11:32 مساءً / 22 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

غزة.. حين يصبح الركام قاتلا مؤجلا ، بقلم : الإعلامية رانية مرتجى

غزة.. حين يصبح الركام قاتلا مؤجلا ، بقلم : الاعلامية رانية مرتجى

مبانٍ أنهكتها الحرب ولم تسقط، وعائلات احتمت بما تبقى من جدرانها، وخطر لا يحتاج إلى صاروخ كي يحصد الأرواح

في غزة، قد لا يحتاج الموت إلى صاروخ. قد يكفي سقف أنهكته الحرب، أو عمود فقد قدرته على التحمل، أو جدار ظل واقفا بعد الانفجار، قبل أن ينهار فجأة فوق من احتموا به.

خلف الدمار الواسع، تركت الحرب خطرا من نوع آخر: مباني متصدعة، وطرقًا مدمرة، وبنية تحتية منهكة، وأطنانًا من الركام لم تعد مجرد شاهد على ما حدث، بل أصبحت جزءا من الخطر الذي يهدد من بقوا على قيد الحياة.

وفي سبتمبر/أيلول، انهار مبنى سكني متضرر من الحرب في منطقة تل الهوى بمدينة غزة، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. وقال المكتب إن المبنى كان قد بدأ بالتشقق قبل انهياره، في وقت يعيش فيه كثير من السكان داخل مبانٍ متضررة بسبب غياب البدائل السكنية المناسبة.

لم يكن الانهيار مجرد حادث منفصل، بل كشف وجها آخر للحرب: الموت الذي قد ينتظر داخل الجدران نفسها.

مدينة لم يعد فيها البيت يعني الأمان

في الظروف الطبيعية، يكون المنزل آخر ما يلجأ إليه الإنسان عندما يشتد الخطر. أما في غزة، فقد يصبح المنزل نفسه مصدر الخطر.

فالمبنى لا يحتاج إلى أن ينهار بالكامل حتى يصبح مهددا. قد يبقى واقفا، بينما تكون أعمدته أو أسقفه أو أجزاء من هيكله قد تعرضت لأضرار لا يستطيع السكان تقدير خطورتها بأنفسهم.

لكن مغادرته ليست دائما خيارا متاحا.

العائلة التي فقدت منزلها تحتاج إلى مكان آخر، بينما تتقلص المساكن الآمنة تحت وطأة الدمار. ووفقا للأمم المتحدة، لا يزال كثير من السكان يعيشون في مبانٍ غير آمنة لغياب ترتيبات سكن أفضل، في وقت تواجه فيه عمليات الإنقاذ والإصلاح نقصا في الآليات والوقود وقطع الغيار.

وهكذا يجد الناجي نفسه أمام معادلة قاسية: البقاء في مبنى متضرر، أو مغادرته من دون مكان آمن يذهب إليه.

الدمار الذي لا يظهر كله في الصور

صور المباني المنهارة تظهر بوضوح، لكن الصورة لا تكشف دائما المبنى الذي بقي واقفا رغم إصابته، أو السقف الذي يحتاج إلى تدعيم، أو العمود الذي فقد جزءا من قدرته على التحمل.

وهنا يتحول الدمار من مشهد إلى حياة يومية: أسرة تنام تحت سقف لا تعرف مدى سلامته، ووالدان يفكران في كيفية إخراج أطفالهما إذا بدأ المبنى بالانهيار، وعائلة تعرف أن مغادرة المكان قد تعني التشرد.

والركام بدوره ليس نهاية المشكلة. فهو يعيق الحركة وعمليات الإنقاذ، ويحتاج إلى معدات ثقيلة ووقود ومساحات للتجميع والمعالجة.

وفي غزة، تتشابك الأزمات في سلسلة واحدة:

مبنى يحتاج إلى تقييم، والتقييم يحتاج إلى مهندسين ومعدات، والمبنى الخطر يحتاج إلى إخلاء، والإخلاء يحتاج إلى بديل، وإزالة الأنقاض تحتاج إلى آليات ووقود، وإعادة البناء تحتاج إلى مواد وخدمات وبنية تحتية.

كل خطوة تحتاج إلى موارد تعاني غزة من نقصها.

حين يستمر أثر الحرب بعد لحظة الانفجار

الانفجار قد يستمر لحظات، لكن الضرر الذي يتركه في مبنى يمكن أن يبقى لأشهر أو سنوات.

وقد تكون أخطر الأبنية أحيانا ليست تلك التي انهارت بالفعل، وإنما تلك التي لم تنهَر بعد.

فالمبنى الذي يبدو واقفا قد يخفي وراء جدرانه تصدعات لا يراها ساكنوه، وقد يتحول مع مرور الوقت أو تحت تأثير عوامل أخرى إلى خطر يهدد من يعيشون داخله.

وفي غزة، لا تنتهي آثار الحرب بانتهاء الغارة. فالدمار الواسع والاحتياجات الإنسانية ونقص المعدات اللازمة للتعامل مع المباني المتضررة تجعل الخطر ممتدا في الحياة اليومية للمدنيين.

لهذا، لا يمكن أن يبدأ التعافي من إعادة بناء ما سقط فقط، بل من حماية من يعيشون بين ما لم يسقط بعد.

إعادة الإعمار تبدأ بحماية من نجوا

حين تتحدث المؤسسات الدولية عن احتياجات هائلة للتعافي وإعادة الإعمار، فإن الحديث لا يتعلق بالمنازل وحدها. هناك حاجة إلى مساكن مؤقتة وانتقالية، وإزالة الأنقاض، وإعادة بناء الوحدات المدمرة، واستعادة الخدمات الأساسية والبنية التحتية.

لكن قبل الإسمنت والحديد، هناك سؤال أكثر إلحاحا: كيف يمكن منع الدمار الموجود أصلا من حصد مزيد من الأرواح؟

كل مبنى لم يُقيّم يظل سؤالا مفتوحا.

وكل مبنى مهدد بالانهيار يحتاج إلى قرار.

وكل عائلة تقيم داخله تحتاج إلى بديل آمن.

في غزة، لم تعد النجاة تعني فقط الإفلات من القصف. فقد ينجو الإنسان من الانفجار، ثم يجد نفسه أمام سقف متصدع، أو يعيش في مبنى متضرر لأنه لا يملك مكانا آخر.

ولهذا فإن صورة غزة لا تختصرها المباني التي سقطت، بل أيضا تلك التي لم تسقط بعد.

الجدران المتصدعة، والأسقف المرهقة، والأعمدة التي تحمل آثار الحرب، والمباني التي تحتاج إلى تقييم قبل أن تتحول إلى مأساة جديدة.

لم يعد السؤال فقط: كم بيتا دمرته الحرب؟

بل: كم بيتا بقي واقفا، لكنه لم يعد آمنا لمن يسكنه؟

فالحرب قد تترك وراءها ركاما يمكن إزالته، ومدنا يمكن إعادة بنائها، لكن أخطر ما تتركه هو حياة بشرية معلقة تحت سقف قد لا يبقى واقفا حتى الصباح.

في غزة، قد لا يحتاج الموت إلى صاروخ.

أحيانا يكفي بيت أنهكته الحرب.

شاهد أيضاً

بمشاركة أدبية ووطنية: إشهار كتاب "على سرير الكتابة" للأسير المحرر ناصر أبو سرور برام الله

بمشاركة أدبية ووطنية: إشهار كتاب “على سرير الكتابة” للأسير المحرر ناصر أبو سرور برام الله

شفا – أشهرت دار بلدية رام الله، مساء اليوم الثلاثاء، كتاب “على سرير الكتابة” للكاتب …