
مبادرة الرئيس شي جين بينغ: جهد صيني ينبغي التمسك به لحل الصراع ، بقلم: حسني شيلو
في الوقت الذي تمر فيه القضية الفلسطينية بأسوأ مراحلها، وتخلّى عنها العرب والعجم، إلا من باب فرض الوصاية بذريعة الإصلاح، يكاد العالم، بمختلف دوله، يصوّر نفسه بوصفه حامياً للديمقراطية ومساهماً في ارتقاء البشرية، فيما تبدو فلسطين وكأنها وحدها أسيرة «الحكم الديكتاتوري» و«الفساد»، وقد غابت دول كثيرة عن مشهد الإبادة الجماعية، وغيّبت معها مبادئ حقوق الإنسان، ولم تقدّم سوى بيانات التعبير عن القلق والإدانة اللفظية، واليوم، لا يكاد أحد يتحدث عن القضية الفلسطينية إلا عبر بوابتي الانتخابات والإصلاح.
ندرك أنه في الأزمات وأوقات الشدة يظهر الصديق الوفي والحقيقي؛ ذلك الذي يؤمن بالمبادئ ويدافع عن قيم البشرية والمصير المشترك، وهذا ما نراه في بكين، حيث أكد الرئيس الصيني، خلال لقائه بالعاهل الأردني، أن القضية الفلسطينية «تمثل جوهر قضايا الشرق الأوسط»، وكأنه يعيد تذكير العالم بها، وبأن بلاده ما زالت ترى فيها حجر الزاوية في سياستها الخارجية تجاه منطقة الشرق الأوسط، وفي الصين قول مأثور: «السفر ميزان الخيل، والوقت ميزان الصداقة»، ولذلك سيظل الشعب الصيني صديقاً حميماً وحقيقياً للشعب الفلسطيني.
وفي السنوات الأخيرة، رسّخ الرئيس الصيني شي جين بينغ موقف بلاده الداعم للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، عبر سلسلة من المبادرات والرؤى والمقالات والتصريحات الرسمية، واليوم، يطرح الرئيس شي جين بينغ التمسك بأربعة مبادئ للدفع نحو حل القضية الفلسطينية، وهي بمثابة خارطة طريق دولية، تتمثل في التمسك بالحل السياسي، ودفع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي إلى استئناف مفاوضات السلام وفق مبدأ «حل الدولتين» باعتباره المسار الإجباري، وصولاً إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في أقرب وقت ممكن.
وفي الوقت الذي تنسف فيه دولة الاحتلال حل الدولتين عبر إجراءاتها المتواصلة ضد الشعب الفلسطيني، يذكّرنا الرئيس شي جين بينغ بإمكانية وقف المسار الإسرائيلي الأحادي الجانب من خلال الضغط الدولي، وكأنه يمنح الشعب الفلسطيني أملاً بأن دولته المستقلة ستقوم، وهذا الطرح يزعج الجانبين الأميركي والإسرائيلي، اللذين يحاولان طمس القضية الفلسطينية ووضع العراقيل أمام قيام الدولة الفلسطينية.
أما المبدأ الثاني، فهو التمسك بمبدأ «حكم فلسطين من قبل الفلسطينيين»، ففلسطين دار لجميع الفلسطينيين، وينبغي اتباع هذا المبدأ للدفع نحو إدارة الضفة الغربية وإعادة إعمار قطاع غزة بعد الحرب، ويعبّر ذلك عن موقف واضح وصريح تجاه عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو ما تنطلق منه السياسة الخارجية الصينية، ويأتي ذلك في الوقت الذي تحاول فيه قوى إقليمية ودولية فرض الوصاية، أو فرضتها بالفعل على قطاع غزة، عبر مندوب سامٍ جديد، إلا أن جمهورية الصين الشعبية ترسّخ مبدأ أن حكم فلسطين يجب أن يكون عبر الفلسطينيين، وأن إعادة إعمار غزة ينبغي أن تتم بقرار فلسطيني.
والمبدأ الثالث يقوم على ضرورة التمسك بالإنسانية؛ إذ يجب على المجتمع الدولي، وخاصة مجلس الأمن الدولي، أن يضطلع بمسؤولياته من خلال خطوات ملموسة لحماية المدنيين، وضمان إيصال المساعدات الإنسانية، ومنع الكوارث الإنسانية، وفي الوقت الذي ذرف فيه البعض الدموع على الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ثم عادوا إلى أصولهم الاستعمارية، باتوا يرون في دولة الاحتلال جزءاً من منظومتهم الأخلاقية، في عودة إلى فكر «السيّد الأبيض»، حيث لا تزال بقايا الاستعمار تتغلغل في تفكيرهم، أما أصحاب الحضارة والتقدم، فيرون الأمر على نحو مختلف؛ فالإنسانية، كما تراها الصين، حزمة متكاملة ينبغي الدفاع عنها والتمسك بها، وبذلك، يرى الرئيس الصيني أن مجلس الأمن بات عاجزاً عن اتخاذ الخطوات اللازمة للقيام بمسؤولياته، وأصبح رهينة لبعض القوى، وهو ما يؤكد أن النظام الدولي بحاجة إلى إصلاح منظومته.
والمبدأ الرابع هو التمسك بالعدل والإنصاف، وإيجاد حل شامل وعادل ودائم للقضية الفلسطينية في أسرع وقت، على أساس القانون الدولي، بما يهدف إلى معالجة القضية من أعراضها ومسبباتها في آن واحد، ومن خلال تحركات عملية، فنحن اليوم أمام مشهد يحاول اختزال القضية الفلسطينية في رزمة من المساعدات الغذائية، وأخرى من الإجراءات الأمنية، بينما ترى الصين أن الحل يكمن في منح الشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية العادلة والمشروعة كاملة.
إن المبادئ الأربعة التي تحدث عنها الرئيس الصيني تمثل خطوات وخارطة طريق لإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية على طاولة الأجندات الدولية، وفي عالم اليوم، تجسّد جمهورية الصين الشعبية قوة عالمية تتمسك بالقيم والمبادئ الأخلاقية، وتنتصر لحقوق الشعوب المضطهدة، وعلينا، كفلسطينيين، أن نلتقط هذه المبادئ الأربعة، وأن نعمل مع الصين والمجتمع الدولي لتحويلها إلى خارطة طريق دولية ومبادرة صينية قد لا تقطع الطريق على مخططات ترامب ونتنياهو، لكنها قادرة على إرباك حساباتهما.
وفي الآونة الأخيرة، تحوّل الشرق الأوسط إلى ساحة للمنافسة الدولية، فالقوتان العظميان، الولايات المتحدة والصين، تتنافسان في المنطقة، ولكن باستراتيجيتين مختلفتين كلياً وأهداف متباينة، فالصين تعتمد التنمية الشاملة، وتهدف من خلالها إلى إيجاد أرضية للتعاون المشترك، تؤسس لعلاقات قوية تقود إلى حل النزاعات على أساس المصالح المتبادلة والتفاهم المشترك، أما الاستراتيجية الأميركية، فتقوم على سياسة الإملاءات، وتوجيه الضغوط والتدخل المباشر في سياسات الدول، ورفع مستويات الردع بما يحقق أهدافها ويخدم مصالحها الحيوية.
وهذا ما يوجب التقاط المبادرة الصينية وتكثيف الجهود لتحويلها إلى مبادرة دولية تطرح أمام مجلس الأمن، فأي خرق في هذا الجانب، وأي أخذ للصين بالدور الأميركي، سيغيّر بالضرورة شيئاً في معادلة قضيتنا، وخصوصاً أن ما يميز السياسة الصينية هو قدرتها الفريدة على نسج علاقات طيبة مع الأطراف المتناقضة، من دون أن يؤثر ذلك في متانة علاقاتها مع أي منها.
إن الشعار الذي ترفعه الصين هو تحقيق السلم والتطور لجميع الدول، من خلال التعاون المبني على الثقة المتبادلة والمساواة والمنفعة المتبادلة والفوز المشترك والتطور والازدهار المشترك، وما يميز هذه الاستراتيجية الصينية هو السعي إلى السلام والتنمية، والرغبة في التعايش مع الآخر بما يقود إلى تفاهم أكبر، يتجاوز الحكومات ليصل إلى الشعوب، وهذا ما يحقق الاستقرار الفعلي من وجهة النظر الصينية.
وترى الصين أنه في عصر الانفتاح أصبح المصير مشتركاً، فما يؤثر في بلد ما لا بد أن يترك أثراً في أماكن أخرى من العالم، ومن هنا، فإن الطرح الصيني تجاه القضية الفلسطينية نابع من هذه الاستراتيجية، وفي المقابل، يتبنى الطرح الأميركي موقف دولة الاحتلال، من خلال فرض الشروط والإملاءات وقائمة المطالب على الشعب الفلسطيني وقيادته، بل والعمل على خلق بدائل لتلك القيادة بطرق متعددة، أما الطرح الأوروبي، فيقوم على شروط سياسية تغلّف بما بات يعرف بـ«الإصلاح»، والتعبير عن «القلق» في أفضل الحالات، وربط الدعم المالي بشروط سياسية.
كما تتجه الصين نحو رسم خارطة طريق أساسها التعاون المشترك، استناداً إلى مشروعها الكبير «الحزام والطريق»، بما يمكن أن يؤسس للانتقال إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب، قابل للاستمرار والديمومة لفترات طويلة من الزمن، وهذا ما ينسجم مع المبادئ التي يطرحها الرئيس الصيني.
وتحتاج المبادرة الصينية إلى خطة عمل لترجمة المبادئ الواردة فيها إلى صيغة قابلة للتنفيذ، بالتوازي مع جهد دبلوماسي دولي لحشد الدعم لهذه المبادرة ومنحها صفة دولية، وينبغي أن يبدأ هذا الجهد من القيادة الفلسطينية، التي تقع عليها مسؤولية التقاط هذه الفرصة، والعمل على تحويل المبادئ الصينية إلى مسار سياسي ودبلوماسي فاعل يعيد القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي، ويؤسس لأفق حقيقي نحو السلام المنشود العادل والشامل.
- حسني شيلو – عضو مجلس ادارة مركز فلسطين لدراسة مبادرة الخضار العالمية والحوار الديمقراطي .
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.