
هل أصبح المجلس التشريعي للفقراء ممنوعاً ؟ بقلم: المهندس غسان جابر
انتخابات بين المال والماكينات… فأين تذهب الكفاءة؟
في فلسطين، قد لا تحتاج إلى أن تكون غنياً كي تصبح نائباً، لكنك تحتاج إلى ما يكفي من المال كي يعرف الناس أنك موجود أصلاً.
قد تبدو هذه الجملة قاسية، لكنها تستحق أن تُقال ونحن نقترب من انتخابات المجلس التشريعي.
فالسؤال الحقيقي ليس فقط: من سيترشح؟ ومن سيفوز؟ ومن سيشكل التحالفات؟
السؤال الذي يجب أن يسبق كل ذلك هو:
هل يخوض الجميع هذه الانتخابات من خط البداية نفسه؟
الإجابة الصريحة: لا.
هناك قوائم تدخل المنافسة وهي تحمل معها تاريخاً تنظيمياً طويلاً، وقواعد جماهيرية، وماكينات انتخابية، وقدرات إعلامية ومالية وشبكات واسعة من العلاقات.
وفي المقابل، هناك قوائم جديدة ومستقلة تضم أطباء ومهندسين وأساتذة جامعات وخبراء وشباباً ونساءً، تملك الكفاءة والبرنامج والرؤية والرغبة في التغيير، لكنها لا تملك ماكينة حزبية ضخمة ولا خزينة انتخابية مفتوحة.
وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجاً:
هل نحن أمام منافسة بين البرامج، أم أمام منافسة بين الماكينات؟
عندما يصبح المال بوابة إلى الناخب
لا أحد يستطيع أن ينكر أن الانتخابات تحتاج إلى المال.
الحملة تحتاج إلى إعلام، وتنقل، ولقاءات، وحضور رقمي، وتنظيم ميداني.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المال من وسيلة لإدارة الحملة إلى شرط غير معلن للمنافسة السياسية.
القائمة التي تملك المال تستطيع أن تكون موجودة في كل مكان.
تظهر في الإعلام، وتنظم اللقاءات، وتطلق الحملات، وتبني حضوراً ميدانياً ورقمياً واسعاً.
أما القائمة التي لا تملك المال، فقد تمتلك برنامجاً أفضل، ومرشحين أكثر كفاءة، وأشخاصاً أكثر نزاهة، لكنها قد لا تستطيع حتى أن تجعل المواطن يعرف أنها موجودة.
وهنا تقع المفارقة:
المال لا يشتري الصوت دائماً، لكنه يستطيع أن يشتري الطريق المؤدي إلى الصوت.
وهذا هو جوهر المشكلة.
فشراء الصوت صورة فجة من صور المال السياسي، ويمكن مواجهتها وملاحقتها.
لكن هناك صورة أكثر نعومة وأشد تأثيراً: أن يشتري المال القدرة على الظهور، والوصول، والتأثير، وصناعة الحضور، قبل أن يضع المواطن صوته في الصندوق.
وهنا تصبح المنافسة مختلة حتى لو كان الصندوق نفسه نزيهاً.
الديمقراطية لا تبدأ عند الصندوق
هناك من يختصر نزاهة الانتخابات في يوم الاقتراع:
صندوق آمن،
ورقة سرية،
فرز شفاف،
نتائج معلنة.
كل ذلك ضروري.
لكنه لا يكفي.
لأن الديمقراطية لا تبدأ عندما يدخل المواطن غرفة الاقتراع.
الديمقراطية تبدأ من الطريق المؤدي إلى صندوق الاقتراع.
هل استطاعت كل قائمة أن تصل إلى المواطن؟
هل أتيح لكل مرشح أن يقدم برنامجه؟
هل سمع المواطن الجميع، أم سمع من كان صوته أعلى لأنه أنفق أكثر؟
هل كانت المنافسة بين الأفكار، أم بين القدرة على شراء الحضور؟
إذا كان طرف يستطيع أن يطرق باب كل بيت، وطرف آخر لا يستطيع أن يطرق سوى أبواب محدودة، فهل يمكن أن نقول إن الفرصة كانت متساوية؟
الناخب لا يستطيع أن يختار ما لا يعرفه، والقائمة لا تستطيع أن تصل إلى من لا تستطيع الوصول إليه.
ولهذا فإن نزاهة الصندوق وحدها لا تكفي.
نحتاج إلى عدالة انتخابية.
هل أصبح المجلس التشريعي للأغنياء؟
لنضع السؤال على الطاولة بلا تجميل:
هل أصبح المجلس التشريعي للفقراء ممنوعاً؟
لا أقصد بالفقراء فقط أصحاب الدخل المحدود.
أقصد كل من لا يمتلك وراءه فصيلاً كبيراً، أو ماكينة انتخابية، أو شبكة مصالح، أو قدرة مالية ضخمة.
ماذا يفعل الطبيب الذي أمضى سنوات في خدمة الناس؟
ماذا يفعل المهندس الذي بنى خبرته بعيداً عن السياسة؟
ماذا يفعل الأستاذ الجامعي الذي يمتلك مشروعاً لإصلاح التعليم؟
ماذا يفعل الخبير الاقتصادي الذي يعرف أين تكمن أزماتنا؟
ماذا يفعل الشاب الذي يريد أن يدخل الحياة العامة من باب المستقبل لا من باب الماضي؟
ماذا تفعل المرأة التي تمتلك الكفاءة والإرادة، لكنها لا تمتلك شبكة سياسية أو قدرة مالية كبيرة؟
هل نقول لهؤلاء:
أهلاً بكم في الانتخابات… ولكن ادفعوا أولاً؟
إذا أصبحت الإجابة كذلك، فالمشكلة لم تعد مشكلة مرشح أو قائمة.
نحن أمام مشكلة في بنية الديمقراطية نفسها.
فالمجلس التشريعي ليس نادياً للأثرياء.
وليس جائزة لمن يملك أكبر ماكينة انتخابية.
وليس امتداداً تنظيمياً لأي فصيل.
إنه مؤسسة يفترض أن تكون صورة عن المجتمع الفلسطيني، بكل طبقاته وفئاته وكفاءاته.
الوطن للأغنياء… والوطنية للفقراء؟
هناك مفارقة فلسطينية مؤلمة تستحق أن نتوقف عندها، ولكن من دون مزايدة أو اتهام:
أحياناً يبدو أن الوطن للأغنياء، والوطنية للفقراء.
الغني يستطيع أن يمول حملة، ويستثمر في الإعلام، ويبني شبكة علاقات، ويدخل المنافسة بأدوات واسعة.
أما صاحب الكفاءة الذي لا يملك المال، فقد يُطلب منه أن يكون وطنياً، وأن يخدم، وأن يضحي، وأن ينتظر.
ليس المقصود هنا مهاجمة الأغنياء.
فالثروة ليست تهمة، ورجل الأعمال الوطني يمكن أن يكون شريكاً حقيقياً في بناء الوطن.
لكن الخط الأحمر هو أن تتحول الثروة إلى نفوذ سياسي، والنفوذ السياسي إلى قدرة على احتكار القرار.
الوطن ليس ملكاً للأغنياء.
والوطنية ليست تعويضاً للفقراء عن حقهم في المشاركة.
الوطن ملك للجميع، والسياسة حق للجميع، والبرلمان يجب أن يكون مفتوحاً أمام الجميع وفق الكفاءة والنزاهة والبرنامج، لا وفق حجم الجيب أو قوة الماكينة.
وهذه هي النقطة التي يجب أن نكون واضحين فيها.
المشكلة ليست في الفصائل… بل في احتكار الفرصة
لنكن أكثر دقة.
وجود الفصائل في الانتخابات ليس مشكلة.
الفصائل جزء من التاريخ السياسي الفلسطيني، ولها جمهورها وأنصارها وحقها في المشاركة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الفوارق الهائلة في الإمكانات التنظيمية والمالية والإعلامية إلى فوارق هائلة في فرص الوصول إلى الناخب.
ليس من العدل أن نقول لقائمة جديدة:
«نافسوا».
ثم نضعها أمام منظومة انتخابية تمتلك أدوات تراكمت على مدى عقود.
وليس من المنطقي أن نقول:
«الناخب هو الحكم».
نعم، الناخب هو الحكم.
لكن لكي يكون حكمه مستنيراً وعادلاً، يجب أن يسمع الجميع.
فليس المطلوب أن نساوي بين النتائج، بل أن نساوي بين فرص الوصول إلى الناخب.
وهذه نقطة جوهرية.
القائمة الغنية ليست بالضرورة سيئة.
والقائمة الفصائلية ليست بالضرورة سيئة.
والقائمة المستقلة ليست بالضرورة جيدة.
لكن النظام الانتخابي يصبح غير عادل عندما يتحول المال إلى معيار غير معلن لتحديد من يملك فرصة أكبر في أن يُسمع.
فلسطين لا تعاني من نقص الكفاءات
فلسطين ليست فقيرة بالكفاءات.
لدينا أطباء ومهندسون وأكاديميون وخبراء اقتصاديون وقانونيون وتقنيون وشباب ونساء، داخل الوطن وخارجه.
لدينا فلسطينيون بنوا مؤسسات وشركات ونجحوا في أصعب البيئات.
لكننا نواجه مشكلة مختلفة:
لدينا كفاءات كثيرة، لكن فرصاً قليلة للوصول.
وهذا أخطر من نقص الكفاءات.
لأن الدولة التي تغلق أبواب السياسة أمام الكفاءة، ثم تشتكي من ضعف الأداء السياسي، تشبه من يغلق نافذته ثم يشتكي من قلة الهواء.
نحن بحاجة إلى مجلس تشريعي جديد في تركيبته وعقليته.
مجلس لا يدخل إليه الطبيب لأنه طبيب، ولا المهندس لأنه مهندس، ولا الأكاديمي لأنه أكاديمي.
بل يدخل إليه هؤلاء لأن لديهم مشروعاً سياسياً، وبرنامجاً وطنياً، وكفاءة تشريعية، وقدرة على الرقابة والمساءلة.
نريد شباباً لا يرثون السياسة، بل يجددونها.
ونريد نساء لا تكون مشاركتهن مجرد استكمال للعدد، بل حضوراً حقيقياً في صناعة القرار.
ونريد خبرات تعرف كيف تبني دولة، لا كيف تدير أزمة.
لا نريد برلماناً يعيد إنتاج نفسه
فلسطين لا تحتاج انتخابات تعيد إنتاج المشهد السياسي نفسه، ثم تطلب من الناس أن يتوقعوا نتائج مختلفة.
إذا كانت المعادلة:
من يملك المال أكثر؟
من يملك التنظيم أكثر؟
من يملك النفوذ أكثر؟
من يملك الدعاية أكثر؟
فلا ينبغي أن نتفاجأ إذا جاءت النتائج نسخة أخرى من الماضي.
أما إذا أردنا تغييراً حقيقياً، فعلينا أن نغير قواعد المنافسة.
نريد سقفاً واضحاً للإنفاق الانتخابي.
نريد شفافية كاملة في مصادر التمويل.
نريد رقابة حقيقية على المال السياسي.
نريد منع التمويل المجهول وغير المعلن.
نريد مساحة إعلامية عادلة.
ونريد أن تحصل القوائم الجديدة والمستقلة على فرصة حقيقية لعرض برامجها.
لا نريد أن نعرف كم أنفق المرشح حتى يصل؛ نريد أن نعرف ماذا سيفعل عندما يصل.
لا نريد إقصاء الأغنياء… نريد إقصاء المال عن صناعة القرار
لنكن منصفين:
ليس كل غني فاسداً.
وليس كل فقير نزيهاً.
وليست كل قائمة فصائلية سيئة.
وليست كل قائمة مستقلة جيدة.
المعيار ليس جيب المرشح.
المعيار هو نزاهته وكفاءته وبرنامجه وموقفه من المال العام وقدرته على خدمة الناس.
لكن ما نرفضه هو أن يصبح المال هو العامل الذي يحدد أي مرشح يستطيع أن يُسمع صوته، وأي برنامج يستطيع أن يصل، وأي قائمة تستطيع أن تحضر، وأي كفاءة تبقى في الظل.
نحن لا نريد إقصاء الأغنياء من البرلمان؛ نريد إقصاء المال عن صناعة القرار.
وهذا فرق كبير.
إلى الناخب الفلسطيني
المعركة الحقيقية ليست فقط بين القوائم.
المعركة داخل وعي الناخب نفسه.
هل سينتخب الاسم الذي يراه أكثر؟
أم الشخص الذي يقرأ برنامجه؟
هل سينتخب من يملك ماكينة انتخابية؟
أم من يملك رؤية؟
هل سيمنح صوته للماضي لأنه مألوف؟
أم يمنحه للمستقبل لأنه ضروري؟
صوت المواطن ليس سلعة.
وليس مكافأة لمن يملك المال.
وليس إرثاً سياسياً.
صوت المواطن قرار.
ولهذا يجب أن يسأل كل ناخب نفسه قبل أن يضع صوته:
هل أنا أنتخب من أعرفه أكثر، أم من أراه أكثر؟
وهناك فرق كبير بين الاثنين.
المجلس التشريعي ليس جائزة
المجلس التشريعي ليس جائزة للفصيل الأكثر تنظيماً.
وليس مكافأة للمرشح الأكثر إنفاقاً.
وليس منصة للوجاهة الاجتماعية.
إنه مؤسسة يفترض أن تشرّع، وتراقب، وتحاسب، وتحمي المال العام، وتدافع عن حقوق الناس، وتضع الأسس القانونية لدولة فلسطينية حديثة.
ولهذا يجب أن يكون السؤال لكل قائمة ولكل مرشح:
ماذا ستفعلون عندما تصلون؟
لا:
كم ستنفقون حتى تصلوا؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يتصدر الانتخابات.
لأن فلسطين لا تحتاج مزيداً من النواب الذين يجيدون الوصول إلى الكرسي.
فلسطين تحتاج إلى نواب يجيدون العمل من أجل الناس بعد الوصول إليه.
نقول : لا نريد من يشتري الطريق… نريد من يفتح الطريق
في النهاية، القضية ليست قائمة غنية وقائمة فقيرة.
القضية ليست فصيلاً ومستقلاً.
القضية ليست مالاً ضد فقر.
القضية هي: أي ديمقراطية نريد؟
هل نريد ديمقراطية يكون فيها صندوق الاقتراع نزيهاً، لكن الطريق إليه غير متكافئ؟
أم نريد ديمقراطية تعطي الجميع فرصة حقيقية لكي يسمعهم المواطن قبل أن يختار؟
لا نريد مجلساً تشريعياً للأغنياء.
ولا نريد مجلساً للفصائل وحدها.
ولا نريد مجلساً للماكينات الانتخابية.
ولا نريد مجلساً يعيد تدوير الماضي بأسماء جديدة.
نريد مجلساً للشعب.
مجلساً يستطيع أن يدخله ابن المدينة وابن القرية وابن المخيم، والشاب والمرأة، والطبيب والمهندس والأكاديمي والعامل ورجل الأعمال؛ لا لأن خلف كل واحد منهم مليونيراً أو فصيلاً، وإنما لأن خلفه ثقة الناس وكفاءته ونزاهته وبرنامجه.
وإذا كان صاحب المال يستطيع أن يشتري الحضور، وصاحب النفوذ يستطيع أن يشتري المساحة، وصاحب الماكينة يستطيع أن يشتري الطريق إلى الناخب، بينما يقف صاحب الكفاءة عاجزاً لأنه لا يملك ثمن حملته…
فلا تسألوني بعد ذلك لماذا فقد الناس ثقتهم بالسياسة.
اسألوا من جعل السياسة باباً يحتاج إلى مفتاح مالي.
واسألوا من جعل الوصول إلى البرلمان أصعب على صاحب الكفاءة من صاحب المال.
واسألوا من أقنع الناس بأن الديمقراطية تعني فقط أن يضعوا ورقة في الصندوق، بينما تُحسم المنافسة الحقيقية قبل أن يصلوا إليه.
أنا لا أريد مجلساً يضم من استطاع أن يدفع أكثر.
أريد مجلساً يضم من يستطيع أن يفعل أكثر.
لأن فلسطين لا ينقصها من يملك المال، ولا ينقصها من يملك الشعارات.
فلسطين ينقصها نظام يعطي من يملك الكفاءة فرصة، ويعطي من يملك الإرادة طريقاً، ويعطي المواطن حقاً حقيقياً في الاختيار.
فإذا كان الوطن للأغنياء، والوطنية للفقراء، فإننا نكون قد أخطأنا في الاثنين.
الوطن ليس لمن يملك المال، والوطنية ليست لمن يملك الكلام.
الوطن لمن يخدمه، ويحميه، ويبني مؤسساته، ويحترم شعبه.
ولهذا أقولها بلا مواربة:
لا أريد برلماناً يُقاس فيه النائب بما دفعه حتى يصل؛ أريد برلماناً يُقاس فيه بما قدّمه بعد أن وصل.
فالبرلمان الذي يُغلق بابه أمام الكفاءة لا يصبح مجلساً تشريعياً للأغنياء فقط… بل يصبح دليلاً على أن الديمقراطية نفسها أصبحت فقيرة.
- – م. غسان جابر – الخليل
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.