9:04 مساءً / 22 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

قصة صحفية إنسانية ، دموع الفرح الحزين ، بقلم الكاتب : نصير أحمد الريماوي

قصة صحفية إنسانية

دموع الفرح الحزين


بقلم الكاتب: نصير أحمد الريماوي


الكل ينام، وعيناها تأبى النوم، يساورها القلق .. تفكر تحاول جاهدة لإيجاد مخرج ينقذ أسرتها مما هي فيه.. كانت واعية لمسؤوليتها تجاه اسرتها منذ نعومة اظافرها.. كانت تكبر إخوتها وأخواتها، ولذلك كان احساسها يدفعها للتدخل، وهي الوحيدة التي تقف أمام خلافات والديها لفض النزاع.. لا تعرف ما هو الحل.. فتهرب إلى سطح منزلهم أثناء الليل.. تساهر القمر وهي تبكي وتسأله عن الحلول، فاكتشفت علاقتها مع روحها من خلال مشاركتها في حل المشاكل منذ سن السادسة.. فكان القمر يهمس في قلبها: لا تخافي، أنا معك حتى تجدي النور.. بيتهم يقع في قرية الأمل، وهي قرية صغيرة متواضعة تُزّينها أزهار الليلك..


لقد أثّرت البيئة المحيطة على كيانها، وتشكيل شخصيتها.. عندما كبرت واشتد عودها.. صارت ممشوقة القَدّ.. ملفوفة الخصر.. شقراء المحيا.. يحرسه شعرها الأشقر مع عينين عسليتين يشع منهما نور الأمل مع ابتسامة عذبة لا تفارق وجهها.. تحمل في داخلها ثورة تغيير بيضاء بعدما ضاع أملها في قرية الأمل.


لم تعش طفولتها كباقي الأطفال.. وتلاشت قصصها مع عواصف أحداثها، مما آلمها، وبدأت بوادر ظهور كتابات لها تعكس معاناة واقع حياتها المرير، وهي في سن العاشرة.. وقد أُهملت لقلة التشجيع والتحفيز المطلوبين.. رغم أن داخلها استمر في البحث عن الحلول.. تعلمت الموسيقى في أحد المعاهد الموسيقية لمدة سنتين.. لصقل موهبتها الغنائية.. و صوتها الأوبرالي.. حيث كانت طالبة مدرسة تُحيي كل الحفلات المدرسية في المناسبات.. كانت هي الأب والأم.. تعمل من ناحية، وتهتم وترعى أشقائها وشقيقاتها من ناحية ثانية.. تعبت منذ الطفولة، خُلقت أماً.. وعاشت للجميع.. تحملت المسؤولية منذ صغرها.. كانت نجمة الغناء في المعهد أيضاً.. حاول بعض المخرجين تبني موهبتها إلا أن والدها وقف حائلاً دون ذلك، ومنعها من الذهاب إلى العاصمة.. تركت التعليم.. زُوّجت بضغط من والدها من تاجر يكبرها بـ(18) سنة، فآثرت الهروب من الظلم والانتحار فسافرت معه إلى جزر الكناري وهي في سن العشرين.. كان هذا الزوج يقضى على احلامها الحلم تلو الآخر يوماً بعد يوم.. صارت تجد فروقاً بين التجارة والموسيقى.. هجرته بعد مرور ثمانية شهور.. عاشت وحيدة .. غريبة كالغزالة الطريدة في البراري.. تنتظر الطلاق لمدة أربع سنوات، وهي تواجه أقسى ألوان العذاب، والمخاطر، والألم بين الزنوج.. حوصرت بشبح القلق الذي قضَّ مضاجعها.. يطاردها.. و جعل السهر خليلها الليلي.. لا تنام الليل – حتى في منزلها – خوفاً من اقتحامه من المنحرفين أخلاقيا، ومشاكل الانفصال، والمحامين والقضاة، وهي في عمر الورد..


لقد رفض أهلها هذا الطلاق، وقاطعوها.. رغم ذلك خلعته لعدم إنسانيته.. كان يضطهدها.. وظلت يقظة على طفلتها “ل” من أن يأخذها فوجدت نفسها وحيدة في مجتمع غريب العادات، والناس، وآثرت خوض المعركة لوحدها.. والذئاب من هنا وهناك تحاول نهشها، لكنها وقفت في وجه الجميع..


بعد طلاقها الأول عادت إلى موطنها، ومكثت لمدة سنة.. فلم يرحمها المجتمع.. لأنه يعتبر المطلقة ناقصة وممنوع أن تعيش بلا زواج، والأهل رفضوا حريتها وأفكارها.. ضايقوها.. فتركت كل شيئ وهاجرت إلى الغربة لوحدها في عام 1992 كان هذا حلها الوحيد، لأن المجتمع يحطم المرأة أحياناً، ويدوس عليها إذا وقفت في وجهه..
تحدت.. ودافعت.. لكنها خسرت أهلها ووطنها الأم، ولم تخسر حريتها ومبادئها.. وأصبحت قوية الشخصية كالسنديانة.. علمتها الحياة أن تعيش اللحظة الراهنة ولا تعرف ما في الغيب.. قصة حياتها صقلت: قيمها، ومبادئها، وحكمتها، وموهبتها..


تزوجت من تاجر آخر غني.. انجبت منه “د” و “أ”.. كانت تطمح إلى بناء أسرة متحابة.. ومترابطة، ومستقرة.. كان الزوج الثاني يستعبدها، ويجبرها على العمل تحت سلطتين في آن واحد، سلطته وسلطة والده…. وقضت ثلاث سنوات من العذاب حتى حصلت على طلاقها من زوجها الأخير..


عادت تعيش وحيدة.. تعمل في محل للورد.. تعلمت الرقص الاسباني(التانغو، الصلصة، والسامبو) للترويح عن نفسها، وبذلك جمعت بين الموسيقى، والورد، والرقص عالم الفن والإحساس والجمال لتجعل حياتها بهيجة ولتتغلب على آلامها.. فصارت لا شرقية ولا غربية.. كرهت العادات والتقاليد السلبية عند الطرفين وبقيت تنتظر على الحدود بين مرارة الغربة التي تكويها، والوطن الساكن فيها..


قد يطول هذا الانتظار وينتهي العمر قبل تذوق حلاوة وطعم الحياة، وضياع أحلى مرحلة من عمرها وهي، الشباب، لكنها خسرت أغلى وأعز ما عندها..
كانت تنتظر من يسمعها ويصغي إليها، ويشجعها على الكتابة ويأخذ بيدها، واكتشاف بذرة الإبداع لديها.. حتى كبرت.. في داخلها إبداع أدبي.. كنز ثمين.. روحها تتدفق وتغلي.. تعشق الأدب.. تبحث عنه.. تطارده في كل زاوية.. ظُلمت وهي صغيرة منذ ظهور مواهبها، رحلت عن الديار لتجد ضالتها في الغربة.. بدأت الكتابة .. رأيت فيها الجروح، والعذابات، والصرخات من الواقع الأليم لإخراجها من العزلة.. كانت مفاجأة لها.. رأت كتاباتها تُنشر في وسائل الاعلام.. امتلأت شوقاً، وحرارة للتغيير وللتعبير عما يجول في خاطرها، وفرحاً لنجاحها في ايصال راسئلها للقراء..


لم تعرف كيف تفرح بخطوتها الأولى.. اختلط فرحها مع حزنها وسالت منها دموع الفرح الحزين.. تفجرت طاقاتها الكامنة منذ سنين وهي تبحث عمن يحتضن ابداعاتها وينشرها للنور.. كلما تقدمت إلى الأمام تتدفق في مقلتيها دموع الفرح الحبيسة.. لكنها حُرِرت الآن وتم فك أسرها ، وبدأت مشوار حرية روحها المعذبة وصرخاتها المكبوتة..


أنظر إليها من خلف البحار، والمحيطات، واليابسة، فأرى بريق أمل يشع من عينيها.. وشعاع القمر ينبعث من وجهها وسط الظلام الحالك.. من يناديها من بعيد.. يسمع رجع الصدى الذي يحمل أسراراً دفينة في الأعماق.. ما أجمل حلاوة الانتصار على ألم الذات الذي يقيدها ويحررها من اصفاد العزلة والوحدة!.. وقفت على أطلالها العاثرة ألملمها من أثر وغدر الزمان الذي لم يرحمها.. أضمد جراحها النازفة بالكلمة وأخيطها بالقلم..


لقد لازمها البكاء منذ صغرها حتى الآن، وحرمانها من الطفولة، وإبراز مواهبها، ومن الوطن ولقاء أحبتها، ومن العيش بشكل طبيعي كباقي البشر.


ستحمل الغيوم المارة من هنا في سمائنا إلى هناك كل التشجيع، والدعم- رغم اليابسة، والبحار، والمحيطات، ومثلث برمودا التي تفصلنا وتباعد بين الأوطان- حتى تحيا وتتفتح هذه الزهرة وتزداد اخضراراً، ونضارة، وتنتج ثماراً يانعة تُسر الناظرين.

شاهد أيضاً

الرئيس الصيني شي جين بينغ

شي يرسل رسالة تهنئة إلى النسخة الـ48 من المسابقة العالمية للمهارات

شفا – أرسل الرئيس الصيني شي جين بينغ اليوم الثلاثاء رسالة تهنئة إلى النسخة الـ48 …