10:01 صباحًا / 8 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

في واحة الأدب: حوار مع الشاعر والناقد حسن علي المرعي

في واحة الأدب: حوار مع الشاعر والناقد حسن علي المرعي

شفا – حوار:عطا درغام


نستضيف في هذا اللقاء الشاعر والناقد حسن علي المرعي، ليحدثنا بصراحته المعهودة عن كواليس تجربته الشعرية والنقدية، وموقفه من الإعلام الرقمي، والرمزية العميقة التي تسكن قصائده، ممتداً بحديثه إلى قضايا الوطن والالتزام الأخلاقي في الأدب
.المحور الأول: الهوية الإبداعية والنشاط الرقمي

س1: في ظل تراجع دور المنابر الورقية التقليدية، نجحتَ في خلق مساحة تفاعلية واسعة على الفضاء الرقمي؛ كيف تنظر إلى “الإنترنت” اليوم كوسيط بين الشاعر وجمهوره؟


في ظل هذه الثورة في الإعلام الرقمي، حيث أصبح العالم كله مدينة صغيرة كما يقولون، أرى أن الثقافة الرقمية—وفي شقها الأدبي تحديدًا—تنال قسمًا كبيرًا من هذا العالم الافتراضي، والذي فتح الباب على مصراعيه للأدباء الهواة والطموحين دون عدةٍ يحملونها، وقد سمحتْ وسائل التواصل الاجتماعي لكل من هب ودب أن يلقي بدلاءه بين الدلاء.
س2: هل تعتقد أن منصات التواصل الاجتماعي أنصفت الشاعر حسن علي المرعي، أم أنها تظل برأيك “أرشيفاً مؤقتاً” لا يغني عن الدواوين المطبوعة؟
أما أنا فلقد كان لها فضل كبير على نتاجي الأدبي، وفي الشعر تحديدًا؛ ذلك لأن أوساطنا الثقافية ما قبل الرقمية كانت للخواص المقربين من السلطة، وهم على الغالب أرباع شعراء، وهذه الوسائل لا تعرف الواسطة والمحسوبيات؛ ومنذ بدأت بنشر قصائدي بها ألفيت تفاعلًا من جمهور عربي يعرف ظاهر القول وباطنه، ولكل قصيدة قراؤها، وعلى مرِّ السنين اتسعت دائرة المهتمين بشعري، وخاصة من الذين يألفون المعرفة المبطنة التي تلبس رداء الغزل الجميل. وخلاصة جوابي: إن وسائل التواصل الاجتماعي في جانبها الثقافي لها فضل عليّ، ولكنها لا تغني عن الكتاب المطبوع الذي يحفظ الشاعرَ بين دفتيه؛ فلا راحة لشاعر يعتدّ بشعره إلّا ويرى قصائده في ديوان مطبوع.
س3: هناك اتهام دائم للنشاط الأدبي الرقمي بأنه يُغرق الساحة بالغث والسمين؛ كيف يستطيع الناقد في داخلك فرز الإبداع الحقيقي وسط هذا الزخم الإلكتروني؟
نعم، صحيح أن وسائل التواصل الاجتماعي تنشر الغث والسمين؛ ولكن الذائقة الشعرية الجمعية تستطيع أن تميز بين شاعر وشعرور، وحاذق وسارق؛ وهناك من قرائي من يخبرني بأن فلانًا سرق منك شطرًا من قصيدة، بل ومنهم من أخبرني بمن سرق قصيدة كاملة؛ إذن، الذائقة العربية الجمعية سليمة، وتتمايز عن بعضها أفرادًا على حسب ثقافة كل قارئ.
س4: صفحتكم الأدبية يتابعها الآلاف من مختلف الأقطار العربية؛ ما هي الرسالة أو القيمة الأساسية التي تحرص على بثها يومياً لجمهورك؟
أما خواص القراء فلا نقص ولا إبهام لديهم؛ ولكن يبقى شيء من المعنى الذي أقصده غائبًا حتى عن كبار النقاد، وهذا طبيعي؛ لأنني—ودون قصد—أجعل قصيدتي مائدة للعشاق، من المعجبين بالجمال الظاهر للمرأة، إلى المنطلقين من حسنها الظاهر إلى السماء التي صنعت منها أيقونة الجمال الروحاني الذي تناوله المتصوفة، ولكن كان بشعري ذلك الباطن ظاهرًا، وكثيرًا ما كان الظاهر باطنًا؛ وذلك لأنني أبثُّ فلسفتي تحت السطور، وفي المعنى الكلي للقصيدة الواحدة، وأحمد الله أن وصلت بشعري إلى عيون، بل وقلوب الكثيرين.
س5: هل واجهت صعوبات أو قيوداً في تقديم نصوصك النقدية الصارمة عبر بيئة افتراضية تميل غالباً للمجاملات؟
أما حسن علي المرعي ناقدًا، فقد قرأت وأقرأ كل ما تتيح لي الشبكة العنكبوتية؛ فمن أعجبني شعره لا أبخل عليه بوصفه بما فيه من عناصر الجمال، والباقي أكون حيالها مشجّعًا بكلمة “جميل”، أو وردة تقول له: “تابع”. وليس لدي مشاريع نقدية طويلة وعميقة؛ كونني لا أريد أن أشتت اهتمامي، وتكفيني القصيدة التي لا تجلس كثيرًا على كرسي الانتظار بمخيلتي، فأنا سريع الكتابة.

المحور الثاني: أسلوبك الشعري وتحليل قصائدك

س6: تجمع في قصائدك بين نبض القلب البسيط والموسيقى الهادئة الموزونة؛ كيف تُوازن في نصوصك بين الحفاظ على أصالة الوزن الخليلي ومتطلبات التحديث الشعري؟
لم يقف الوزن الخليلي عائقًا أمام أي فكرة أو صورة مهما كانت؛ علمًا بأنني لا أختار البحر الذي ستسير قصيدته على أمواجه، فعلى كيفية البيت الأول تسير القصيدة، وقد تطول كثيرًا.
س7: قصيدتك “هلال العيد” تحمل أبعاداً روحانية واجتماعية واضحة؛ ما هي الظروف الذاتية أو الإنسانية التي ولدت من رحمها هذه القصيدة؟
مجمل قصائدي تبدأ ببيت عفويٍّ على غير موعد؛ ولا أدري، قد يكون الجمال هو المبعث الأول له، ولو على وردة، وعلى حسب انفعالي آناء الكتابة؛ وللوضع السياسي الراهن دور كبير في ذلك.
س8: حظيت قصيدتك “دعاء” بقراءات تفكيكية عديدة من قِبل نقاد وأدباء عرب؛ برأيك، ما هو الخيط السري في تلك القصيدة الذي جعلها جاذبة للمشرق والمغرب العربي على حد سواء؟
ليست قصيدتي “دعاء” هي التي نالت حظًّا من اهتمام النقاد فحسب، فكل شعري المنشور على الفيس بوك نال هذا الحظ بل وأكثر؛ وفي السنوات الخمس الماضية تناولت شعري أقلام النقاد باهتمام واضح، فشرحوا أفكاري لمن غابت عن أفهامهم معانيها الباطنية الجميلة. ولكن قد يكون البعد الإنساني في هذه القصيدة هو ما جعلها مشهورة؛ فكتب الكثيرون عنها كلامًا جميلًا لأنها بدأت بتمجيد الحب من الصديق إلى ليلى التي شاركتْ السماء بجمالها، وأخيرًا بحب الوطن شريفًا، ذا كرامة، قويًّا، لا يساوم على أرضه أو مبادئه أحدًا.
س9: يلاحظ القارئ لقصائدك انتقالاً سلسلاً من “الهم الذاتي الشخصي” إلى “الهم الجمعي العام”؛ كيف تولد اللحظة الشعرية الأولى لديك, وهل تبدأ من الداخل أم من الخارج؟
انتقالي من الخاص إلى العام ليس مدروسًا وأصدقك القول؛ ولكن الهم الجمعي أرضًا وشعبًا، وعوامل إنسانية تبعث على الاهتمام، ومن لا يهتم للهم العام فليس بإنسان، فكيف بشاعر؟!
س10: لو طُلب منك اختيار “مفتاح لغوي” أو كلمة تكررت في نصوصك وتعتبرها تلخيصاً لتجربتك الإبداعية، فماذا ستكون ولماذا؟
تلك الكلمة التي تتكرر بشعري هي: /ليلى/.

المحور الثالث: القضايا الإنسانية والوطنية في شعرك

س11: الشاعر السوري يحمل دائماً في حقيبته وطناً مثقلاً بالتفاصيل؛ كيف تجسدت القضية السورية والهم الوطني الشامل في نتاجك الأدبي؟
ليلى العشق الأنثوي، ليلى العشق الإلهي، وليلى سورية، وليلى الدين والأخلاق والعروبة والسماء؛ وأنا ألبسها الثوب على مقاس القصيدة التي تسكنها. وقد كانت ليلى السورية ظاهرة على قصائدي، ومن لم يرها بعين الوجه أبصرها بعين القلب؛ ليلاي السورية لا تتنازل عن شرفها، ولا تأكل بثدييها ولو أكلتْ أفلاذ قلبها، وليلاي فقيرة الجيوب، غنيةُ الأخلاق، بسيطة الحياة، ولكنها غنية عن العالمين؛ أجسّمها أمامي فأقرّها وأتمتع، وفي كل قراءة أضيف لها نهدًا أو قلادة، وأحب أن يراها قرائي بصرًا وقلبًا، وصلاة حائمةً على الجمال الجغرافي للأنثى والوطن.
س12: بين طيات نصوصك يبرز انحياز واضح للإنسان البسيط وقضاياه اليومية؛ هل ترى أن الشاعر مجبر على أن يكون “صوت من لا صوت لهم”، أم أن الشعر جمالية مجردة؟
لقد آليت على نفسي الالتزام بكل ما يرفع من سوية الأخلاق، ويكسر سكين الغدر والخيانة، ويجعل من المرأة الوطن معيارًا لكل جميل.
س13: في قصائدك الروحانية، نلمس نزوعاً نحو التسامح والسلام؛ كيف يمكن للقصيدة اليوم أن تداوي الشروخ التي خلفتها الصراعات في مجتمعاتنا؟
تداوي الشروخ إذا استطعتُ أن أزرع بكل كلمة وردة، فهذه غايتي؛ وإلّا فالعيب في تاريخ أورثنا الفكر المنحرف، والسكين الغادر، والأفكار المعلبة التي نفخ في كيرها دعاة الجهل والفتنة، ولا أراني قصرت.


س14: كيف تنظر إلى مفهوم “الالتزام في الأدب” اليوم؟ وهل تراه قيداً على حرية الشاعر أم بوصلة توجه إبداعه؟
فبوصلتي خلقٌ جميل، ووطن جميل، وشعب فوق مستوى الشبهات الطائفية والإقليمية.
س15: ما هي القضية الإنسانية الكبرى التي تشعر كشاعر أنك لم تمنحها حقها الكامل في قصائدك حتى الآن، وتطمح للكتابة عنها؟
(تابع الشاعر إجابته ضمنًا في المحور السابق؛ بتأكيده على الالتزام التام بقضايا الشرف، الأخلاق، المرأة، ونبذ الفتن لتظل القصيدة بوصلة نقية تحمي وعي المجتمع).

المحور الرابع: الآراء النقدية وحركية الشعر المعاصر

س16: بصفتك ناقداً، كيف تقرأ المشهد الشعري العربي المعاصر؟ وهل نحن نعيش زمن “انحسار الشعر” كما يدّعي البعض لصالح الرواية؟
فلا أقول بموت الشاعر، فهو حيٌّ ترزقه قصائده عيونًا جميلة وقلوبًا واعية؛ وسيفرد له تاريخ الأدب صفحةً، مثلما أفرد للمتنبي، والجواهري، والبدوي، وشوقي. مقالي الذي أجبت به على أسئلتك أجمل من قصائد النثر التي نقرؤها على الإنترنت؛ وكأنك تقول: ما هذا الشاعر النرجسي؟ أليس كذلك؟ ههههه.
س17: لك آراء ونقاشات حول مفهوم “إمارة الشعر” والمسابقات التلفزيونية الكبرى؛ هل ترى أن هذه المنابر تصنع شاعراً حقيقياً، أم أنها تكرس لـ “شعر الاستعراض”؟
علمًا بأني حصلت على الكثير من الجوائز الأدبية، إلّا أنني لا أعتبرها ميزانًا للشعراء؛ فلا أميرَ عليّ ولو طوّبته أموال الخليج كلها، والحَكَمُ هو القصيدة والذائقة البريئة من عيوب التاريخ والجغرافيا.


س18: ما هي الأدوات النقدية التي يعتمد عليها حسن علي المرعي عندما يجلس ليقرأ نصاً لشاعر آخر؟ وهل تجامل الناقدة فيك عاطفة الشاعر؟
فأنا أميل إلى الذائقة البِكر بالفهم إذا قرأت لغيري، ولا أعتني كثيرًا بالنظريات النقدية الحديثة التي وعيتها ولا آخذ بها؛ فقلبي يقول: “جميل”.
س19: يرى البعض أن النقد العربي الحديث أصبح غارقاً في المصطلحات الغربية المترجمة وبعيداً عن النص؛ ما هي رؤيتك لنقد عربي أصيل وقريب من القارئ؟
النظريات النقدية الحديثة وعيتها ولا آخذ بها؛ والفيصل والأساس عندي هو الذائقة البريئة والقلب الواعي الذي يلامس جوهر القصيدة، ويقرب معانيها الباطنية الجميلة من القراء، بعيدًا عن جفاف المصطلحات المترجمة.


س20: كيف تقيم تجارب “قصيدة النثر” الحالية في الساحة السورية والعربية، وهل تراها امتداداً شرعياً للشعر العربي أم خروجاً كلياً عنه؟


وقد أنفتْ ليلى قصائدي أن تلبس ثوب النثر، لكنها جربته وقالت: “هذا نثر فنيٌّ وحسب”، وما يدعيه كثير من المبهرجين له لا يشنف سمعًا ولا يعلي مقامًا، ولو كانت الأسماء أصغر من كتاباتها؛ فأدونيس أديب فيلسوف، والماغوط ناثرُ الجواهر، وكفى بهما شاهدَين.

المحور الخامس: المساجلات الأدبية وحضورك في الأوساط الثقافية

س21 إلى س24: وتتناول (المساجلات الفكرية، تهميش قامات الأقاليم، الخطوط الحمراء، ومواجهة شللية الصالونات الافتراضية)


هناك في زوايا كثيرة من جغرافيا الوطن العربي شعراء كبار أبعدتهم السياسة، وأفردتهم الطائفية في زوايا النسيان؛ وأخيرًا، لا أؤمن بالشللية الأدبية، ولا بالملتقيات المؤطرة، ولا بالثقافة المنغلقة، ولا بالمنابر السياسية، وأقرأ الجميع؛ محافظًا على استقلاليتي وموضوعيتي بعيدًا عن هذه الأجواء الافتراضية والسياسية الضيقة.
س25: ختاماً، ما هي النصيحة التي يوجهها الشاعر والناقد حسن علي المرعي للأصوات الشعرية الشابة التي تتلمس خطواتها الأولى اليوم عبر فضاء الإنترنت؟


وأنصح مَنْ لم يشملهم الله بموهبة الكلام الشاعري الجميل، أن يقرؤوا مَنْ قال لهم الله: “كونوا شعراءَ”؛ فعسى أن يهبط عليهم وحي الشعر ذات عشق، أو فليعشقوا ليلى مثلي، أعني سورية. تحياتي وأشكركم، وأشكركم، وأشكركم من قلبي صديقي الأديب الإعلامي عطا درغام.. والسلام.

شاهد أيضاً

تشو شيوان

على ضفاف النيل.. سبعون عاما من الصداقة وشراكة تتجه نحو المستقبل ، بقلم: تشو شيوان

على ضفاف النيل.. سبعون عاما من الصداقة وشراكة تتجه نحو المستقبل ، بقلم: تشو شيوان …