيئاً يشبه الذاكرة؛ ذاكرة الأبناء، وقلق الأمهات، وخوف الآباء من أن يمسّ الألم من يحبون.
كانت بسملة طفلة فحسب، وربما تكمن قوة الحكاية كلها في هذه الكلمة، طفلة، فكلمة واحدة تكفي أحياناً لإسقاط كل ما راكمناه من مسافات، فلا أحد يسأل الطفل عن موقعه على الخريطة، ولا عن رأيه في السياسة، ولا عن انتمائه، ولا عن اختلافه مع الآخرين، فالطفل يأتي إلى العالم قبل كل هذه التعريفات، عارياً من الأسماء الكبيرة التي نضعها فوق الأشياء، وقريباً من المعنى الأول للحياة، لهذا اقترب الناس من بسملة، فلم تكن بحاجة إلى خطاب كي تلامس قلوبهم؛ كان يكفي أن يعرفوا أنها تتألم، ومن هنا بدأت الحكاية تكبر بهدوء.
اسم صغير يتردد في البيوت، ورسالة تنتقل من شخص إلى آخر، وسؤال يتكرر: كيف أصبحت بسملة؟ هل تحسنت؟ ماذا تحتاج؟ هل وصلت المساعدة؟
شيئاً فشيئاً، لم تعد المسألة تخص عائلة واحدة، صار للطفلة، التي لا تعرف معظم هؤلاء الناس، أهل كثيرون، ففي بلد أنهكته الخسارات، تبدو هذه الصورة شديدة الدلالة، فالفلسطيني الذي خبر الفقد حتى صار جزءاً من ذاكرته، ما زال يحتفظ بقدرته على الخوف على حياة أخرى، وربما كان هذا من أكثر الأشياء إنسانية في الحكاية كلها: أن الألم، بدلاً من أن يغلق القلب، فتحه.
ليس دائماً، وليس عند الجميع، لكن بما يكفي لكي تصبح طفلة واحدة قادرة على تحريك هذا القدر من المشاعر، وهنا لا تعود بسملة مجرد طفلة مريضة، تصبح نافذة صغيرة نرى من خلالها شيئاً من المجتمع الفلسطيني حين يتخفف من صخبه، فنراه في صورته البسيطة: يد تساعد، وأم تدعو، وشخص يسأل، وآخر يتبرع، وطبيب يحاول أن يفعل ما يستطيع، وهي أفعال صغيرة في ظاهرها، لكنها حين تجتمع ترسم مشهداً أكبر من مجموعها، مشهد الناس حين يتذكرون أنهم، قبل أن يكونوا جماعات واتجاهات ومدناً ومخيمات، بشر يتقاسمون الخوف نفسه على طفلة، ولعل أجمل ما في الأمر أن بسملة لم توحّد أحداً بشعار، لقد فعلت ذلك من دون أن تقول شيئاً، فكانت في مكانها، وكان الآخرون هم الذين تحركوا نحوها.
في زمن كثرت فيه الكلمات حتى فقد بعضها معناه، كان للصمت الذي جاءت منه بسملة وقع مختلف، لم تحتج إلى أن تشرح نفسها؛ كان جسدها الصغير يقول ما يكفي، وربما لهذا يبدو التضامن معها أقرب إلى استعادة شيء قديم في الفلسطينيين؛ شيء لم تستطع سنوات القسوة أن تمحوه تماماً.
ذلك الميل الفطري إلى أن يكون للإنسان مكان في حياة الآخرين، فالأم التي سمعت باسم بسملة ربما رأت فيها ابنتها، والأب ربما تخيل وجه طفلته أو طفله في المكان ذاته، والذين لا أبناء لهم ربما رأوا فيها طفولة تستحق أن تكمل طريقها، وهكذا يصبح الآخر، في لحظة معينة، قريباً من دون قرابة، ويصبح الغريب ابناً للقلق نفسه، وتلك هي المسافة التي قطعتها بسملة من دون أن تخطو خطوة واحدة، ومن الجميل أن تظل الحكاية عند هذا الحد، بعيداً عن تحويلها إلى شعار.
يكفي أن نتأمل ما حدث، طفلة واحدة استطاعت أن تستخرج من الناس كل هذا القدر من الحنان، في وقت يبدو فيه العالم أكثر قسوة مما ينبغي، وهذا بحد ذاته معنى، معنى لا يحتاج إلى شرح طويل، فالأوطان لا تظهر دائماً في الخرائط، فأحياناً تظهر في يد تمتد إلى طفلة، وفي صوت يسأل عن صحتها، وفي قلب يتوتر لخبر لم يكن يعنيه بالأمس، وفي فرحة صغيرة حين تأتي بشارة التحسن، وربما لهذا أحب الفلسطينيون بسملة بهذه السرعة، لأنهم رأوا فيها شيئاً منهم، رأوا هشاشتهم وقوتهم معاً، ورأوا أطفالهم الذين كبروا قبل أوانهم، وأمهاتهم اللواتي عرفن الخوف طويلاً، وبيوتاً تعلمت أن تنتظر الأخبار، وحياة لا تزال، رغم كل شيء، تحاول أن تجد لها فسحة من الضوء.
لا أعرف ماذا ستتذكر بسملة من هذه الأيام حين تكبر، ربما ستتذكر المرض، وربما تتذكر وجه أمها، وربما لا تتذكر شيئاً، لكن الذين أحاطوا بها لن ينسوا بسهولة أنهم، في يوم ما، كانوا جزءاً من محاولة إنقاذ طفلة لا يعرفونها، وربما ستبقى هذه هي أجمل جملة في الحكاية كلها: أن الإنسان قد يترك أثره في حياة شخص آخر دون أن يلتقي به، أما فلسطين، التي كثيراً ما نبحث عنها في الأمكنة والأسماء والكتب والتاريخ، فقد ظهرت هنا في مكان أكثر بساطة، ظهرت في قلب الناس، وظهرت في بسملة، وفي كل يد امتدت إليها، وفي كل قلب خاف عليها، وفي ذلك الخيط الخفي الذي جعل طفلة واحدة، في لحظة عابرة من عمر هذا الوطن الطويل، قادرة على أن تذكّرنا بأن بيننا شيئاً لم تفسده الأيام تماماً، شيئاً اسمه: الإنسان.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.