
من هرمز إلى باب المندب: تحوّل الممرات البحرية إلى أوراق قوة في صراع الشرق الأوسط ، بقلم : محمد زيات
لم تعد الممرات البحرية في الشرق الأوسط مجرد مساحات جغرافية تعبرها السفن وحاملات الطاقة، بل أصبحت جزءًا من معادلة الأمن والسياسة والاقتصاد في المنطقة. ويبرز مضيقا هرمز وباب المندب بصورة خاصة في هذه المعادلة؛ فالأول يمثل أحد أهم طرق نقل الطاقة من الخليج، فيما يشكل الثاني حلقة أساسية بين البحر الأحمر وخليج عدن، ومن ثم بين طرق التجارة الآسيوية والأوروبية عبر قناة السويس.
وتكشف التطورات الأخيرة مفارقة لافتة: ففي الوقت الذي انخفض فيه عبور السفن عبر مضيق هرمز إلى مستويات شديدة الانخفاض، بقيت حركة الملاحة عبر باب المندب قائمة بمستويات أقرب إلى متوسطها الأخير، في حين شهدت المناطق المحيطة به تطورات ميدانية جديدة، ووفق بيانات تتبع الملاحة التي نقلتها رويترز، سجل هرمز في أحد أيام الأسبوع الحالي سبع عمليات عبور للسفن، بينما سجل باب المندب 28 حركة لسفن السلع، مقابل متوسط بلغ نحو 27 حركة خلال عشرة أيام.
وهنا تبرز المسألة الأوسع: ماذا يحدث عندما تتحول الممرات التي يفترض أن تكون شرايين للتجارة الدولية إلى أوراق قوة في صراع إقليمي متعدد الأطراف؟
لا يتعلق الأمر فقط بالسؤال عن الطرف القادر على تعطيل ممر بحري أو التأثير فيه، وإنما بكيفية تحول الجغرافيا البحرية نفسها إلى عنصر في حسابات الردع والتفاوض والأسواق والعلاقات الدولية، فالممر البحري قد يحتفظ بأهميته الاستراتيجية حتى عندما لا يكون مغلقًا بصورة كاملة، لأن مجرد ارتفاع مستوى المخاطر أو عدم اليقين يمكن أن يعيد تشكيل حسابات الدول والشركات والأسواق.
هرمز… عندما تصبح حرية الملاحة جزءًا من الصراع
تنبع أهمية مضيق هرمز من موقعه عند مدخل الخليج ومن ارتباطه بتدفقات الطاقة والتجارة الدولية، ولذلك فإن أي اضطراب واسع في الملاحة من خلاله لا يبقى محصورًا في الدول المطلة عليه، بل يمتد أثره إلى الأسواق العالمية وتكاليف النقل والطاقة وسلاسل الإمداد.
وتكشف البيانات الحالية حجم التغير الذي طرأ على حركة الملاحة، فقد أظهرت بيانات تتبع السفن أن سبع سفن فقط عبرت المضيق في يوم واحد، مقارنة بمتوسط يومي سابق أعلى بكثير، مع الإشارة إلى أن بعض السفن قد لا تظهر في البيانات إذا كانت أجهزة التعريف الخاصة بها متوقفة، كما لم تسجل البيانات عبور ناقلات للغاز الطبيعي المسال في ذلك اليوم.
غير أن أهمية هذه الأرقام لا تكمن فقط في انخفاض عدد السفن، بل في تأثيرها على إدراك المخاطر، فشركة النقل لا تحتاج بالضرورة إلى مواجهة إغلاق كامل للممر حتى تعيد حساباتها؛ إذ يمكن لارتفاع المخاطر الأمنية والتأمينية وتكاليف الوقود والرحلات أن يدفعها إلى تأجيل الرحلة أو تغيير المسار أو إعادة تقييم جدواها الاقتصادية.
ومن هنا يمكن التمييز بين السيطرة على الممر والقدرة على التأثير فيه، فليس من الضروري أن يمتلك طرف ما الممر البحري بالكامل حتى يمتلك قدرة على التأثير في مستوى الأمان أو الكلفة أو قابلية استخدامه.
وهذه النقطة هي التي تمنح الممرات البحرية قيمة سياسية تتجاوز بعدها الجغرافي. فكلما زادت حساسية الدول والأسواق تجاه حركة الطاقة والتجارة، أصبحت المخاطر المحيطة بالممر جزءًا من عملية صنع القرار نفسها.
كما أن اضطراب هرمز يدفع بصورة طبيعية إلى البحث عن مسارات بديلة، وهو ما يقود إلى باب المندب والبحر الأحمر، وهنا تنتقل المسألة من أزمة ممر واحد إلى أزمة شبكة من الممرات المترابطة.
باب المندب… عندما يصبح البديل جزءًا من الأزمة
يمثل باب المندب نقطة اتصال استراتيجية بين البحر الأحمر وخليج عدن، وتنبع أهميته الإضافية من ارتباطه بحركة السفن المتجهة عبر البحر الأحمر وقناة السويس بين آسيا وأوروبا، ولذلك فإن أهميته لا ترتبط فقط بالدول المطلة عليه، وإنما بموقعه داخل شبكة أوسع للتجارة العالمية.
وفي الوقت الذي تراجعت فيه حركة الملاحة بشدة في هرمز، ظلت حركة السفن عبر باب المندب قائمة، لكن استمرار الحركة لا يعني أن الطريق أصبح بمنأى عن المخاطر، فقد أفادت تقارير حديثة بأن الحوثيين سيطروا على مدينة المخا ومناطق استراتيجية باتجاه جزيرة بريم ومحيط باب المندب، في تطورات أعادت تسليط الضوء على الموقع الجغرافي للمضيق.
ومن المهم هنا التمييز بين استمرار الملاحة واستقرار الملاحة، فالممر يمكن أن يبقى مفتوحًا أمام السفن، بينما تكون البيئة المحيطة به أكثر خطورة أو تكلفة أو عدمًا لليقين.
وهذه إحدى أكثر النتائج أهمية في الحالة الراهنة: قد لا يحتاج الطريق البديل إلى أن يُغلق حتى يفقد جزءًا من وظيفته كبديل آمن.
فعندما تبحث شركات النقل عن مسار بديل، فإنها لا تسأل فقط: هل يمكن للسفينة المرور؟ بل تسأل أيضًا: ما مستوى المخاطر؟ وما تكلفة التأمين؟ وهل يمكن ضمان استمرار الرحلة؟ وما احتمال تغير الظروف أثناءها؟
ولهذا فإن قيمة البديل البحري لا تتحدد بوجوده الجغرافي فقط، وإنما بقدرته على تقديم درجة مقبولة من الاستقرار.
وهنا تظهر مفارقة استراتيجية: كلما أصبح أحد الممرات أكثر اضطرابًا، زاد الاعتماد على الممر الآخر؛ وكلما ارتفع الاعتماد عليه، ازدادت أهمية أمنه بالنسبة إلى الأطراف الإقليمية والدولية.
من الجغرافيا إلى القوة… كيف تتحول نقاط الاختناق البحرية إلى نفوذ سياسي؟
تُعرف الممرات البحرية الضيقة ذات الأهمية الكبيرة للتجارة والطاقة باعتبارها نقاط اختناق استراتيجية. لكن القوة التي تنتج عنها لا تعني بالضرورة السيطرة الكاملة عليها.
وهنا يجب التمييز بين مفهومين:
السيطرة تعني القدرة المباشرة على تحديد من يعبر الممر وكيف ومتى.
أما التأثير فيعني القدرة على تغيير حسابات الآخرين من خلال رفع مستوى المخاطر أو التكاليف أو عدم اليقين.
وهذا التمييز مهم لفهم الحالة الراهنة، فقد يكون الطرف غير قادر على إغلاق ممر بصورة كاملة، لكنه قادر على جعل استخدامه أكثر كلفة أو مخاطرة، وعندها تتحول الجغرافيا إلى مصدر نفوذ سياسي واقتصادي.
إن جوهر القوة في هذه الحالة لا يكمن فقط في منع الآخرين من استخدام الطريق، وإنما في التأثير في سلوكهم قبل أن يتخذوا قرار العبور أصلًا.
فإذا أدت المخاطر إلى تغيير مسار السفن، أو ارتفاع أقساط التأمين، أو زيادة زمن الرحلات، أو إعادة ترتيب مصادر الطاقة، فإن التأثير يكون قد تحقق حتى دون إغلاق رسمي للممر.
لكن هذه القوة ليست مطلقة، فهي تعتمد على ثلاثة عناصر رئيسية: درجة اعتماد الآخرين على الممر، ووجود مسارات بديلة، وقدرة الأطراف المتضررة على تحمل كلفة الاضطراب.
ولهذا يمكن أن ينتج عن استخدام الممر البحري كورقة ضغط أثر معاكس على المدى البعيد؛ إذ قد يدفع ارتفاع المخاطر الدول والشركات إلى الاستثمار في مسارات وموانئ وبنية تحتية بديلة.
وبذلك تصبح القوة البحرية ديناميكية وليست ثابتة، فكلما ارتفع الضغط على ممر معين، ارتفعت الحوافز للبحث عن بدائل تقلل من قدرة الطرف المؤثر على استخدام الجغرافيا كورقة ضغط.
ومن هنا لا تعود الممرات البحرية مجرد مسرح للصراع؛ بل يمكن أن تصبح إحدى أدوات إدارة الصراع نفسه، سواء من خلال الضغط، أو الردع، أو التفاوض، أو البحث عن ترتيبات مؤقتة للحد من المخاطر.
الطاقة والتجارة… عندما ينتقل الصراع من البحر إلى الاقتصاد العالمي
لا تتوقف آثار اضطراب الممرات البحرية عند حدود المياه الإقليمية، وإنما تنتقل بسرعة إلى الاقتصاد.
فالاضطراب البحري يمكن أن يرفع تكاليف النقل والتأمين والوقود، ويطيل زمن الرحلات، ويجبر الشركات على إعادة ترتيب جداولها ومساراتها، وفي حالة البحر الأحمر يمكن أن يؤدي تجنب الطريق إلى زيادة المسافة البحرية عبر الدوران حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما يضيف وقتًا واستهلاكًا للوقود في الرحلات.
لكن التأثير الاقتصادي لا يرتبط فقط بما حدث فعليًا، وإنما بما يتوقعه السوق أيضًا.
وهذه نقطة مركزية في فهم العلاقة بين الجغرافيا البحرية والسياسة الاقتصادية، فالأسواق لا تنتظر دائمًا وقوع نقص فعلي في الإمدادات حتى تتفاعل؛ يكفي أحيانًا ارتفاع احتمال حدوث اضطراب مستقبلي حتى ترتفع الأسعار وتزداد علاوات المخاطر.
وقد تجاوز سعر خام برنت 100 دولار للبرميل خلال الأسبوع الحالي، قبل أن يتراجع عن بعض ارتفاعاته، في ظل المخاوف المرتبطة باضطراب تدفقات الطاقة والملاحة في المنطقة.
كما تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن استمرار اضطراب تدفقات الخليج أدى إلى تشديد توقعات سوق النفط لعام 2026، مع تراجع المخزونات العالمية واستمرار الضغوط على الإمدادات.
وبذلك يصبح الاحتمال الاقتصادي نفسه جزءًا من التأثير السياسي.
فالدولة التي تعتمد على طريق بحري معين قد تضطر إلى تعديل سياساتها الاقتصادية أو مخزوناتها أو علاقاتها التجارية نتيجة الخطر المتوقع، حتى قبل حدوث توقف كامل للملاحة.
ومع ذلك، فإن الاقتصاد العالمي يمتلك قدرة على التكيف، فقد أظهرت تطورات سوق الوقود البحري أن الأسواق بدأت في إيجاد مصادر ومسارات بديلة، رغم بقاء التكاليف أعلى من مستويات ما قبل الأزمة.
وهذا يعني أن استخدام الممرات البحرية كورقة ضغط يمكن أن يحقق تأثيرًا سريعًا، لكنه قد يدفع في الوقت ذاته إلى تسريع عملية التكيف وتقليل الاعتماد على الممر المتأثر.
ومن زاوية أخرى، فإن هذه الاعتمادية المتبادلة يمكن أن توفر مدخلًا للدبلوماسية؛ لأن أمن الملاحة ليس مصلحة لطرف واحد، بل مصلحة مشتركة للدول المنتجة والمستهلكة وشركات النقل والدول الساحلية والاقتصاد العالمي.
الممرات البحرية كأوراق تفاوض… بين الردع والدبلوماسية وخفض التصعيد
إذا كانت الممرات البحرية قد أصبحت أوراق قوة، فإن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق فقط بكيفية حمايتها عسكريًا، وإنما بكيفية منع تحولها إلى أدوات دائمة للتصعيد.
فالاستجابة الأمنية قد تكون ضرورية لحماية السفن، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة الأسباب السياسية التي تجعل الممر البحري عرضة للاضطراب.
ولهذا تبرز الحاجة إلى الدبلوماسية البحرية باعتبارها جزءًا من إدارة الأزمات، لا مجرد نتيجة لاحقة لها.
ويمكن أن تبدأ هذه الدبلوماسية من مبدأ بسيط: يتمثل بالفصل قدر الإمكان بين أمن الملاحة والخلافات السياسية الأوسع، وهذا لا يعني تجاهل أسباب الصراع، وإنما محاولة منع الخلاف السياسي من التحول بصورة مستمرة إلى تهديد للتجارة والملاحة وحياة البحارة.
وتكتسب هذه المسألة بعدًا إنسانيًا واضحًا، فالمنظمة البحرية الدولية تقول إن نحو 20 ألف بحار يتأثرون بالأزمة في المنطقة، كما وثقت حتى 10 سبتمبر 75 حادثة مؤكدة مرتبطة بالملاحة في المنطقة، مع 22 حالة وفاة بين البحارة.
وهنا تصبح حماية الملاحة قضية تتجاوز الحسابات العسكرية؛ لأنها ترتبط مباشرة بسلامة المدنيين واستمرارية التجارة الدولية.
ومن الممكن في هذا السياق، التفكير في أدوات دبلوماسية متعددة، مثل قنوات الاتصال المباشر وغير المباشر، وآليات منع الاحتكاك، وترتيبات الإبلاغ عن الحوادث، والوساطة الدولية أو الإقليمية، والتفاهمات المؤقتة التي تمنع انتقال الأزمة من ممر إلى آخر.
لكن نجاح مثل هذه الترتيبات يتطلب التمييز بين الردع والتصعيد، فالردع يهدف إلى منع السلوك الذي يهدد الملاحة، بينما قد يؤدي التصعيد غير المنضبط إلى توسيع دائرة المخاطر وإنتاج أزمات جديدة.
ولهذا فإن الهدف الأكثر استدامة ليس منح أي طرف حقًا دائمًا في تعطيل الملاحة، بل الوصول إلى صيغة تجعل حرية الملاحة وأمنها مصلحة مشتركة حتى بين الأطراف التي تختلف سياسيًا وأمنيًا.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: القيمة الاستراتيجية للممرات البحرية يمكن أن تكون سببًا للصراع، لكنها في الوقت ذاته قد تكون سببًا للبحث عن التسوية.
فكلما أدركت الأطراف أن استمرار الاضطراب البحري يفرض تكلفة على الجميع، أصبحت المصلحة المشتركة في خفض المخاطر أكثر وضوحًا.
في الختام…
تكشف التطورات المحيطة بمضيقي هرمز وباب المندب أن الممرات البحرية في الشرق الأوسط لم تعد مجرد عناصر ثابتة في الخريطة، وإنما أصبحت جزءًا من معادلة القوة والتفاوض والاقتصاد والأمن.
غير أن أهمية هذه الممرات لا تكمن فقط في قدرة طرف ما على إغلاقها أو السيطرة عليها، بل في قدرته على التأثير في مستوى الأمان والاستقرار الذي تتمتع به الملاحة من خلالها.
وهذا يعني أن القوة الناتجة عن نقاط الاختناق البحرية ليست قوة مطلقة؛ فكلما ارتفع الضغط على ممر معين، ارتفعت في المقابل الحوافز للبحث عن بدائل، وتطوير البنية التحتية، وتنويع مصادر الطاقة، وإعادة ترتيب سلاسل الإمداد.
ومن ثم، فإن تحويل الجغرافيا البحرية إلى ورقة ضغط قد يحقق تأثيرًا سريعًا، لكنه يمكن أن يؤدي أيضًا إلى تغيير البيئة الاستراتيجية نفسها، بما يقلل من قيمة تلك الورقة على المدى الطويل.
وفي المقابل، فإن الاعتماد المتبادل على الممرات البحرية يخلق فرصة مختلفة؛ إذ يمكن أن تتحول المصلحة المشتركة في استمرار الملاحة إلى مدخل للحوار وخفض التصعيد، حتى في ظل استمرار الخلافات السياسية الأوسع.
وتزداد أهمية هذا المسار عندما نضع في الاعتبار أن اضطراب الملاحة لا يؤثر في الأسواق والطاقة فقط، بل يمس أيضًا سلامة آلاف البحارة والعاملين في القطاع البحري.
وفي نهاية المطاف، فإن الجغرافيا لا تصبح قوة بمجرد وجودها، وإنما عندما تصبح قادرة على التأثير في خيارات الآخرين، والممر البحري لا يتحول إلى أداة سياسية فقط عندما يُغلق، بل عندما يصبح احتمال اضطرابه كافيًا لإعادة تشكيل حسابات الدول والأسواق والشركات.
لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الأطراف الإقليمية والدولية لا يتمثل فقط في حماية الممرات البحرية من الاضطراب، وإنما في منع تحولها إلى أوراق ضغط دائمة، وبناء ترتيبات تجعل أمنها واستقرارها مصلحة مشتركة.
ويبقى السؤال الأهم مفتوحًا: هل تستطيع الأطراف المتنافسة الوصول إلى صيغة تجعل أمن الممرات البحرية مصلحة مشتركة، بدل أن يبقى ورقة أخرى في صراع إقليمي مفتوح؟
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.