
شفا – أنفاسُ الحِبر وعُزلةُ المَعنى: حوارٌ يبحث في الكبرياء والتّيه الصوفي مَع الشاعر بلال إسماعيل
حوار :عطا درغام
في المشهد الأدبي اللبناني المعاصر، يأتي صوت الكاتب والشاعر بلال إسماعيل كحالة وجدانية متفردة، تنسحب بهدوء من صخب المنابر لتقيم في مساحات الصمت والتأمل. نصوصه ليست مجرد ترتيب للألفاظ، بل هي رحلة سيكولوجية عميقة تُفتش في ثنايا الروح، وتنازع الوقت في انتظاره، وتقف بكبرياء حاد أمام جراح الفقد والانكسار. بين كعبة الروح وظلال الأرصفة المتعبة، يغزل أبجديته كخيوط من نور وسط عتمة المساء.
في هذا الحوار الحقيقي، نجلس معه لنسبر أغوار معجمه الشعري، ونفكك طقوس كتابته، ونقف عند حدود الأسئلة الوجودية التي يطرحها قلمُه في محراب الحب والوقت والعزلة:
المحور الأول: الوجدانية الصوفية والحلول العاطفي
1-حين تكتب “هجرت روحي ووضعتها في روحك”، هل هذا نضج في العشق أم هو إعلان هزيمة وتنازل طوعي عن الهوية الفردية؟
حين يبلغ العشق مرتبة (هجرت روحي و وضعتها في روحك)، فهو ليس هزيمة و لا تنازلًا بالمعنى الأرضي للهوية، بل هو ارتقاء كلي و اكتمال لها، الفردية الضيقة سجن، و حين تذوب الروح في روح المحبوب فإنها لا تفنى، بل تتسع لتشمل كونا كاملا، إنه الاتحاد الذي لا يبقي من الإثنين إلا وميضا واحدا لا يهزم،.
2-تنزع في نصوصك نحو تحويل الحبيب إلى “نور مجرد”؛ ألا تخشى أن تجريد الحبيب من ماديته وبشريته وخطاياه يجعله فكرة مستحيلة العيش في واقع ملموس؟
تجريد الحبيب من ماديته ليس هروبًا من الواقع، بل هو حماية له من تآكل الزمن و عابر العيوب البشرية،حقيقة الإنسان ليس طينه الفاني، بل جوهره النوراني الذي يبقى حين تندثر القشور،فحين تحب النور، أنت تحب ما لا يأتيه الفناء، و هذا بنظري يبقى خالدا و دائم في عالم تتهاوى فيه الأشكال.
3-كتبت “عن العشق السرمدي أنطق”.. في عصر تستهلك فيه الشاشات المشاعر بسرعة، كيف تنجو بـ “سرمديتك” من ميكانيكية العلاقات المعاصرة؟
السرمدية لا تقاس بعدد الساعات،بل بكثافة الشعور، ففي عصرنا هذا نرى الشاشات تستهلك كل شيء بعجلة، فيصبح التمسك بالعمق نوع من المقاومة الشريفة، و العشق الحقيقي لا يشبه منشورات العابرين، إنه صخرة في وسط نهر جارف، يختار أن يثبت و يبقى على نقائه مهما اشتدت سرعة التيار
4-عندما تذوب لغات الأرض في عشقك، هل تصبح الكتابة هنا أداة عاجزة، وهل تشعر أحياناً أن حبرك يفسد طهارة الصمت بين روحين؟
لغات الأرض قصيرة، و حين يبلغ العشق ذروته تصبح الكلمات عبئا يثقل كاهل المعنى، و الحبر لا يفسد طهارة الصمت، بل هو محاولة بائسة و جميلة لترجمة ما يعجز الصمت عن حمله لأولئك الذين لم تبلغ أرواحهم درجة الإصغاء المطلق،.
5-في محراب “العين الرمادية” ترسي مراكبك.. ما الذي تمنحه الرمادية لك ككاتب ولا تملكه الألوان الحاسمة كالأسود أو الأبيض؟
الرمادية ليست لون الحياد الباهت، بل هي لون العمق الذي يتسع لكل التناقضات،فيها عزلة الشتاء و هدوء الغسق، و حزن الضباب و سحر البدايات،الأبيض الحاسم فاقع لا يحتمل الظلال، و الأسود مطلق لا يرى النور، أما الرمادية فهي المساحة الوحيدة التي تستطيع أن تضم وجع الكاتب و حنينه دون أن تفشي سره،خاصة إذا كانت عيون حبيبته رمادية.
المحور الثاني: جدلية الوقت والانتظار العبثي
6-وصفت الوقت بأنه “أعمى لا يرى دموع الانتظار”.. إذا كان الوقت لا يرى، فلماذا يتوسل قلمك لعقرب الساعة الخامل أن يتحرك؟ أليس في ذلك نوع من العبثية؟
ليس في توسل العقرب الخامل نوع من العبث،بل هو كان احتجاجي على جمود اللحظة و حين كتبت هذا كان السبب من مشاعر تتدفق داخلي حيث ان حبيبتي كانت بعيدة عني و كانت في وعكة صحية و لم اكن استطع الوصول اليها و مكالمتها فخرجت من داخلي هذه الكلمات في لحظة خوف و ارتياب، فحين يخذلك الوقت و انت لا تعلم عنها اي نبأ،أصبح الحوار هنا مع ساعتي العقيمة هو الطريقة الوحيدة لترويض خوفي و ارتيابي و ما اشعر به، إنه صراع نبض قلبي الذي يركض ملهوفا لخبر عنها، و عقارب الساعة المتحجرة،،
7-الدقيقة عندك تمتد كـ “صحراء”.. كيف يتدبر كاتب يعيش في فيضان المشاعر أوقات الجفاف التي يفرضها هذا البطء الزمني؟
أوقات الجفاف الزمني لا تُقاس بعدد الساعات، بل بصمت الروح، أنا ككاتب لم أهرب من هذا البطء، بل اتخذته صوما اختياريا، فالصحراء على قسوتها، هي المكان الوحيد الذي يمكن سماع صوت دقات القلب به بوضوح تام بعيدًا عن ضجيج العالم.
8-تجلس دائماً على “رصيف الاشتياق”.. ألا تعتقد أن الرصيف مكان للعابرين فقط، بينما أنت حوّلته إلى إقامة دائمة ومستقرة؟
الرصيف مكان للعابرين صحيح، لكنه يتحول إلى وطن حين يكون المكان الوحيد الممكن لإنتظار الآتي،لم أستقر على الرصيف حبا بالتشرد،بل لأن العبور نحو قلب الغائب يعبر حتما من هنا، فصار الرصيف بنظري مكانا مقدس للثبات.
9-بين فنجان قهوة يبرد وأفكار تغلي، ألا تشعر أن مرارة القهوة باتت طقساً مفتعلاً لإشعال الحنين بدلاً من إطفائه؟
مرارة القهوة ليست طقسًا مفتعلًا،بل هي كانت الترجمة الكيميائية للانتظار،حين يبرد الفنجان و تغلي الأفكار،يتماها طعم المرارة مع طعم الغياب،فالقهوة هنا لم تكن مشروبا، بل هي الشاهد الوحيد على اشتعال الروح و برود الوقت،.،
10-حين تسأل “هل يشيخ النداء إذا لم يجده أحد؟”.. ما الذي يموت أولاً في نظر بلال إسماعيل: النداء، أم الشخص الذي أطلق النداء، أم الطرف الذي لم يستمع؟
الذي يموت أولًا هو الطرف الذي لم يستمع، لأن النداء طاقة سرمدية لا تفنى، و صاحب النداء يتجدد في كل مرة يطلق فيها صوته كالعنقاء، أما الذي يصم أذنيه عن النداء، فهو الذي يختار الموت ببطء في عزلة روحه الميتة،.،.
المحور الثالث: ثنائية الكبرياء والانكسار
11-تقول “أنا رجل لا يختم أوراقه بدمعة”.. أليست الدمعة المكتوبة أحياناً هي قمة الصدق، ولماذا تعتبر الدمع خدشاً للكبرياء وليس تحرراً منه؟
الدمعة ليست خدشا للكبرياء، إن كانت في خلوة، لكن كتابتها علنًا هي كأنها نوع من نزع جلدنا أمام العامة، الكبرياء في النص الأدبي ليس صمتا أعمى، بل هو القدرة على حراسة الوجع، و ألا يُرى مكسورا إلا على ورقة طاهرة تليق بمن نفقدهم،.،.
12-ما معنى أن تملك “ثباتاً مستعاراً”؟ ألا يشعرك هذا القناع بالإنهاك التام وأنت ترمم خراباً داخلياً لا يراه أحد؟
الثبات المستعار هو مثل درع نحمله لكي لا نشفق على أنفسنا أمام عيون لا تدرك معنى الخراب في داخلنا، نعم هو مرهق، لكنه أهون ألف مرة من منح العالم فرصة لرؤية هشاشتنا التي تستند إلى أضلاع متعبة،.،
13-كتبت: “أشتهي كتابة لا تقرأني”.. إذا كانت الأقلام تمر فوقك كظلال عابرة وتلامس السطح فقط، فلماذا تنشر نصوصك وتشاركها مع الآخرين إذن؟
حين أطلب كتابة لا تقرأني، فأنا هنا أبحث عن النص الذي يحميني من العابرين، أريد للأقلام أن تلامس المعنى، النشر ليس دعوة للتشريح، بل هو إلقاء لرسالة في البحر، يأخذ منها كل قارئ ما يؤانس وحشته،.،
14-تعتبر الأبجدية “قيداً لا يليق بمدى تعبك”.. هل تشعر بالندم بعد الفراغ من كتابة نص طويل لأن اللغة ضيقت واسعاً من وجعك؟
لا أندم على اتساع الوجع و ضيق الأبجدية، بل أغضب لأن اللغة أضيق من أن تحتمل زلزالا قائما في الصدر، الكتابة ليست سوى فتح نافذة صغيرة لتهوية غرفة مغلقة، و ليست استيعاب كامل لعاصفة في الروح،.،
15-“أعدتُ بناء أسواري من جديد”.. كلما حاولوا فك رموز صمتك، ترفع الأسوار. هل تخاف من الفهم، أم تستعذب فكرة أن تظل النص العصي على التفسير؟
نظريتي أن الأبواب و الأسوار لا تبنى خوفا من الفهم، بل استعذابا لرحلة البحث،النص الذي يقرأ من نظرة واحدة يفقد سحره،
العظمة تكمن في أن تظل لغزًا جميلًا،نصًا عصيًا على الاكتمال، يظل القارئ يحوم حوله دون أن يصل للحقيقة المطلقة،.
المحور الرابع: أنسنة الطبيعة والجماد
16-العود في نصوصك ليس أداة للطرب بل شريك يعاتب؛ متى يتحول العزف من مواساة إلى أداة نبش وجلد للجراح؟
يتحول العزف إلى جلد للجراح حين تنطق الأوتار بما تعجز الحنجرة عن البوح به،العود ليس شريك طرب هنا، بل هو المرآة التي تعري الذاكرة، وكل ضربة ريشة على سلك هي إعادة فتح لنزيف قديم نرفض أن يلتئم،،
17-من “أوتار العود” إلى “مقبرة مهجورة للكلمات”.. كيف هبطت الموسيقى في عالمك من سماوات التناغم إلى قاع النعش وعزف الجنازة؟
الموسيقى لا تهبط إلى قاع النعش إلا حين يصبح الفرح ترفا لا يملكه الحزين،حين يتشابه صوت الوتر مع نواح الريح في المقابر، فهذا يعني أن الفن الحقيقي ولد من رحم الموت، وأن النغمات صارت أكفانا لكلمات رحلت ولم تشم النسيم،،
18-جعلت من النجوم كائنات تراقب وتطير وتحط على حافة الانطفاء؛ هل السماء عندك مرآة تعكس نرجسية العشاق، أم هي ملجأ هارب من ضيق الأرض؟
السماء مرآة وملجأ معا، هي مرآة تعكس كبرياء العشاق وعزلتهم، وملجأ لكل هارب من ضيق الأرض وقسوتها،حين تضيق الجغرافيا بالروح، نرفع أعيننا لنعلق أحلامنا على النجوم علها تجد فضاء لا يحاكمنا،،
19-وصفت شجرة الزيتون العتيقة بأنها تثمر صبراً ونوراً.. كيف تلتقي قساوة الصخر وجفاف الخريف في نصوصك لتنتج طاقة حانية؟
قساوة الصخر وجفاف الخريف لا ينتجان إلا الصلابة التي تحرس أرق المشاعر،شجرة الزيتون لا تعطي زيتها وثمرها إلا بعد أن تقاوم الصخر وتتحمل جفاف الأرض،
20-حين يتحول قلبك إلى مقبرة تعج بالكلمات الرومانسية بلا نفس.. كيف يتنفس الكاتب وسط جثث حبره القديم؟
الكاتب لا يتنفس وسط جثث حبره إلا ليعلم أن الفناء ليس النهاية،الحبر القديم ليس جثثا ميتة، بل هو سماد للأرض داخلنا، و من رفات الكلمات القديمة، تنبت في كل ربيع قصيدة أشد خضرة وأعمق جذورا،،
المحور الخامس: الانبعاث والولادة من رحم الألم
21-تقول “بعض الذبول ليس موتاً بل ولادة جديدة”.. كيف نميز في كتاباتك بين ذبول الاستسلام وذبول المخاض الذي يسبق النور؟
ذبول الاستسلام يصمت و يموت في عتمة اليأس، أما ذبول المخاض فهو الأنين الذي يسبق صرخة الحياة، الأول يترك الأرض يبابا، و الثاني يحفر في الصخر لشق مجرى للماء، عارفا أن النور، قادم لا محالة بعد ليلة طويلة
22-غياب النجمة اعتبرته “اعتكافاً للروح لا رحيلاً”.. هل تجد الأعذار للغياب لتنقذ المحبوب، أم لتنقذ نفسك من حقيقة الخذلان؟
تغطية الغياب بعباءة الاعتكاف الروحي هي طوق النجاة الأخير للحب،حين يعجز القلب عن احتمال مرارة الخذلان، فإنه يختلق الأعذار للمحبوب ليحمي صورة الأسطورة في داخله من التشويه، فنحن نبرر الغياب لننقذ ما تبقي لنا من كرامة حلمنا،،
23-“الأرض تهتز بالحياة والماء يعود لمجراه”.. بعد كل هذا التفاؤل بالعودة، لماذا تنهي نصوصك أحياناً بالوقوف حائراً في “منتصف اللحن” دون إكمال؟
الوقوف حائرا في منتصف اللحن هو التعبير الأكثر صدقا عن الحياة، فنهايات الحكايات كاذبة،لا شيء ينتهي تماما و لا شيء يكتمل على إيقاع واحد،البقاء في المنتصف يعني أن الروح ما زالت تتنفس، و أن اللحن الأخير لم يكتب بعد،،،
24-سيأتي يوم تنظر فيه للشحوب الراحل وتبتسم.. هل الكتابة هي التي تصنع هذه الابتسامة المؤجلة، أم أن الزمن وحده هو الذي يداوي؟
الزمن يمنح النسيان والمسافة، لكن الكتابة هي التي تمنح الشحوب طعمًا ومعنى،الزمن يداوي الجرح بإخفائه، بينما الكتابة تداويه بتحويله إلى أثر فني جميل، فنبتسم في وجه الوجع لأننا أدركنا أننا أعدنا صياغته بماء أرواحنا.
25-“نحط على كتف اللقاء”.. إذا تحقق هذا اللقاء يوماً وانطفأ حريق الانتظار، هل ستجف ينابيع بلال إسماعيل الأدبية التي تتغذى أساساً على غيابهم؟
و ينابيع الكتابة لا تجف بانتهاء الغياب، بل تتغير منابعها،حين ينطفئ حريق الانتظار و يتحقق اللقاء، يتحول الحبر من بكاء على الأطلال إلى ترنيمة من نور، فالوصول ليس نهاية الشغف، بل هو بدايته الأكثر اشتعالا و خصوبة،،
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.