11:01 مساءً / 21 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

الصمود الأكاديمي في غزة: عندما يصبح التعليم فعل وجود ، بقلم : ندى العفيفي

الصمود الأكاديمي في غزة: عندما يصبح التعليم فعل وجود ، بقلم : ندى العفيفي

في غزة، لم يكن التعليم يومًا ترفًا، ولا مجرد طريق إلى شهادة أو وظيفة. كان دائمًا فعلًا وجوديًا، وإعلانًا بأن الإنسان قادر على أن يبني عقله حتى حين تُهدَم جدران مدرسته. بعد سنوات الحرب الأخيرة، ودمار المؤسسات التعليمية، لم يعد السؤال التربوي: كيف نستمر في التدريس؟ بل صار: كيف نحمي معنى التعليم نفسه من الاندثار؟ هنا يولد ما يمكن تسميته «الصمود الأكاديمي».

الصمود الأكاديمي ليس مجرد قدرة على التحصيل في ظروف قاسية. إنه أعمق من ذلك: هو إعادة إنتاج المعنى حين تنهار الشروط المادية. تدمير المدرسة والجامعة ليس تدميرًا للحجر فقط، بل محاولة لهدم الذاكرة، وتقطيع خيط المستقبل، وإقناع جيل بأن لا أفق له. لكن الطالب في غزة، حين يفتح كتابًا في خيمة، أو يكتب واجبه على ورقة مبعثرة، أو يستمع لدرس عبر هاتف شبه فارغ الشحن، إنما يقول: أنا هنا. العقل لا يسكن الجدران وحدها؛ يسكن السؤال، والذاكرة، والإرادة.

فلسفيًا، التعليم ممارسة حرية. هكذا قال باولو فريري، لكن غزة تعيد صياغة العبارة: التعليم ممارسة وجود أيضًا. فالحرية تبدأ عندما يرفض الإنسان أن يكون مجرد ضحية تُروى قصتها، ويتحول إلى ذات تتعلم وتُعلّم وتؤرخ. في هذا المعنى، الفصل ليس مكانًا، بل علاقة. والمعلم ليس ناقل معرفة، بل شاهد على الكرامة. والمنهج ليس أوراقًا تُحفظ، بل ذاكرة تُروى، وأسئلة تُطرح، وأمل يُبنى.

للصمود الأكاديمي في غزة أبعاد متشابكة. هناك الصمود المعرفي: الحفاظ على المناهج، وابتكار بدائل تعليمية، وتحويل البيوت والمخيمات إلى صفوف صغيرة. وهناك الصمود النفسي: احتواء الفقد والخوف، وخلق مساحات آمنة داخل التعليم، لأن الطفل الذي فقد بيته أو أهله لا يمكن أن يتعلم إذا كان عقله مشغولًا بالنجاة. وهناك الصمود المجتمعي: لجان الأهالي، والمبادرات التطوعية، والمعلمون الذين يعلّمون بلا رواتب أحيانًا، لأنهم يدركون أن استمرار التعليم أقل من انتصار رمزي على الموت. وأخيرًا، الصمود الأخلاقي: رفض اليأس، والإصرار على أن التعليم حق لا يسقط حتى في الحرب.

لكن الصمود الأكاديمي ليس بطولة فردية. إنه فعل جماعي. لا يستطيع طالب أن يصمد وحده، ولا معلم أن يحمل المنهج والذاكرة والجرح وحده. الصمود الحقيقي يحتاج إلى شبكة أمان: أسرة، ومجتمع، ومؤسسات، وإرادة سياسية، واعتراف عالمي بأن التعليم في مناطق النزاع ليس عملًا خيريًا، بل واجب إنساني. حين يُقتل طالب، وحين تُقصف جامعة، وحين تُحرق مكتبة، فإن الخسارة ليست محلية فقط؛ إنها خسارة للإنسانية كلها.

المعلم في غزة يعيش مفارقة قاسية: يعلّم وهو يبحث عن ماء، ويصحح أوراقًا وهو يحمل اسم شهيد، ويشرح درسًا وصوته يختلط بأصوات الطائرات. والطالب يتعلم وهو يعرف أن الطريق إلى المدرسة قد لا يكون آمنًا. ومع ذلك، يذهب. ليس لأن الحرب انتهت، بل لأن التعليم هو طريقة أخرى لعدم منح الحرب النصر النهائي. كل درس في خيمة، وكل امتحان تحت قصف، وكل كتاب يُحفظ عن ظهر قلب، هو شكل من أشكال المقاومة المعرفية.

لكن علينا أن نحذر: الصمود لا يعني تطبيع الألم. لا ينبغي أن نُجَمّل الحرب ونقول إنها تُنتج عباقرة. الحرب تدمّر، والفقر يقتل، والفقد يجرح. المطلوب ليس تمجيد المعاناة، بل الاعتراف بها، ثم بناء تربية تستوعب الجرح دون أن تكرّسه. تربية تعلّم الطفل أن يحكي، لا أن يختنق. أن يسأل، لا أن يخاف. أن يحلم، لا أن يكتفي بالنجاة.

نحو تربية ما بعد الصدمة، نحتاج تعليمًا للذاكرة والحرية والجمال. الذاكرة كي لا تُسرق القصة. والحرية كي لا يتحول التعليم إلى تلقين. والجمال كي يبقى الإنسان قادرًا على التنفس. الرياضيات ليست أرقامًا فقط؛ إنها استعادة للعقل. واللغة ليست قواعد؛ إنها وطن صغير. والتاريخ ليس ماضيًا؛ إنه شهادة. والعلوم ليست تجارب؛ إنها وعد بأن الغد يمكن أن يكون مختلفًا.

غزة، في سنوات الحرب، قدّمت للعالم درسًا قاسيًا: التعليم ليس ترفًا وقت السلم، بل هو البنية التحتية للكرامة. والصمود الأكاديمي ليس أسطورة، بل خيار أخلاقي يومي. إنه أن تختار المعرفة حين يُختار لك الجهل، وأن تختار الأمل حين يُقدَّم لك اليأس، وأن تختار أن تتعلّم، لا لأن الظروف مناسبة، بل لأن التعليم نفسه هو دليل على أن الإنسان لم يُهزم بعد.

المستقبل لا يبدأ عندما تتوقف الحرب فقط؛ يبدأ في عقل طفل يرفض النسيان، وفي يد معلم يكتب على سبورة مؤقتة، وفي صوت طالب يقول: سأكمل. سأتعلم. سأبقى. لأن غزة، رغم كل شيء، ما زالت تعلّم العالم معنى أن يكون التعليم فعل وجود.

  • ندى العفيفي – غزة

شاهد أيضاً

وانغ يي

وزير الخارجية الصيني يحث الصين وألمانيا على تعزيز التعاون ودعم التجارة الحرة

شفا – قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي اليوم الاثنين إن تعزيز التعاون متبادل المنفعة …