
مخطط إسرائيلي يعيد رسم الضفة والقطاع ، بقلم : آمنة الدبش
لم تعد معركة القضية الفلسطينية تخاض بالرصاص والدبابات وحدها ولا تتوقف عند حدود الحرب والهدنة بل باتت تمتد إلى محاولة إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني سياسياً وجغرافياً وديموغرافياً بما يجعل قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة أكثر صعوبة ويدفع بالقضية نحو واقع جديد قد يصعب تغييره لاحقاً.
وفي الضفة الغربية وقطاع غزة ورغم اختلاف الأدوات والأساليب تتقاطع النتائج عند عدة أهداف خطيرة تفكيك الجغرافيا الفلسطينية وإضعاف حضورها السياسي، والضغط على الوجود السكاني، وإعادة تعريف القضية باعتبارها ملفاً أمنياً وإنسانياً وإدارياً بدلاً من كونها قضية شعب تحت الاحتلال يطالب بحقه في تقرير مصيره وإقامة دولته.
▪︎ ضم تدريجي وواقع جديد
في الضفة الغربية تقوم إحدى أبرز أدوات المشروع الإسرائيلي على توسيع المستوطنات وترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الأرض بالتوازي مع تغيير طبيعة الإدارة المدنية والقانونية للمناطق الفلسطينية.
وفي يوليو/تموز 2024 خلصت محكمة العدل الدولية إلى أن سياسات وممارسات إسرائيل بما فيها توسيع المستوطنات والبنية التحتية المرتبطة بها واستغلال الموارد الطبيعية وتطبيق القانون الإسرائيلي على أجزاء من الضفة تعمل على ترسيخ السيطرة الإسرائيلية واعتبرت أن هذه السياسات تؤدي إلى ضم أجزاء واسعة من الأرض الفلسطينية المحتلة وتعرقل حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
وتزداد المخاوف في عام 2026م مع خطوات جديدة باتجاه نقل مزيد من الصلاحيات المتعلقة بالأراضي والإدارة المدنية من المؤسسة العسكرية إلى أجهزة مدنية إسرائيلية وهي خطوات يرى محللون أنها تقرب الضفة من واقع الضم الفعل، كما أُقرت عشرات البؤر والمستوطنات الجديدة خلال السنوات الأخيرة في وقت تتواصل فيه أعمال البناء والتوسع الاستيطاني.
الأكثر خطورة أن الأمر لا يقتصر على إقامة مستوطنات جديدة وإنما يتعلق بإعادة رسم الخريطة نفسها تقطيع التواصل الجغرافي بين المدن والقرى الفلسطينية، إحاطة التجمعات الفلسطينية بالطرق والمستوطنات، والسيطرة على مساحات استراتيجية.
▪︎ المخطط الاستيطاني East1
من أبرز الملفات منطقة E1 وهي مساحة استراتيجية واقعة شرق القدس وتمتد بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم وتكتسب أهميتها من موقعها الجغرافي حيث ينظر إلى أي توسع استيطاني واسع فيها باعتباره خطوة يمكن أن تعمق الفصل بين شمال الضفة وجنوبها وتؤثر بصورة مباشرة في إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وعاصمتها القدس الشرقية.
وقد أثارت خطط الاستيطان في هذه المنطقة خلال أغسطس/آب 2026 اعتراضات أوروبية واسعة إذ حذرت دول أوروبية من أن البناء في E1 يمكن أن يقوض إمكانية تطبيق حل الدولتين.
وهنا تكمن أهمية الجغرافيا فالدولة لا تقوم فقط بإعلان سياسي بل تحتاج إلى أرض متصلة ومنافذ وموارد وقدرة على الحركة وكلما جرى تفكيك هذه العناصر تصبح الدولة الفلسطينية أكثر صعوبة حتى لو بقي اسم “حل الدولتين” حاضراً في الخطاب الدولي.
▪︎ العنف الاستيطاني
إلى جانب الاستيطان الرسمي برز خلال 2026م تصاعد لافت في عنف المستوطنين بما في ذلك انتقال الاعتداءات بصورة أكبر إلى مناطق كانت تعد ضمن نطاق الإدارة الفلسطينية.
وتشير تقارير حديثة إلى تحول في نمط عنف المستوطنين من مناطق C إلى مناطق A وB، مع تسجيل توسع في البؤر الزراعية والهجمات قرب المدن الفلسطينية. ويرى باحثون وحقوقيون أن هذا النوع من الضغط يمكن أن يؤدي إلى تهجير السكان تدريجياً من مناطقهم حتى من دون إعلان خطة رسمية للترحيل الجماعي.
وهنا يظهر أحد أخطر أشكال التهجير أن تصبح الحياة اليومية نفسها غير قابلة للاستمرار من خلال العنف ومصادرة الأراضي وقيود الحركة وهدم المنشآت وقطع مصادر الرزق ثم دفع السكان إلى ترك مناطقهم بحثاً عن الأمان.
وقد اعتبرت محكمة العدل الدولية أن سياسات وإجراءات إسرائيل التي تدفع السكان الفلسطينيين إلى مغادرة مناطق في الضفة بما فيها مصادرة الأراضي والحد من الوصول إلى الموارد تتعارض مع حظر النقل القسري للسكان المحميين بموجب القانون الدولي الإنساني.
▪︎ غزة نحو فصل المسارين
أما قطاع غزة فالمعادلة تبدو أكثر تعقيداً فالحرب خلفت دماراً واسعاً ونزوحاً هائلاً فيما تدور المعركة السياسية حول مستقبل القطاع من يديره؟ من يملك السلاح؟ من يتولى الأمن؟ ومن يعيد الإعمار؟
وتشير التطورات الأخيرة إلى طرح نموذج يقوم على نزع سلاح الفصائل وتشكيل إدارة فلسطينية تكنوقراطية ووجود قوة استقرار دولية مع انسحاب إسرائيلي تدريجي مرتبط بمراحل تنفيذ الترتيبات الأمنية.
من حيث المبدأ يمكن أن تكون إعادة إعمار غزة وإنهاء الحرب خطوة نحو حل سياسي لكن الخطر يكمن في أن تتحول إدارة غزة إلى قضية منفصلة عن القضية الفلسطينية ككل بحيث يصبح القطاع ملفاً إنسانياً وأمنياً وإدارياً بينما يجري في الضفة الغربية تثبيت واقع استيطاني وضم متدرج.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً هل يجري التعامل مع غزة والضفة باعتبارهما جزءاً من أرض فلسطينية واحدة أم يجري فصل المسارين بحيث تُدار غزة منفردة بينما تتآكل في الضفة إمكانية قيام دولة فلسطينية؟
ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في ضوء رأي محكمة العدل الدولية الاستشاري لعام 2024م الذي أكد أن الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، تشكل من الناحية القانونية وحدة إقليمية واحدة.
▪︎ إلغاء فكرة الدولة
ربما لا تكمن أخطر مراحل تصفية القضية الفلسطينية في إعلان إلغائها بل في إفراغها من مضمونها السياسي ، فإذا جرى اختزال الفلسطيني إلى نازح يحتاج إلى مساعدات أو سكان غزة إلى ملف إعادة إعمار أو سكان الضفة إلى تجمعات محاصرة بالمستوطنات والطرق العسكرية تصبح القضية شيئاً مختلفاً تماماً عن جوهرها شعب يطالب بالحرية وتقرير المصير وإنهاء الاحتلال وإقامة دولة مستقلة ومن هنا تبدو المعركة على الأرض مرتبطة مباشرة بالمعركة على السياسة.
كل مستوطنة جديدة وكل طريق يقطع التواصل بين التجمعات الفلسطينية وكل مساحة تُضم فعلياً، وكل عملية تهجير، وكل فصل إداري بين غزة والضفة يمكن أن يغير شروط أي تسوية مستقبلية.
هل نحن أمام خطة واحدة؟
من المهم هنا عدم التعامل مع كل الإجراءات الإسرائيلية باعتبارها بالضرورة جزءاً من “خطة سرية واحدة” مكتملة التفاصيل فداخل إسرائيل نفسها توجد تيارات وأحزاب ومؤسسات تختلف في رؤيتها لمستقبل غزة والضفة.
لكن ما يمكن رصده بوضوح هو تراكم سياسات واتجاهات عملية توسيع الاستيطان، تعزيز السيطرة الإسرائيلية على الأراضي، تغيير أنماط الإدارة في الضفة، تصاعد العنف الاستيطاني، وإعادة طرح مستقبل غزة باعتباره ملفاً منفصلاً للأمن والإدارة وإعادة الإعمار، وعندما تتراكم هذه الإجراءات فوق بعضها يصبح أثرها السياسي أكبر من كل إجراء منفرد.
فلسطين أمام معركة الحفاظ على الجغرافيا والهوية السياسية ، المعركة المقبلة ليست فقط معركة وقف إطلاق النار أو إعادة إعمار ما دمرته الحرب إنها معركة الحفاظ على وحدة الأرض الفلسطينية وعلى حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وعلى إمكانية قيام دولة ذات سيادة وقابلة للحياة.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضراً أمام المجتمع الدولي ليس فقط: كيف نوقف الحرب؟ بل أيضاً ما شكل فلسطين التي ستبقى بعد الحرب؟
فإذا انتهت الحرب في غزة بينما استمر تفكيك الضفة وضم الأرض وتوسيع المستوطنات وتهجير الفلسطينيين من مناطقهم فإن انتهاء القتال لن يعني بالضرورة انتهاء الصراع.
قد يعني ببساطة انتقال المعركة من صوت المدافع إلى خرائط الأرض ، وهذه هي النقطة الأكثر خطورة أن تصبح تصفية القضية الفلسطينية عملية تدريجية لا تحتاج إلى إعلان رسمي لأنها تحدث على الأرض خطوة بعد خطوة بينما يبقى العالم منشغلًا بإدارة الأزمات بدل منع تغيير الواقع الذي سيجعل أي حل سياسي مستقبلي أكثر صعوبة.
- – آمنة الدبش – صحفية وكاتبة من قطاع غزة
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.