
نازا: خمس وعشرون دقيقة من التصفيق… وطفلة لا تزال تموت ، بقلم : نسيم قبها
جدار ( إسرائيل) الذي ينهار من الداخل
في مهرجان فينيسيا، حيث يتلاقى الفن بالسياسة على ضفاف التاريخ، لم يكن التصفيق لفيلم “نازا” مجرد تصفيق. خمس وعشرون دقيقة من الوقوف، من التصفيق الذي يشقّ صمت القاعات، ليست رقماً قياسياً في عالم السينما فحسب، بل هي زلزال وجداني، اعتراف جمعي بجرحٍ نازف، ومحاولة يائسة من الإنسانية لأن تنفض عن كاهلها غبار الإنكار. إنها لحظة فلسفية بامتياز، حيث يتحول الفن إلى محكمة، والجمهور إلى هيئة محلفين، والفيلم إلى وثيقة إدانة للضمير العالمي.
“نازا” ليس مجرد عنوان. إنه كلمة عبريه اختصاريه تعني “المدنيين المتوقع مقتلهم في هجوم”. في هذا التركيب اللغوي البارد، تتجسد فلسفة القتل الممنهج. إنها لغة تحول البشر إلى أرقام، والأطفال إلى “أضرار جانبية”، والنساء إلى “أهداف غير مقصودة”. هنا يكمن البعد الفلسفي الأعمق للفيلم: كيف يمكن للغة أن تصنع واقعاً؟ كيف يمكن لكلمة أن تكون بذرة موت؟ إنها إشارة إلى “اللغة النازية” التي حذر منها جورج أورويل، حيث يتم تدمير الفكر وتبرير الجريمة عبر تسمية الأشياء بغير أسمائها. عندما يصبح الطفل “نازا”، يصبح قتله عملية حسابية، لا جريمة أخلاقية.
تكمن الأهمية الجيوسياسية للفيلم في كونه صادراً من داخل “الجدار السميك” للإنكار (الإسرائيلي) . ليس من فلسطيني يروي مأساته، بل من جنود (إسرائيليين)، من مشغلي أنظمة المراقبة والقتل عن بعد، من ضباط استخبارات مرتبطين مباشرة بصانع القرار. هذه الشهادات، التي صورت سراً على أسطح تل أبيب على مدى ثلاث سنوات، تخترق الحصانة الإعلامية التي طالما حمت دولة الاحتلال. إنها تكشف “النظام السري”، ليس فقط كتقنية عسكرية، بل كمنظومة أخلاقية منهارة. عندما يعترف الجلاد بجريمته، تسقط الحاجة إلى وسيط. لم يعد الفلسطيني بحاجة لأن يصرخ في وجه العالم؛ فقد جاء الصوت من المعسكر الآخر، من أولئك الذين صمموا المنظومة وشغلوها.
إن رد فعل الجيش (الإسرائيلي)، الذي وصف الشهادات بأنها “تتجاوز نطاق معرفة الجنود من الرتب الدنيا”، هو رد فعل مأزوم. إنه يحاول تقزيم الشهادة، وتحويلها من اعتراف نظامي إلى رأي فردي. لكن الفيلم، بوصفه عملاً فنياً، يتجاوز هذا الدفاع. إنه لا يعتمد على رتبة الشاهد، بل على تراكم الشهادات، وعلى التفاصيل التي لا يمكن اختراعها: كيف يُدار القصف عن بعد، كيف تُحرق المنازل التي يتخذها المدنيون ملاجئ، كيف يُقتل الناس أثناء توزيع الغذاء. هذه ليست آراء؛ هذه وقائع. إنها “أرشيف” بديل، يضاف إلى الأرشيف الفلسطيني الذي طالما حاولت دولة الاحتلال محوه.
في البعد الإعلامي، يأتي الفيلم في لحظة فارقة. (إسرائيل)، التي كانت تسيطر على السردية العالمية لعقود، تجد نفسها أمام “سلطة سردية” جديدة. مهرجان فينيسيا، بوصفه منصة عالمية، يمنح الفيلم شرعية فنية، ويحوّله من “دعاية” إلى “عمل فني مقاوم”. هذا التحول خطير على دولة الاحتلال، لأن الفن يخاطب الوجدان، لا العقل فقط. والوجدان هو ما فقدته دولة الإبادة في غزة. إن تصفيق 25 دقيقة هو صرخة الوجدان العالمي، الذي رفض التطبيع مع القتل.
لكن الأهم من التصفيق، هو ما بعد التصفيق. هل سيتحول هذا الفيلم إلى أداة تغيير سياسي؟ هنا تكمن الرؤية. الفيلم ليس نهاية، بل بداية. إنه “فعل تأسيسي” في معركة الذاكرة. إنه يخلق “مجالاً عاماً” جديداً، حيث يمكن للفلسطيني أن يستعيد إنسانيته، ليس عبر الشكوى، بل عبر فضح المنظومة التي سلبتها. إنه يثبت أن القضية الفلسطينية ليست قضية “إرهاب” و”دفاع عن النفس”، بل قضية “إبادة” و”احتلال”. هذا التحول في اللغة هو نصف المعركة.
في النهاية، “نازا” ليس فيلماً عن غزة. إنه فيلم عنا جميعاً. عن قدرة الإنسان على التحول إلى آلة قتل، وعن قدرة الفن على استعادة الإنسانية. إنه مرآة نرى فيها وجهنا الحقيقي: هل نحن أولئك الذين يصفقون، أم أولئك الذين يبررون؟ في زمن اللامبالاة، يصرخ الفيلم في وجه العالم: “هذا الأسبوع تحديداً، فقدت طفلة في السابعة من عمرها حياتها برفقة والدها وهما داخل سيارتهما”. هذه الجملة، التي قالها المخرج يوفال أبراهام، هي جوهر الفيلم. إنها تذكرنا أن ما نعرضه ليس تاريخاً، بل حاضراً. وأن التصفيق، مهما طال، لن يعيد الطفلة. لكنه قد يمنع طفلة أخرى. وهذا هو الرجاء الوحيد.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.