11:01 مساءً / 16 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

هل يعود الريحان الأخضر.. أم تعود معه أرواحنا التي أرهقتها الحرب؟ ، بقلم د. سهى شعت

هل يعود الريحان الأخضر.. أم تعود معه أرواحنا التي أرهقتها الحرب؟ ، بقلم د. سهى شعت

للنباتات ذاكرة تشبه ذاكرة الإنسان؛ بعضها يبقى عالقًا في القلب برائحته ولونه وملمس أوراقه، حتى بعد أن تتغير الأمكنة وتغيب ملامحها. وكان الريحان الأخضر رفيقي قبل الحرب وأثناءها، حاضرًا في حديقتي الصغيرة، يرافق صباحاتي، ويمنحني شيئًا من السكينة وسط أيام لم تكن تعرف الكثير من الهدوء.

كنت أحب أن أقترب من الريحان، أمرّر يدي على أوراقه، وأستنشق رائحته الزكية، ثم أقطف بعض أوراقه وأضعها في كوب الشاي. لم يكن كوب الشاي بالريحان مجرد مشروب؛ كان لحظة هدوء تساعد على تهدئة الأعصاب واستعادة شيء من التوازن النفسي، وهي نعمة كنا نحتاج إليها في زمن الحرب أكثر من أي وقت مضى.

وكان للزهرة حكاية أخرى؛ حين تهبط عليها نحلة، تعانق زهرها وتمتص رحيقها، كنت أشعر أنني أمام لوحة صغيرة من الحياة. زهرة، ونحلة، ورحيق، ورائحة تنعش القلب والروح، وكأن الطبيعة تهمس لنا بأن الحياة لا تزال قادرة على أن تنبت من بين القسوة.

ورَيْحانُنا في الروضِ فاحَ عبيرُهُ
كأنَّ بهِ للقلبِ سرًّا يُداوى.
وفي لحظات الحنين، كانت أغنية فيروز «نسم علينا الهوى» تأخذني بعيدًا، إلى تلك الحديقة الصغيرة، حيث كان الهواء يمرّ بين أوراق الريحان، فتختلط رائحته بالنسمة، ويصبح الصباح أكثر لطفًا. اليوم، حين أسمع الأغنية، لا أسمعها كما كنت أسمعها قبل الحرب؛ أصبحت تحمل إليّ رائحة المكان وذاكرته، وتوقظ في داخلي سؤال العودة.

ثم جاءت الحرب.
حرب مجنونة خطفت أرواحنا، وحطمت قلوبنا، واقتلعت الأشجار، وهدمت البيوت، وغيّرت خارطة المكان. بتنا نعيش بأجساد مثقلة بالهموم، كخيال حقلٍ أنهكه الجفاف، أو دمى محشوة بالقش غابت عنها الروح.
واليوم، أجلس أحيانًا في ما تبقى من بيتي، في شرفة متصدعة تحمل آثار الحرب، وأبحث بعيني عن حديقتي الصغيرة. أشتاق إلى الريحان، إلى أوراقه الخضراء، إلى رائحته، وإلى يدي وهي تمتد إليه دون خوف.

أعدّ كوب الشاي بالريحان، فأجد الرائحة حاضرة، لكن شيئًا ما غاب. كأن الحرب عبرت من بين أوراقه وتركت في الكوب طعمًا من الحزن.

فهل تغيّر الريحان، أم تغيّرنا نحن؟
حتى وجوهنا تغيّرت، نمسح عنها غبار الحرب، فإذا به يعود، وقد غيّر خارطة ملامحنا وتجاعيد وجوهنا التي ما زالت تشتاق إلى الفرح.

ربما لا نشتاق إلى الريحان وحده، بل نشتاق إلى الإنسان الذي كنّاه قبل الحرب؛ إلى حياة كانت تبدو عادية، ثم اكتشفنا بعد فقدانها أنها كانت جنة الله على الأرض.

فهل يعود ريحاننا أخضر؟ وهل تعود معه أيامنا الجميلة؟

ربما لا يعود الماضي كما كان، لكننا نحلم بيوم جديد نزرع فيه الريحان من جديد، وتعود النحلة إلى زهره، ونمسح عن وجوهنا غبار الحرب، ونرتشف الشاي بلا خوف.
يومها فقط، ربما تستعيد الأشياء الصغيرة مذاقها.
وربما يعود الريحان أخضر…
وعندها سنعرف أن السؤال لم يكن: هل يعود الريحان؟
بل: هل تعود معه أرواحنا التي أرهقتها الحرب؟

شاهد أيضاً

اسعار الذهب اليوم

اسعار الذهب اليوم

شفا – جاءت اسعار الذهب اليوم الأربعاء 16 سبتمبر كالتالي :سعر أونصة الذهب عالمياً (Oz) …