
70 عامًا من الصداقة الصينية المصرية.. من حوار الحضارات إلى شراكة المستقبل ، بقلم : أ.د. فو تشي مينغ
أتذكر ضفاف النيل، كلما وقفت على ضفاف بحيرة ويمينغ في جامعة بكين، وتتداعى إلى ذهني محطات من تاريخ التواصل بين الصين ومصر.
وقد عشتُ شخصيًا بعض فصول هذا التواصل، منذ سنوات دراستي في مصر ومشاركتي في أعمال مرتبطة ببناء مركز القاهرة الدولي للمؤتمرات، وصولًا إلى متابعتي اليوم لتطور العلاقات بين البلدين.
وحين أستعيد هذه المحطات، أجد أن العلاقات الصينية المصرية لم تبدأ مع إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1956، بل تمتد جذورها إلى قرون أقدم من التواصل والتجارة والتعارف بين الحضارتين.
فقد سجل الرحالة الصيني وانغ دا يوان أخبار دمياط في كتابه منذ القرن الرابع عشر، فيما وصل الرحالة العربي ابن بطوطة إلى الصين بعد سنوات قليلة، لتقدم الرحلتان شاهدًا مبكرًا على التواصل بين حضارتين نشأتا على ضفاف أنهار عظيمة: نهر النيل في مصر، والنهر الأصفر واليانغتسي في الصين.
وأدت اللغة والتعليم دورًا مهمًا في تقريب البلدين في العصر الحديث. فقد تولى أستاذ اللغة العربية بجامعة بكين ليو لين روي الترجمة خلال لقاءات بين تشو إن لاي والرئيس جمال عبد الناصر في مؤتمر باندونغ عام 1955. وأنشأت جامعة بكين تخصص اللغة العربية عام 1946، بينما افتُتح قسم اللغة الصينية بكلية الألسن جامعة عين شمس في مصر عام 1958.
كما أسهمت حركة العلماء والطلاب في الاتجاهين في بناء أساس معرفي للعلاقات. وأرسلت الصين منذ خمسينيات القرن الماضي بعثات من المدرسين والطلاب إلى الجامعات المصرية، ثم أصبحت جامعات القاهرة وعين شمس والإسكندرية محطات مهمة في تكوين أجيال من الباحثين والدبلوماسيين الصينيين المتخصصين في العالم العربي.
ولم تقتصر العلاقات على الثقافة والتعليم. فقد وسعت الصين شراء القطن المصري في وقت كان فيه الاقتصاد المصري يواجه ضغوطًا شديدة في أعقاب تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي عام 1956.
وبقيت هذه الواقعة جزءًا من الذاكرة التاريخية للعلاقات، لأنها ربطت التعاون بين الدول بصورة مباشرة بمعيشة المواطنين.
واتسع التعاون ليشمل البنية التحتية والاستثمار ونقل الخبرة مع سياسة الإصلاح والانفتاح في الصين. ويظل مركز القاهرة الدولي للمؤتمرات أحد أبرز شواهد هذه المرحلة، الذي شاركت مؤسسات ومهندسون من شنغهاي في بنائه في ثمانينيات القرن الماضي. ثم توالت المشروعات المشتركة بين الجانبين في منطقة تيدا السويس والعاصمة الإدارية الجديدة والبرج الأيقوني والقطار الكهربائي الخفيف إلى جانب التعاون في إنتاج اللقاحات.
وجاءت زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر في سبتمبر 2026، بالتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية، لتدشن مرحلة جديدة في الشراكة.
وشهدت الزيارة توقيع وثائق تعاون في مجالات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والعلوم والتكنولوجيا والتعليم والنقل والطاقة الخضراء.
كما حملت زيارة الرئيسين للمتحف المصري الكبير دلالة حضارية خاصة، وجسدت بصورة ملموسة التواصل بين حضارتين عريقتين.
وهناك مساحة واسعة أمام البلدين لتوسيع التعاون في الزراعة الحديثة والتعليم المهني والصحة ودعم المؤسسات الصغيرة مع دخول العلاقات الصينية المصرية عقدها الثامن، إلى جانب تعميق التبادل الأكاديمي والثقافي والترجمة والتعاون الأثري. فقد أثبتت سبعة عقود أن قوة هذه العلاقات لا تقوم على المصالح المشتركة وحدها، بل أيضًا على رصيد متراكم من المعرفة والثقة والود.
أ. د. فو تشي مينغ – وكيل كلية اللغات الأجنبية لشؤون الطلاب بجامعة بكين، وأستاذ كرسي السلطان قابوس بالجامعة
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.