
شفا – خاص – تحقيق صحفي: لؤي صوالحة – لا تبدو زيادة نسبة تمثيل النساء في المؤسسات المنتخبة مجرد تعديل رقمي في قانون الانتخابات الفلسطينية، بل تفتح الباب أمام سؤال أوسع يتعلق بطبيعة المشاركة السياسية نفسها: هل يكفي أن تصل النساء إلى المجلس التشريعي كي نكون أمام مشاركة سياسية حقيقية؟ أم أن التحدي الأهم يبدأ بعد الوصول، حين تصبح المرأة أمام اختبار القدرة على التأثير في التشريع وصناعة السياسات والرقابة واتخاذ القرار؟
وبينما ينظر إلى الكوتا باعتبارها إحدى الأدوات لتصحيح اختلال تاريخي في التمثيل السياسي للنساء، تبرز مخاوف من أن تتحول إلى تمثيل عددي لا يغير بالضرورة موازين القوة داخل المؤسسات والأحزاب.
في هذا التحقيق، يناقش لؤي صوالحة مع الناشطة السياسية والحقوقية أمل خريشة والناشطة النسويه عبير الكيلاني حدود الكوتا الجديدة، والعوائق التي يمكن أن تواجه النساء بعد وصولهن إلى المؤسسات المنتخبة، وما المطلوب لتحويل التمثيل من مجرد حضور إلى قوة وتأثير في صناعة القرار.
الكوتا.. هل تفتح باب القرار أم تكتفي بفتح باب المجلس؟
لؤي صوالحة:
مع رفع نسبة تمثيل النساء، تبدو الكوتا خطوة مهمة باتجاه تعزيز حضور المرأة في المجلس التشريعي. لكن السؤال الأساسي الذي يفرض نفسه: إلى أي مدى تستطيع الكوتا أن تضمن وصول النساء إلى مواقع صنع القرار فعلياً، وليس فقط زيادة عدد المقاعد التي تشغلها النساء؟
أمل خريشة:
الكوتا، في الأصل، أداة حقوقية وديمقراطية جاءت لتصحيح اختلال تاريخي في موازين القوة الجندرية، والذي أدى إلى إقصاء النساء عن المشاركة الفعلية في التأثير وصنع القرار. لكنها لا تضمن وحدها وصول النساء إلى مواقع القرار الفعلي.
قد ترفع الكوتا عدد النساء في البرلمان والمجالس المحلية والهيئات السياسية، لكنها لا تكفي وحدها لضمان مشاركتهن المتساوية في صياغة القوانين والسياسات والموازنات، أو في رئاسة اللجان، أو الرقابة على السلطة التنفيذية، أو تحديد الأولويات الوطنية.
وهنا يجب أن نفرق بين مستويين: مساواة الحضور، ومساواة السلطة والتأثير. أن تصل المرأة إلى المجلس التشريعي يعني أنها أصبحت حاضرة في المؤسسة، لكن السؤال الأهم هو: هل تشارك في صياغة القرار؟ هل ترأس اللجان المؤثرة؟ هل تشارك في إدارة الموارد والموازنة؟ وهل تستطيع مساءلة السلطة وممارسة دورها باستقلالية؟
لذلك، لا ينبغي النظر إلى الكوتا باعتبارها منحة للنساء، بل باعتبارها تدبيراً تصحيحياً مؤقتاً يهدف إلى تحقيق المساواة الفعلية في ممارسة المواطنة السياسية.
عبير الكيلاني:
أتفق مع هذا التفريق. الكوتا الجديدة تمثل خطوة مهمة ومتقدمة، لأنها توسع فرص وصول النساء إلى المجلس التشريعي وتضمن حضوراً أكبر لهن داخل المؤسسة المنتخبة.
لكن الوصول إلى المجلس هو الخطوة الأولى وليس الأخيرة. فوجود عدد أكبر من النساء لا يعني تلقائياً أنهن يمتلكن القدرة الفعلية على التأثير في السياسات والقرارات.
نجاح الكوتا يجب ألا يقاس فقط بعدد المقاعد التي تشغلها النساء، وإنما بمدى مشاركتهن في النقاشات واللجان، ووضع التشريعات، وممارسة الرقابة والمساءلة، والتأثير في القرارات.
بمعنى آخر، الكوتا تفتح الباب أمام المرأة، لكن المجتمع والأحزاب والمؤسسات السياسية مطالبة بضمان قدرتها على العبور من باب التمثيل إلى مساحة التأثير.
المشكلة تبدأ بعد الفوز؟
لؤي صوالحة:
إذا افترضنا أن الكوتا نجحت في إيصال عدد أكبر من النساء إلى المجلس التشريعي، فما الذي يمكن أن يقف بعد ذلك أمام ممارسة المرأة لدورها السياسي؟ أين تكمن العقبات الحقيقية: في القانون، أم في الأحزاب، أم في المجتمع؟
أمل خريشة:
العوائق متعددة ومترابطة. هناك عوائق سياسية وانتخابية، وأخرى حزبية ومؤسسية ومجتمعية، إضافة إلى العنف السياسي والانتخابي وعدم تكافؤ الموارد.
سياسياً، يمكن أن تتحول الكوتا إلى تمثيل محدود الأثر إذا لم تضمن وضع النساء في مواقع قابلة للفوز، أو إذا تعاملت القوى السياسية مع ترشيح النساء باعتباره مجرد استجابة شكلية لمتطلب قانوني.
كما أن غياب الانتخابات المنتظمة، وتعطل الحياة البرلمانية، والانقسام السياسي، وضعف المساءلة العامة، كلها عوامل تؤثر في ممارسة المواطنة السياسية.
أما داخل الأحزاب، فالمشكلة أعمق. الأحزاب والقوى السياسية هي المدخل الأساسي للوصول إلى المؤسسات المنتخبة، ولذلك فإن ضعف تمثيل النساء في مواقع القيادة داخل الأحزاب والحركة الوطنية ينعكس مباشرة على فرص وصولهن إلى مواقع القرار.
لا يكفي أن ترشح الأحزاب النساء؛ المطلوب أن تشارك النساء أيضاً في صياغة البرامج، واختيار المرشحين، وتحديد التحالفات، وإدارة الموارد، وصناعة القرار داخل الحزب نفسه.
عبير الكيلاني:
هناك أيضاً تخوفات سياسية حقيقية يمكن أن تواجه النساء المرشحات أو المنتخبات، بما في ذلك الضغوط والتضييق ومخاطر الاعتقال من قبل الاحتلال، وهو ما قد يؤثر في قدرتهن على ممارسة أدوارهن بحرية واستقلالية.
وعلى المستوى الحزبي، يبرز تحدي الثقة بقدرة النساء على اتخاذ مواقف مستقلة. أحياناً قد تميل بعض القوى إلى اختيار نساء لا يُنظر إليهن باعتبارهن صاحبات مواقف قوية أو قدرة على النقاش والمساءلة والمعارضة.
وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً: هل نريد امرأة موجودة في المجلس فقط، أم نريد امرأة تمتلك الكفاءة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار والتعبير عن موقفها باستقلالية؟
هل يمكن أن تتحول الكوتا إلى تمثيل شكلي؟
لؤي صوالحة:
هذا يقودنا إلى سؤال أكثر حساسية: هل يمكن أن تتحول الكوتا نفسها إلى أداة لإنتاج تمثيل نسائي شكلي، إذا كانت النساء يصلن إلى المجلس، لكن القرار الحقيقي يبقى في مكان آخر؟
أمل خريشة:
نعم، هذا الاحتمال قائم إذا اقتصرت الكوتا على إدراج النساء في القوائم دون ضمان مواقع قابلة للفوز، أو إذا بقيت النساء بعيدات عن مواقع القيادة واللجان المؤثرة.
حتى بعد الوصول إلى المؤسسات المنتخبة، يمكن أن يستمر التهميش من خلال إبعاد النساء عن لجان التشريع والموازنة والاقتصاد والرقابة، أو عدم إسناد رئاسة اللجان المؤثرة إليهن، أو حرمانهن من المعلومات والموارد والخبرات.
كما أن حصر النساء في قضايا اجتماعية أو أسرية فقط يكرس تصوراً أبوياً للسياسة، وكأن التشريع والاقتصاد والموازنة والأمن والقرار الوطني مجالات ذكورية.
المعيار الحقيقي إذن ليس: كم امرأة دخلت المجلس؟
بل: كم امرأة شاركت في تحديد القرار وصياغة القوانين وإدارة الموارد ورئاسة اللجان ومساءلة السلطة؟
عبير الكيلاني:
أتفق. الخطر يكمن في أن تصبح المرأة مجرد رقم مطلوب لاستكمال نسبة معينة.
وجود المرأة داخل المجلس يجب أن يكون مرتبطاً بقدرتها على المشاركة والتأثير، لا بمجرد الحضور والتصويت.
ولهذا، فإن الكفاءة والخبرة والقدرة على القيادة عناصر أساسية. لا نريد أن تصبح الكوتا بديلاً عن بناء القيادات النسائية، بل يجب أن تكون وسيلة لفتح المجال أمام هذه القيادات للظهور والمشاركة.
وما الذي يجب أن يحدث داخل الأحزاب؟
لؤي صوالحة:
إذا كانت الكوتا وحدها غير كافية، فهل المطلوب تعديل القانون فقط، أم أن المعركة الحقيقية تبدأ داخل الأحزاب والمؤسسات السياسية نفسها؟
أمل خريشة:
المطلوب حزمة متكاملة من الضمانات. أولها ضمان مواقع قابلة للفوز للنساء، وليس مجرد وضعهن في أسفل القوائم، مع ترتيب واضح وملزم وجزاءات عند المخالفة.
ثانياً، يجب أن تمتد المساواة من العضوية إلى القيادة، بحيث تكون النساء حاضرات في الهيئات القيادية واللجان السياسية والتنظيمية، ويشاركن في اختيار المرشحين وصياغة البرامج واتخاذ القرارات.
كما يجب توفير تمويل انتخابي وإعلامي متكافئ، وحماية قانونية ومؤسسية من العنف السياسي والانتخابي، إلى جانب التدريب في مجالات التشريع والموازنة والرقابة والتفاوض وإدارة الحملات.
والأهم هو ضمان استقلالية المرأة المنتخبة. فهي بعد انتخابها تصبح ممثلة للمواطنين وصاحبة تفويض سياسي، وليست مجرد ممثلة للجهة التي رشحتها.
عبير الكيلاني:
أتفق، وأعتقد أن الأحزاب تتحمل مسؤولية كبيرة هنا. يجب ألا يكون اختيار النساء مرتبطاً فقط باستكمال النسبة التي يفرضها القانون، بل بالكفاءة والخبرة والقدرة على القيادة.
كما ينبغي أن تكون للنساء مساحة حقيقية داخل الأحزاب للمشاركة في إعداد البرامج وصياغة المواقف واتخاذ القرارات، وألا يقتصر دورهن على الحضور أو التصويت.
نحتاج أيضاً إلى برامج مستمرة لبناء قدرات النساء في التشريع والقيادة والمساءلة والتفاوض، وإلى بيئة سياسية تحميهن من التهميش والضغط عندما يعبرن عن مواقف مستقلة أو معارضة.
من التمثيل العددي إلى إعادة توزيع القوة
لؤي صوالحة:
إذن، يبدو أن جوهر القضية لا يتعلق فقط بنسبة النساء في المجلس، بل بما يحدث لموازين القوة بعد وصولهن. هل يمكن القول إن نجاح الكوتا يقاس بقدرتها على إعادة توزيع القوة داخل النظام السياسي؟
أمل خريشة:
بالتأكيد. الكوتا يمكن أن تكون مدخلاً لإعادة توزيع السلطة، لكنها لا تستطيع أن تحقق ذلك منفردة.
إذا أردنا نظاماً سياسياً ديمقراطياً، فلا بد من تحقيق المساواة في التمثيل والتأثير. والمواطنة السياسية لا تكتمل بمجرد امتلاك المرأة حق التصويت أو الترشح، بل تتطلب مساواة فعلية في إدارة الشأن العام وصناعة القرار.
كما أن حماية حقوق النساء والمساواة لا ينبغي أن تُعامل كقضية منفصلة عن المشروع الوطني. في الحالة الفلسطينية، تتداخل مهمات التحرر الوطني مع مهمات البناء الديمقراطي، وبالتالي فإن مشاركة النساء في القرار جزء من بناء النظام السياسي الفلسطيني نفسه.
عبير الكيلاني:
نجاح الكوتا في تقديري لا يقاس فقط بارتفاع نسبة النساء في المجلس، وإنما بمدى قدرتهن على التأثير في القرار وصياغة السياسات وممارسة الرقابة والمساءلة باستقلالية.
الكوتا يجب أن تكون نقطة انطلاق نحو مشاركة سياسية نسائية حقيقية، وليست نهاية المطاف.
السؤال الذي يبقى مفتوحاً
لؤي صوالحة:
في النهاية، قد يكون السؤال الأهم أمام التجربة الانتخابية الفلسطينية الجديدة ليس: كم امرأة ستدخل المجلس التشريعي؟ بل: ماذا ستفعل هؤلاء النساء بعد دخولهن المجلس، وكم ستكون حصتهن من القرار الفعلي؟
فالكوتا تستطيع أن تفتح الباب، لكنها لا تستطيع وحدها أن تضمن أن المرأة ستجلس إلى طاولة القرار، أو أنها ستكون شريكة في صياغة التشريعات والموازنات والسياسات الوطنية.
وبينما تمثل زيادة التمثيل النسائي خطوة ضرورية نحو تصحيح اختلال تاريخي في المشاركة السياسية، فإن الاختبار الحقيقي سيبدأ بعد الانتخابات: داخل الأحزاب، وفي اللجان البرلمانية، وفي مواقع القيادة، وفي القدرة على ممارسة الرقابة والمساءلة، وفي استقلالية النائبات عن الضغوط السياسية والاجتماعية.
وعليه، فإن «امرأة من كل ثلاثة» قد تكون بداية لتغيير المشهد السياسي، لكنها لن تصبح تحولاً ديمقراطياً حقيقياً إلا إذا انتقلت المرأة من مقعد في المجلس إلى موقع في صناعة القرار.
فالرهان ليس على عدد النساء اللواتي يصلن إلى المؤسسة المنتخبة فقط، وإنما على قدرتهن على تغيير طبيعة المؤسسة نفسها، والمشاركة في إعادة توزيع القوة والسلطة، وتكريس مفهوم للمواطنة لا يفرق بين امرأة ورجل في الحق في التمثيل والتأثير وصناعة المستقبل.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.