11:53 مساءً / 25 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

مقالة خاصة: لقاء بعد ربع قرن بين صديقين زرعا الأمل في الرمال

مقالة خاصة: لقاء بعد ربع قرن بين صديقين زرعا الأمل في الرمال

شفا – (شينخوا) لأكثر من ربع قرن، عاش معلم أمريكي متقاعد وامرأة صينية تكافح التصحر على الجهتين المتقابلتين من المحيط الهادئ، تربطهما صور قديمة وصحيفة وغابة، حتى التقيا أخيرا مرة أخرى يوم الأحد الماضي.

وعندما كان رونالد ساكولسكي ينزل على سلم متحرك في مطار أوردوس، بمنطقة منغوليا الداخلية ذاتية الحكم شمالي الصين، مسح دموعه بيده اليمنى وبينما كان يحمل باقة زهور في يده اليسرى.

وبعد انتظار دام لمدة 26 عاما بعد لقائهما الأول، كانت يين يوي تشن، وهي امرأة كرست أكثر من أربعة عقود من حياتها في أعمال مكافحة التصحر في ماوووسو، رابع أكبر منطقة رملية في الصين، في انتظاره أسفل السلم المتحرك.

بدأت صداقتهما عام 1999، عندما كان ساكولسكي يدرّس اللغة الإنجليزية في مدرسة بمقاطعة خنان في وسط الصين، على بعد أكثر من 11000 كيلومتر من منزله في بيتسبرغ بولاية بنسلفانيا، ضمن برنامج لتبادل المعلمين بين البلدين.

وفي مساء عادي، لفت انتباهه برنامج تلفزيوني، حيث ظهرت يين على الشاشة وهي تزرع الأشجار للمساعدة في كبح زحف الرمال في منطقة ماوووسو الرملية.

وتمتد صحراء ماوووسو عبر أجزاء من منغوليا الداخلية وشنشي ونينغشيا، وتعد إحدى الخطوط الأمامية في جهود الصين لمكافحة التصحر في المناطق الشمالية من البلاد، وهي جهود انطلقت عام 1978 ومن المقرر أن تستمر حتى عام 2050.

لكن بالنسبة لـ يين، لم تكن المعركة ضد الرمال جهدا وطنيا مجردا، ففي تلك السنوات، كان هبوب رياح شديدة في ليلة واحدة كفيلا بحجب أبواب بيوتهم بواسطة الرمال، وكان الطعام مليئا بالحصى، والماء معكرا بالأتربة، ولم يكن يُرى سوى أميال من الرمال الصفراء المتحركة التي تمتد في كل اتجاه.

وبحلول عام 1999، زرعت يين أشجارا على نحو 30000 مو (حوالي 2000 هكتار) من الأراضي القاحلة، وهي مساحة تعادل حوالي 2800 ملعب كرة قدم قياسي.

قال ساكولسكي مسترجعا تلك الأمسية: “لقد تأثرت جدا لدرجة أنني بدأت أبكي. لا أعلم حقا لماذا، لكن حدث لي شيء، شعرت فقط أنني بحاجة لتقديم المساعدة.”

خلال الشهرين التاليين، تواصل مع أكثر من عشر منظمات في الولايات المتحدة، حتى وافقت جمعية خيرية مقرها بوسطن على تقديم منحة بقيمة 5000 دولار أمريكي.

وأنفقت يين كل المبلغ على الشتلات، واحتفظت بورقة نقدية واحدة فقط كتذكار.

وفي مايو عام 2000، ركب ساكولسكي قطارا من مدينة لويانغ في مقاطعة خنان، ثم انتقل إلى وسيلة نقل أخرى، في رحلة لم تكن بالهينة عبر الأرض الرملية ليرى الشتلات بعينيه.

وصف المشهد لاحقا بأنه قاحل، لا طرق ولا أشجار ولا بيوت، فقد كانوا يقودون فوق كثيب رملي تلو آخر.

ثم رأى يين، ولم يكن أي منهما يتحدث لغة الآخر، واعتمدا تماما على الإيماءات والابتسامات للتواصل. وعلّمت يين ساكولسكي كيفية زراعة الشتلات.

بالنسبة لساكولسكي، بدت الشتلات هشة جدا لدرجة أنه اعتقد أنها لن تنمو لأكثر من ارتفاع ركبتيه. وفي أعماقه، لم يستطع أن يتخيل كيف يمكن لهذه الأرض الرملية أن تصبح غابة يوما ما. قال لها بصراحة: “هذا مستحيل”.

في تلك الليلة، دعت يين وزوجها ساكولسكي إلى منزلهما لتناول العشاء، وقدما له وعاء من المعكرونة. وقال ساكولسكي مستذكرا “كانت لذيذة”.

عاد ساكولسكي إلى بلده بعد أشهر، وفقدوا الاتصال ببعضهما البعض. وعبر المحيط الهادئ، ظل يروي لطلابه قصة المرأة الصينية التي أرادت تحويل الصحراء إلى غابة. وفي الصين، كلما التقت يين بأمريكي، كانت تخرج صورة قديمة لساكولسكي وتسأل إذا كان يعرف كيف يمكنها التواصل معه.

— شبكة الإنترنت تجمع الصديقين مجددا

عام بعد عام، لم تثمر جهود بحثها عنه، حتى حقق فيديو تم نشره على وسائل التواصل الاجتماعي ما عجزت يين عن تحقيقه لسنوات عدة.

في شهر مايو هذا العام، وقفت يين أمام الغابة التي أمضت عقودا في زراعتها، ونظرت إلى الكاميرا وقالت: “سيد ساكولسكي، إذا شاهدت هذا الفيديو، أدعوك للعودة إلى الصين لترى الغابة التي نمت بفضل المال الذي أرسلته لنا”.

انتشر النداء بسرعة على الإنترنت، وخلال ساعات، بدأت الرسائل تصل إلى ساكولسكي على شكل بريد إلكتروني ورسائل نصية من غرباء يخبرونه بأن امرأة صينية تبحث عنه. وبعد أقل من 26 ساعة من نشر يين للفيديو، وجدته، ليتواصلا مجددا عبر الإنترنت.

تلا ذلك صور وفيديوهات. ولأول مرة، رأى ساكولسكي ما أصبحت عليه الشتلات التي كان يظن في السابق أنها صغيرة جدا لتحدث فرقا كبيرا، أضحت غابة تضم أكثر من 50000 شجرة.

قال: “مذهل! مذهل للغاية!”

— حلم يتحقق

فور وصوله إلى بكين في وقت مبكر من يوم الأحد الماضي، تلقى ساكولسكي كعك القمر الذي أرسلته يين إليه، وهو رمز صيني تقليدي للم الشمل، إلى جانب طماطم مزروعة في الأرض الرملية. وسافر إلى أوردوس بعد ظهر اليوم ذاته.

وقال ساكولسكي لوسائل الإعلام التي تجمعت حولهما في المطار المحلي: “هذا حلم تحقق بفضل سيدة هي بطلة هذه القصة”.

وأضاف: “لم أتخيل أبدا أنني سأراها مجددا.” وبالنسبة له، تعد هذه الزيارة تجسيدا حيا لثقافة تفي بوعودها، إذ تعهدت يين بأن الشتلات ستترسخ وتنمو وأنه سيعود في يوم من الأيام ليرى ذلك بنفسه.

وحاليا، زرعت يين وعائلتها أشجارا على مساحة 70000 مو، وهو ما يعادل مساحة 6500 ملعب كرة قدم قياسي تقريبا، بما في ذلك الأشجار التي زُرعت من خلال التمويل الذي حصلوا عليه بفضل جهود ساكولسكي.

وتظهر بيانات رسمية أنه تمت استعادة حوالي 85 بالمائة من الأراضي في ماوووسو. وخلال الفترة ما بين عامي 2021 و2025، ساهمت الصين بحوالي ربع الزيادة العالمية في الغطاء النباتي وتمكنت من إعادة تأهيل حوالي 152 مليون مو من الأراضي الرملية.

وقال ساكولسكي إنه لم يتوقع شيئا في المقابل عندما جمع المال في عام 1999.

وبعد ظهيرة يوم الاثنين الماضي، قادت يين ساكولسكي إلى شجرة حور يزيد ارتفاعها عن 10 أمتار. ولم يصدق أن هذه الشجرة هي التي زرعها هو ويين معا قبل 26 عاما.

— صداقة لأجيال

لاستقبال ساكولسكي، جاء أكثر من عشرة أفراد من عائلة يين من أماكن مختلفة لحضور اللقاء.

وقالت يين: “طلبت من أطفالي العودة لأنني أتمنى أن تدوم الصداقة بين عائلتينا لأجيال”، مضيفة: “أريد أن يتذكرها أطفالي وأحفادي”.

وبالنسبة لسكولسكي، تتجاوز فحوى لم شمله مع يين وعائلتها أكثر من مجرد غابة، فهو تذكير بأن أي فعل طيب، مهما كان صغيرا، لا يضيع هباء أبدا. ومع مرور الوقت، يمكن لفعل صغير أن يتجذر وينتشر وينمو ليصبح شيئا يفوق التوقعات.

وتضيف قصة ساكولسكي ويين خيطا آخر إلى التاريخ الطيب الطويل بين الشعبين الصيني والأمريكي، بدءا من الطيارين المتطوعين الأمريكيين الذين قاتلوا إلى جانب القوات الصينية خلال الحرب العالمية الثانية، والزيارة التاريخية لفريق تنس الطاولة الأمريكي إلى الصين في عام 1971، وصولا إلى عقود من عروض أوركسترا فيلادلفيا في الصين.

وخلال إقامته في الصين من 23 أغسطس الجاري إلى الأول من سبتمبر القادم، سيشارك ساكولسكي أيضا في فعالية لتبادل المعلمين بين الصين والولايات المتحدة ويعود إلى خنان، حيث سيلتقي بالمعلمين والطلاب في المدرسة التي كان يدرس فيها سابقا، إلى جانب أنشطة أخرى.

وقال المعلم المتقاعد: “سواء كنت صينيا أو أمريكيا، كلنا نحب عائلاتنا، ونحب الحياة، ونحب الأرض”.

وأشار ساكولسكي سابقا إلى أن الأمريكيين والصينيين بحاجة إلى “التركيز على أوجه التشابه بينهم وليس على الاختلافات”. ويأمل عندما تنتهي هذه الرحلة، أن تنتشر الرسالة، التي مفادها أن الشعبين الصيني والأمريكي يمكنهما العمل معا لبناء عالم يعمه السلام.

شاهد أيضاً

محمد ناجي ابو حيط

في صُحبة الإنسان ، بقلم : الشاعر محمد ناجي ابو حيط

في صُحبة الإنسان ، بقلم : الشاعر محمد ناجي ابو حيط هل الفلسطيني إنسانٌ ككل …