1:55 مساءً / 9 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

PISA 2025: عندما تكشف الأرقام أزمةَ التعلّم لا أزمةَ الطالب ، بقلم: د. عماد سالم

PISA 2025: عندما تكشف الأرقام أزمةَ التعلّم لا أزمةَ الطالب

PISA 2025: عندما تكشف الأرقام أزمةَ التعلّم لا أزمةَ الطالب ، بقلم: د. عماد سالم

ليست كل الأرقام مجرد أرقام، وبعض النتائج لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها ترتيباً في جدول، أو مقارنة بين دول، أو مناسبة لإطلاق الأحكام على طالب أو معلم أو مدرسة. هناك أرقام تتحول إلى مرآة، تكشف ما قد لا نراه بوضوح في حياتنا التعليمية اليومية.

وربما تكون نتائج البرنامج الدولي لتقييم الطلبة PISA 2025 واحدة من هذه المرايا التي تستحق أن نتأملها بجدية، لا بحثاً عن مذنب، وإنما بحثاً عن إجابة لسؤال أكبر:

ماذا يحدث فعلاً لتعلم أبنائنا؟

فالنتيجة الأخطر ليست فقط أن درجات الطلبة تراجعت، وإنما أن هذه النتائج تضع أمامنا سؤالاً يتعلق بجوهر العملية التعليمية نفسها: هل ننجح في تعليم الطلبة، أم ننجح في بناء قدرتهم على التعلم والتفكير وتوظيف المعرفة؟

ماذا تقيس PISA أصلاً؟

قبل أن نحكم على النتائج، علينا أن نفهم طبيعة الاختبار.

PISA هي اختصار لـ Programme for International Student Assessment، أي البرنامج الدولي لتقييم الطلبة، وتشرف عليها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، وتركز عادة على الطلبة في سن الخامسة عشرة.

لكن PISA ليست امتحاناً تقليدياً لقياس مقدار ما حفظه الطالب من كتاب مدرسي.

فلسفتها الأساسية تنتقل من سؤال:

«ماذا يعرف الطالب؟»

إلى سؤال أكثر أهمية:

«ماذا يستطيع الطالب أن يفعل بما يعرف؟»

في الرياضيات، تقيس القدرة على التفكير الرياضي وحل المشكلات وتطبيق المعرفة في مواقف واقعية.

وفي القراءة، تقيس فهم النصوص وتحليلها واستخلاص المعلومات والاستدلال منها.

وفي العلوم، تقيس قدرة الطالب على استخدام المعرفة العلمية لفهم الظواهر والمواقف واتخاذ القرارات.

ولهذا فإن نتائج PISA لا ينبغي أن تدفعنا إلى السؤال فقط: كم درجة حصل الطالب؟

بل إلى السؤال الأعمق:

هل يستطيع الطالب أن يستخدم ما تعلمه في الحياة والعمل وحل المشكلات الجديدة؟

وهذا السؤال تحديداً يجعل PISA ذات علاقة مباشرة بمستقبل التعليم الفلسطيني، وبسوق العمل، وبالتنمية، وبنوعية الإنسان الذي نريد أن نبنيه.

ماذا تقول الأرقام الفلسطينية؟

وفق النتائج التي أعلنتها وزارة التربية والتعليم، لم يتجاوز الطلبة الذين حققوا المستوى الثاني أو أعلى في الرياضيات 17%، مقابل 65% في متوسط دول OECD.

وفي القراءة بلغت النسبة 22% مقابل 69%، وفي العلوم 24% مقابل 74%.

والأكثر إثارة للقلق أن نسبة الطلبة منخفضي الأداء ارتفعت مقارنة بدورة 2022 بمقدار 7 نقاط مئوية في الرياضيات، و4 نقاط في القراءة، و8 نقاط في العلوم.

إذن نحن أمام ثلاثة مستويات من القراءة:

الأول: هناك فجوة كبيرة بين الأداء الفلسطيني ومتوسط OECD.

الثاني: هناك تراجع في نتائج فلسطين بين 2022 و2025 في المجالات الثلاثة.

والثالث، وهو الأهم: هناك اتساع في قاعدة الطلبة منخفضي الأداء.

وهذه النقطة الأخيرة ربما تكون أخطر من المتوسط العام نفسه.

فالنظام التعليمي القوي لا يكتفي بوجود عدد قليل من الطلبة المتفوقين، وإنما يعمل قبل كل شيء على رفع الحد الأدنى من التعلم لدى أوسع قاعدة ممكنة من الطلبة.
لكن المقارنة بين 2022 و2025 تحتاج إلى قراءة علمية

من الإنصاف، ومن الضروري، أن نأخذ في الاعتبار اختلاف نطاق المشاركة.

فدورة PISA 2025 اقتصرت المشاركة الفلسطينية فيها على طلبة الضفة الغربية، بينما شملت دورة 2022 طلبة من الضفة الغربية وقطاع غزة.

وبالتالي لا يجوز التعامل مع الفرق بين الدورتين باعتباره تجربة إحصائية متطابقة تمامًا.

لكن هذا التحفظ لا يلغي الرسالة الأساسية.

فحتى مع ضرورة الحذر في المقارنة، فإن النتائج الجديدة تكشف مستوى منخفضاً جداً من الكفايات الأساسية، وتؤكد أن مشكلة التعلم تحتاج إلى معالجة عميقة ومنهجية، لا إلى استجابة مؤقتة.

وهنا يجب أن نكون أكثر دقة:

PISA لا تقول إن الطالب الفلسطيني فشل، وإنما تقول إن النظام التعليمي أمام فجوة كبيرة في نواتج التعلم.

وهناك فرق كبير بين العبارتين.

الفاقد التعليمي.. هل هو النتيجة أم بداية المشكلة؟

وصفت وزارة التربية والتعليم نتائج PISA 2025 بأنها تعكس أثر الفاقد التعليمي.

وهذا توصيف مهم، لكنه في رأيي يجب ألا يكون نهاية التحليل، بل بدايته.

فالـفاقد التعليمي في أبسط صوره هو ما يفقده الطالب من تعلم نتيجة الانقطاع أو عدم انتظام التعليم.

لكن إذا طال الفاقد وتراكم، فإنه يتحول من فاقد في الوقت إلى فاقد في المهارة.

ثم يتحول فاقد المهارة إلى فقر في التعلم.

وهنا تكمن الخطورة.

فالطالب الذي يفقد جزءاً من أساسيات القراءة لن يعاني في القراءة فقط؛ بل سيواجه لاحقاً صعوبة في العلوم والتاريخ والجغرافيا وحتى في فهم تعليمات التدريب المهني.

والطالب الذي يعاني ضعفاً في الرياضيات الأساسية سيجد صعوبة في العلوم والتكنولوجيا والبرمجة والمهن التقنية.

وهكذا يمكن أن يبدأ الفاقد التعليمي داخل المدرسة، لكنه ينتهي بعد سنوات في سوق العمل.

لذلك لا يكفي أن نقول: «علينا تعويض الفاقد».

بل ينبغي أن نسأل:

كيف نستعيد القدرة على التعلم نفسها؟

حماية وقت التعلم أصبحت قضية وطنية

من الأرقام التي تستحق التوقف أن 46% من الطلبة أفادوا بأنهم تغيبوا عن يوم دراسي واحد على الأقل خلال الأسبوعين السابقين للاختبار، و38% أفادوا بتغيبهم عن حصة واحدة على الأقل.

هذه ليست مجرد قضية انضباط.

إنها قضية تتعلق بأحد أهم مدخلات التعلم:

الوقت.

فالمنهاج مهما كان جيداً لا يمكن أن يُتعلم دون وقت.

والمعلم مهما كان كفؤاً لا يستطيع تعويض وقت تعلم مفقود بصورة غير محدودة.

والطالب مهما كان ذكياً لا يستطيع أن يبني تراكماً معرفياً في بيئة يتكرر فيها الانقطاع.

لذلك فإن حماية وقت التعلم ينبغي أن تصبح جزءاً من الأمن التعليمي الوطني.

المدرسة نفسها تواجه أزمة بيئة تعلم

أظهرت النتائج أن 45% من الطلبة التحقوا بمدارس فيها نقص في المواد التعليمية، و54% التحقوا بمدارس تعاني نقصاً في البنية التحتية المادية.

وهذه أرقام لا يجوز تجاهلها.

فالحديث عن جودة التعليم دون الحديث عن البيئة التي يحدث فيها التعلم يشبه مطالبة المزارع بإنتاج أفضل دون توفير الأرض والماء والأدوات.

لكن علينا في الوقت ذاته ألا نقع في الطرف الآخر.

فالموارد مهمة، لكنها ليست كل القصة.

فالمدرسة الجيدة تحتاج إلى:

موارد + معلم + منهج + قيادة + تقييم + بيئة + وقت + أسرة + سياسة تعليمية متماسكة.

ولهذا فإن معالجة النتائج لا ينبغي أن تكون مجرد زيادة في الكتب أو الأجهزة أو الأبنية.

المطلوب هو إصلاح منظومة التعلم كاملة.

المعلم ليس الحلقة الأضعف

من أكثر المؤشرات التي أرى ضرورة التوقف عندها أن 80% من الطلبة أفادوا بأن المعلم يهتم بتعليم كل طالب، و81% أفادوا بأن المعلم يستمر في التدريس حتى يفهم الطلبة.

هذه النتيجة مهمة جداً لأنها تمنعنا من الوقوع في التفسير السهل:

«المعلم هو المشكلة».

ليس من المنهجية تحميل المعلم وحده مسؤولية النتائج.

المعلم يعمل داخل نظام، ويتأثر بالمنهج، والتقييم، وحجم الصف، والموارد، والوقت، والتدريب، والإدارة، والسياسات العامة، والظروف المحيطة.

لذلك فإن السؤال الصحيح ليس:

كيف نلوم المعلم؟

بل:

كيف نبني نظاماً يمكّن المعلم من أن يكون أكثر فاعلية؟

وهذه نقلة ضرورية من ثقافة المساءلة العقابية إلى ثقافة المساءلة التطويرية.

المشكلة ربما أعمق من «ضعف التحصيل»

هنا أصل إلى النقطة التي أعتقد أنها الأكثر أهمية.

قد تكون لدينا مشكلة في التحصيل، لكن التحصيل ليس سوى النتيجة الظاهرة.

وراء النتيجة توجد أسئلة أعمق:

كيف يتعلم الطالب؟

كيف ندرّسه؟

كيف نقيس تعلمه؟

ما الذي يكافئه الامتحان؟

هل يكافئ الحفظ أم التفكير؟

هل يخشى الطالب الخطأ أم يتعلم منه؟

هل يستطيع أن يناقش المعلم؟

هل يستطيع أن يطرح سؤالاً لا توجد إجابته في الكتاب؟

هل يتعلم كيف يبحث؟

هل يتعلم كيف يتحقق من المعلومة؟

هل يتعلم كيف يحل مشكلة لم يرها من قبل؟

هذه الأسئلة هي التي تنقلنا من إصلاح نتائج الاختبار إلى إصلاح فلسفة التعليم.

من «التعليم» إلى «التعلم»

يمكن أن نُدرّس المنهاج كاملاً، دون أن يعني ذلك أن الطالب تعلم.

يمكن أن يحفظ الطالب قانوناً رياضياً، لكنه لا يستطيع استخدامه في موقف جديد.

يمكن أن يحفظ معلومة علمية، لكنه لا يستطيع تفسير ظاهرة.

يمكن أن يقرأ نصاً، لكنه لا يستطيع تحليل حجة أو استنتاج معنى أو التمييز بين معلومة صحيحة ومضللة.

وهنا تعود PISA لتضع أمامنا السؤال المركزي:

ماذا يستطيع الطالب أن يفعل بما يعرف؟

إنها دعوة للانتقال:

من الحفظ إلى الفهم،
ومن الفهم إلى التطبيق،
ومن التطبيق إلى حل المشكلات،
ومن حل المشكلات إلى الإبداع.

وهذا ليس ترفاً تربوياً.

إنه جوهر التعليم في القرن الحادي والعشرين.

ماذا تقول لنا نتائج الإبداع؟

لا ينبغي أن ننسى ما كشفته مشاركة فلسطين في PISA 2022 في التفكير الإبداعي.

فقد بلغ متوسط فلسطين في التفكير الإبداعي 18 من 60، مقابل 33 في متوسط OECD، ولم يصل إلى مستوى الكفاية الأساسي في التفكير الإبداعي سوى نحو 31% من الطلبة مقابل 78% في OECD.

هذه النتائج تفتح باباً أكثر عمقاً.

فالمشكلة ليست فقط: هل يستطيع الطالب حل السؤال؟

بل:

هل يستطيع أن ينتج سؤالاً جديداً؟

هل يستطيع التفكير في أكثر من حل؟

هل يستطيع النظر إلى المشكلة من زاوية مختلفة؟

هل يستطيع إنتاج فكرة غير مألوفة؟

وهذه كلها قدرات ستصبح أكثر أهمية في عصر الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي.. الطالب سبق المدرسة

ربما تكون إحدى أكثر النتائج إثارة للاهتمام أن 45% من الطلبة استخدموا روبوتات المحادثة القائمة على الذكاء الاصطناعي للمساعدة في التعلم مرة واحدة على الأقل أسبوعياً.

هذه النسبة تقول شيئاً أكبر من مجرد انتشار أداة تكنولوجية.

إنها تقول إن الطالب دخل بالفعل عصر الذكاء الاصطناعي.

والسؤال الآن:

هل دخلت المدرسة معه؟

في عصر كانت فيه المعلومة نادرة، كان حفظها ميزة.

أما في عصر يستطيع فيه الطالب الحصول على ملايين المعلومات خلال ثوانٍ، فإن حفظ المعلومة لم يعد كافياً.

القيمة الحقيقية أصبحت في القدرة على:

طرح السؤال الصحيح.

التحقق من الإجابة.

تحليل الأدلة.

اكتشاف الخطأ.

التمييز بين الحقيقة والتضليل.

استخدام التكنولوجيا بصورة أخلاقية.

إنتاج المعرفة بدل استهلاكها.

ولهذا لا ينبغي أن تكون استجابة المدرسة للذكاء الاصطناعي هي المنع فقط.

بل يجب أن تكون:

كيف نجعل الطالب أذكى من الأداة في الحكم على ما تنتجه الأداة؟

الأسرة جزء من منظومة التعلم

التعلم لا يحدث داخل المدرسة وحدها.

وتشير بيانات PISA 2025 إلى تراجع بعض مؤشرات المتابعة الأسرية مقارنة بـ2022؛ إذ انخفضت نسبة الطلبة الذين أفادوا بأن أولياء أمورهم يسألونهم أسبوعيًا على الأقل عما فعلوه في المدرسة من 62% إلى 52%، كما انخفضت نسبة من قالوا إنهم يناقشون معهم مشكلات المدرسة أسبوعيًا من 53% إلى 40%.

وهذا يعني أن إصلاح التعليم يحتاج أيضًا إلى إعادة بناء الشراكة بين المدرسة والأسرة.

فالأسرة التي تسأل فقط عن العلامة قد تساهم دون قصد في تحويل التعليم إلى سباق درجات.

أما الأسرة التي تسأل:

ماذا تعلمت؟ ماذا فهمت؟ ما المشكلة التي حاولت حلها؟ ماذا قرأت؟

فهي تبني ثقافة تعلم مختلفة.

التعليم ليس قضية تربوية فقط.. بل قضية سوق عمل وتنمية

وهنا أعتقد أن علينا أن نخرج من القراءة التقليدية لنتائج PISA.

فأنا أنظر إلى هذه النتائج أيضاً من زاوية سوق العمل والتعليم والتدريب المهني والتقني.

فالطالب الذي يخرج من المدرسة بضعف في القراءة والرياضيات والعلوم سيحتاج لاحقًاً إلى جهد أكبر لاكتساب المهارات المهنية والتقنية.

وسوق العمل الحديث لا يبحث فقط عن شخص يحمل شهادة.

إنه يبحث عن شخص يستطيع أن:

يفهم، يحلل، يتواصل، يحسب، يستخدم التكنولوجيا، يحل مشكلة، يتعلم باستمرار ويتكيف مع التغيير.

ولهذا فإن ضعف التعلم الأساسي اليوم قد يتحول إلى:

فجوة مهارات غداً،
وفجوة مهارات إلى بطالة،
والبطالة إلى هجرة،
والهجرة إلى فقدان رأس المال البشري،
وفقدان رأس المال البشري إلى مزيد من الاعتماد على الخارج.

ومن هنا تصبح إصلاحات التعليم جزءاً من السياسة الاقتصادية والتنموية، وليست مجرد سياسة مدرسية.

لا نحتاج إلى إصلاح المناهج فقط.. بل إلى إصلاح فلسفة التعليم

من السهل أن تكون أول استجابة للنتائج هي تشكيل لجنة لتعديل المناهج.

لكن السؤال الحقيقي ليس فقط:

هل نحتاج إلى مناهج جديدة؟

بل:

هل نحتاج إلى فلسفة جديدة للتعليم؟

يمكن أن نغير الكتب، لكن إذا بقيت طريقة التدريس قائمة على التلقين، سيبقى التلقين.

يمكن أن نشتري أجهزة ذكية، لكن إذا استخدمناها بالطريقة التقليدية نفسها، ستصبح التكنولوجيا مجرد سبورة إلكترونية.

يمكن أن نغير الامتحانات، لكن إذا بقي الهدف هو الحصول على العلامة، فسوف يبحث الطالب عن أقصر طريق إليها.

الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة تعريف معنى النجاح التعليمي:

ليس الطالب الأفضل هو من يحفظ أكثر، وإنما من يفهم أكثر، ويفكر أفضل، ويستطيع أن يتعلم بصورة مستقلة.

من إدارة التعليم إلى قيادة التعلم

ربما يكون هذا هو التغيير المطلوب على مستوى السياسات.

لقد اعتدنا طويلاً على إدارة التعليم من خلال:

عدد المدارس،عدد الطلبة،عدد المعلمين،عدد الكتب،عدد الحصص،
ونسب النجاح.

لكن السؤال الذي يجب أن يصبح في قلب الإدارة التعليمية هو:

كم تعلم الطالب فعلاً؟

وهذا يتطلب الانتقال من إدارة المدخلات إلى إدارة نواتج التعلم.

ومن إدارة المدرسة إلى قيادة التعلم.

ومن تقييم النظام بعدد الشهادات إلى تقييمه بما يمتلكه الخريج من كفايات حقيقية.

ماذا نحتاج؟ مشروع وطني للتعافي والتعلم

أمام هذه الصورة، لا أعتقد أن الحل في برنامج واحد أو قرار واحد.

نحن بحاجة إلى مشروع وطني للتعافي والتعلم يقوم على مسارات مترابطة:

  1. الإنقاذ

استعادة القراءة والرياضيات والعلوم بوصفها كفايات أساسية لا يمكن بناء التعليم عليها دونها.

  1. التعويض

تشخيص الفاقد التعليمي لدى كل فئة عمرية، وتصميم برامج تعويضية مبنية على الاحتياجات الفعلية لا على زيادة المحتوى.

  1. إعادة البناء

إعادة النظر في المناهج وطرائق التدريس والتقييم بما يعزز التفكير النقدي وحل المشكلات والتطبيق والإبداع.

  1. بناء المعلم

تطوير مهني مستمر للمعلمين، قائم على الممارسة الفعلية داخل الصف، وليس على الدورات الشكلية فقط.

  1. حماية وقت التعلم

اعتبار كل دقيقة تعلم مورداً وطنياً يجب حمايته من الانقطاع والهدر.

  1. المدرسة الآمنة والمنتجة

تحسين البيئة المدرسية والبنية التحتية وتوفير المواد التعليمية الضرورية.

  1. الأسرة شريكاً

إعادة بناء العلاقة بين الأسرة والمدرسة حول التعلم وليس العلامات فقط.

  1. الذكاء الاصطناعي

إدخال الذكاء الاصطناعي إلى التعليم باعتباره أداة للتعلم والبحث والإبداع، مع بناء مهارات التحقق والنقد والاستخدام المسؤول.

  1. ربط التعليم بسوق العمل

بناء جسور أقوى بين التعليم العام والتعليم والتدريب المهني والتقني والجامعات واحتياجات سوق العمل.

  1. قياس الإصلاح

عدم انتظار PISA القادمة لمعرفة ما إذا كنا قد نجحنا.

بل بناء نظام وطني مستمر لقياس نواتج التعلم ومتابعتها بصورة دورية.

لا نريد فقط أن نرفع ترتيب فلسطين في PISA

هذا ربما يكون أهم استنتاج.

إذا جعلنا هدفنا هو تحسين ترتيب فلسطين في الاختبار، فقد ننجح في تدريب الطلبة على الاختبار.

لكن إذا جعلنا هدفنا رفع مستوى تعلم الإنسان الفلسطيني، فإن تحسن PISA سيأتي كنتيجة طبيعية.

نحن لا نريد طالباً يعرف كيف يجيب عن سؤال PISA فقط.

نريد طالباً يستطيع أن يواجه سؤالاً لم يره من قبل.

وهذه هي المسافة بين التدريب على الامتحان وبناء الإنسان القادر على التعلم.

ماذا تقول لنا PISA 2025 فعلاً؟

لا أعتقد أن نتائج PISA 2025 ينبغي أن تكون مناسبة للجلد أو التبرير.

هي فرصة للمراجعة.

فهي لا تقول إن الطالب الفلسطيني غير قادر.

ولا تقول إن المعلم فشل.

ولا تختزل واقع التعليم الفلسطيني كله.

كما أنها يجب أن تُقرأ في سياق الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية، والفاقد التعليمي، واختلاف نطاق المشاركة بين الدورتين.

لكنها في الوقت ذاته تقدم لنا إشارة لا يجوز تجاهلها.

الإشارة هي أن هناك فجوة كبيرة في نواتج التعلم، وأن نسبة كبيرة من الطلبة لا تصل إلى الحد الأدنى من الكفايات التي تمكنهم من توظيف المعرفة في الرياضيات والقراءة والعلوم.

وهنا لا ينبغي أن نسأل فقط:

لماذا انخفضت الدرجات؟

بل يجب أن نسأل:

أي نوع من التعليم نريد؟

هل نريد تعليماً ينتج حافظين للمعلومات؟

أم تعليماً ينتج قارئين جيدين، ومفكرين، وحلالي مشكلات، ومبدعين، ومتعلمين مدى الحياة، وعاملين قادرين على التكيف مع اقتصاد سريع التغير؟

إن معركة التعليم الحقيقية ليست مع PISA.

وليست مع ترتيب فلسطين.

وليست مع الطالب أو المعلم.

إنها مع نموذج تعليمي يحتاج إلى مراجعة عميقة.

والفاقد التعليمي الذي نراه اليوم يجب ألا يتحول إلى فاقد بشري غداً.

لأن التعليم عندما يتراجع لا نخسر فقط درجات في اختبار دولي؛ بل نخسر جزءاً من رأس مالنا البشري، وقدرتنا على التنمية، وقدرتنا على بناء اقتصاد منتج، وقدرة أجيالنا على صناعة مستقبلها.

ولهذا فإن الاستثمار في التعليم ليس إنفاقاً يمكن تأجيله حتى تتحسن الظروف.

التعليم هو الأداة التي تجعلنا قادرين أصلاً على تحسين الظروف.

وفي النهاية، ربما تكون الرسالة الأهم التي ينبغي أن تخرج بها فلسطين من PISA 2025 هي:

لا نريد أن نعلّم أبناءنا كيف ينجحون في الاختبار؛ نريد أن نعلّمهم كيف ينجحون في الحياة.

وعندما نصل إلى هذه المرحلة، لن تكون PISA هي الهدف.

ستكون مجرد مرآة تعكس نجاحنا في بناء الإنسان الذي يستطيع أن يفهم، ويفكر، ويبدع، ويعمل، ويتعلم، ويعيد بناء ما تهدم.

  • د. عماد سالم – خبير في التعليم والتدريب المهني والتقني وسوق العمل والتنمية والسياسات التعليمية

شاهد أيضاً

جهاز الأمن الوقائي

الأمن الوقائي في قلقيلية يلقي القبض على متهم بإطلاق النار وترويع المواطنين

شفا – استجابةً لشكاوى المواطنين وحرصاً على حماية أمنهم وسلامتهم، تمكن جهاز الأمن الوقائي في …