
شفا – (شينخوا) متى كانت آخر مرة نُصحت فيها بأن تأكل جيدا، أو نصحت أحدا بأن يأكل جيدا؟
في الآونة الأخيرة، حقق الفيلم الصيني “مرحبا بكم في مطعم التنين”، الذي يشارك فيه عدد كبير من الممثلين العرب، نجاحا لافتا في شباك التذاكر، وجذب اهتمام الجمهور الصيني والعربي على حد سواء. وتدور أحداث الفيلم حول الطباخ الصيني شيوي فو، الذي يقرر السفر إلى إحدى دول الشرق الأوسط للعمل في مطعم صيني لتأمين لقمة العيش وسداد ديونه، لكن يفاجأ بانقلاب الأوضاع هناك بين عشية وضحاها، حيث عم الخطر وأضحت حياة الجميع مهددة. وفي خضم الحرب، يتكاتف شيوي فو مع زملائه في مطعم التنين لحماية الأطفال ويقفون سندا لبعضهم البعض في وجه المحن.
في قلب الفيلم، ورغم الحرب المشتعلة، تخلو المشاهد من الأبطال الخارقين، ولا توجد الشعارات الحماسية المعهودة. بدلا من ذلك، هناك عبارة بسيطة تتردد كنبض ثابت طوال العمل: “كُل جيدًا”، هذه العبارة ليست مجرد دعوة للطعام، بل هي رمز للإصرار على الحياة وتأكيد على الإنسانية حتى في أحلك الظروف.
في الفلسفة الصينية، يعتبر الطعام من أسس الحياة. وفي أحداث الفيلم، حيث تتطاير النيران ويتمزق النسيج الإجتماعي وتتصارع المعسكرات، يأتي التمسك بـ”إطعام الأطفال وجبات ساخنة” كفعل بسيط، لكنه يحمل في طياته عمقا فلسفيا، ويضفي على الفيلم بعدا إنسانيا آسرا.
أحمد محمد جابر، وهو مدون طعام عراقي يعيش في الصين منذ 12 عاما ويحظى بأكثر من 15 مليون متابع، وكان أحد المشاركين في الفيلم. قال إن بعد قدومه إلى الصين، أصبح “الأكل جيدا” جزءا من حياته اليومية، ولكن هذه الحياة اليومية البسيطة “أمر عظيم جدا”.
في مطعم “ألف ليلة وليلة” العربي في بكين، ينهمك مالك منذر، مدير المطعم سوري الجنسية، في العمل تماما مثل مدير مطعم التنين في الفيلم، إذ يظل يتنقل بين الصالة والمطبخ لمتابعة رضا الزبائن بغض النظر عن جنسياتهم. وقال: “الأكل جيدا أمر مهم جدا”، وهو الشخص المعني بمتابعة هذا الأمر، فيكون جل اهتمامه هو ما إن كان الطعام جيدا ويناسب أذواق الزبائن وما إن كانوا مستمتعين به.
من سنابل القمح على طول نهر دجلة إلى بساتين النخيل في دلتا النيل، تعد منطقة الشرق الأوسط إحدى مهاد الحضارة الزراعية للبشرية، حيث تنتج محاصيل زراعية مميزة كالتمر والرمان والتين. وما زالت حكمتها في الري وموروثها الزراعي وثقافتها الغذائية تؤثر في حياة الناس اليومية في مناطق مختلفة حول العالم. وفي هذا الإطار، تبقى عبارة “كُلْ جَيِّداً” نصيحة مليئة بالدفء نفسه، وتعبيرا عن عناية إنسانية تتجاوز الحدود.
ورغم المسافات الجغرافية الشاسعة التي تفصل بينهما، إلا أن عبارة “كُلْ جَيِّداً” تحمل في طياتها قاسما مشتركا يربط الصين والشرق الأوسط، ففي كلتا الثقافتين يتجاوز الطعام كونه وسيلة للبقاء، فهو تعبير عن الكرم والدفء والاهتمام بالآخر.
أما أنا (المحررة) فقد عملت في قطاع غزة لفترة في الماضي. ومع نهاية كل يوم عمل شاق، كانت وجبة ساخنة أو حساء دافئ كفيلة بالتخفيف من التوتر الروحي والتعب الجسدي. وفي تلك الأيام، غالبا ما كان يدعوني زميل عربي محلي إلى منزله لتناول الطعام عندما نكون مشغولين في العمل ولا يتسنى لي الوقت لإعداد الطعام. وعلى الرغم من النقص الحاد في المواد الغذائية، كانت زوجته دائما تبذل ما في وسعها لتحضير أطعمة متنوعة لنا. كانت تقول لي دائما “إنك نحيفة للغاية وتبدين شاحبة، يجب أن تتناولي الطعام جيدا”. “كُلْ جَيِّداً”، كان سماع هذه العبارة المألوفة في بلد غريب عني يشعرني وكأنني عدت لأحضان وطني، فيملأ قلبي دفئا وطمأنينة لا حدود لهما.
وفي مشهد النهاية، يحمل فيلم “مرحبا بكم في مطعم التنين” رسالته الأعمق عبر لحظة بسيطة ومؤثرة، الطفل اليتيم سيف، الذي كان يوما ضحية للحرب يعتمد على وجبة ساخنة من معلمه شيوي فو، يكبر ليصبح طباخا يقف بجانب الموقد، ويعد طبق “هوي فان” (الأرز المقلي) الذي تعلمه من معلمه، فأصبح قادرا على منح الآخرين ما تلقاه يوما، وجبات دافئة وأمان وأمل.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.