
“سيمياء الرفض وبناء الذات بين الفقد والمقاومة والعودة في قصيدة “سأقاوم” لشاعر الغضب الثوري “هوميروس فلسطين” سميح القاسم” ، بقلم : غدير حميدان الزبون
“ربما أفقد ماشئت، معاشي
ربما أعرض للبيع ثيابي وفراشي
ربما أعمل حجّارا.. وعتّالا.. وكنّاسَ شوارع ..
ربما أبحث، في روثِ المواشي، عن حبوب
ربما أخمد.. عريانا.. وجائع ..
يا عدو الشمس.. لكن.. لن أساوم ..
وإلى آخر نبض في عروقي.. سأقاوم!
ربما تسلبني آخرَ شبرٍ من ترابي
ربما تطعمُ للسجن شبابي
ربما تسطو على ميراث جدي ..
من أثاث.. وأوان.. وخراب ..
ربما تُحرقُ أشعاري وكتبي
ربما تُطعم لحمي للكلابِ
ربما تبقى على قريتنا كابوسَ رعب
يا عدو الشمس.. لكن.. لن أساوم ..
وإلى آخر نبض في عروقي.. سأقاوم!
ربما تطفئ في ليليَ شعلة
ربما أُحرم من أمي قبلة
ربما يشتمُ شعبي وأبي، طفل وطفلة
ربما تغنم من ناطور أحزاني غفلة
ربما زيّفَ تاريخي جبانٌ، وخرافيٌ مؤُله
ربما تحرمُ أطفالي يوم العيد بدلة
ربما تخدع أصحابي بوجهٍ مستعار
ربما ترفع من حولي جداراً وجدار
ربما تصلب أيامي على رؤيا مذلة
يا عدو الشمس.. لكن.. لن أساوم
وإلى آخر نبض في عرقي.. سأقاوم!
يا عدوّ الشمس ..
في الميناء زينات، وتلويحُ بشائر ..
وزغاريد، وبهجة
وهتافات، وضجة
والأناشيدُ الحماسية وهجٌ في الحناجر
وعلى الأفقِ شراع ..
يتحدى الريح.. واللج.. ويجتاز المخاطر ..
إنها عودة يُوليسيز
من بحر الضياع ..
عودةُ الشمس، وإنساني المهاجر
ولعينيها، وعينيه.. يمينا.. لن أساوم ..
وإلى آخر نبضٍ في عروقي ..
سأقاوم!
سأقاوم!
سأقاوم!” *سميح القاسم
كان ذلك قبل عامٍ تقريبًا في إحدى الفعاليات المدرسية، إذْ كنت أقف بين طلابٍ إحدى المدارس الحكومية في مشهد يبدو ظاهره بسيطًا في محتواه المكوّن من منصة مدرسية، وطلاب ينتظرون دورهم، وأصوات تتناوب على إلقاء أبيات من الشعر الفلسطيني.
غير أنّ ما كان يحدث أمامي فاق النشاط الأدبي العابر، فقد كانت الكلمات الخارجة من أفواه الطلاب المشاركين تسترد شيئًا من معناها الأول، وكانت القصيدة الساكنة في صفحات الكتاب قد وجدت أخيرًا جسدًا وصوتًا وملامح.
وأذكر طالبًا صغيرًا وقف يومها أمام زملائه محاولا في اللحظات الأولى أنْ يخفي ارتباكه، وهو يضمّ يديه مرة، ثم يفتحهما، وينظر إلى الأرض قبل أنْ يرفع عينيه إلى الجمهور.
كانت ملامحه تقول إنه يعرف أنّ وراء الكلمات شيئًا أكبر من الحفظ.
وعندما بدأ الإلقاء تغيّر صوته تدريجيًا، وأخذ يكتسب نبرة أكثر ثباتًا، وأخذت الكلمات تمنحه الشجاعة.
وفي اللحظة التي وصل فيها إلى بيت يتصل بالأرض والمقاومة رفع رأسه، واتسعت عيناه، وتقدّم نصف خطوة إلى الأمام.
في تلك اللحظة تحديدًا رأيت طفلًا يكتشف أنّ صوته يمكن أنْ يحمل ذاكرة جماعة كاملة.
كان زملاؤه يصغون إليه على نحو مختلف أيضًا، فبعضهم يردد الكلمات معه بصوت خافت، وبعضهم يبتسم، وبعضهم يرفع رأسه متيقّنًا أنّه يستمع إلى شيء يعرفه قبل أن يسمعه.
وفي نهاية الإلقاء كان في المشهد شيء من الاعتزاز، وشيء من الحنين، وشيء من الحزن، وشيء من الرغبة في أنْ تقول هذه الأجيال الصغيرة: نحن هنا، وما زلنا نتذكر، وسنصفّق بحرارة لأجل هذه الأرض.
ومنذ ذلك المشهد أخذت أتأمل السؤال الذي يتجاوز حدود النشاط المدرسي، وهو ماذا يحدث عندما يصدح صوت الطالب الفلسطيني بشعر المقاومة داخل المدرسة؟
هل يبقى الشعر عند حدود المقرر الدراسي؟ أم أنه يعبر الصفحة إلى الوجدان، ومن الوجدان إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى بناء الهوية؟
إنّ المدرسة ليست فضاءً محايدًا للمعرفة فقط؛ إنها كذلك فضاء تتشكل فيه علاقة الطفل بلغته، وتاريخه، ومكانه، وذاكرته الجمعية.
وعندما يقرأ الطالب قصيدة فلسطينية، ثم يحفظها، ثم يقف بها أمام الآخرين، فإنّ العملية لا تنتهي عند الفهم اللغوي أو التذوق الجمالي؛ إذ تتحول القصيدة إلى فعل أدائي يعيد إنتاج المعنى داخل الجماعة، ويصبح الصوت حاملًا للذاكرة، ويصبح الجسد الذي يقف على المنصة جزءًا من العلامة، وتتحول الكلمات من مادة مكتوبة إلى تجربة حية.
ومن هنا تبدو أهمية حضور الشعر الفلسطيني في المناهج التعليمية الفلسطينية؛ فالنص الأدبي المقاوم يستطيع أنْ يصل إلى الطالب من الطريق الذي لا تصل منه المعلومة المجردة، فهو يصل إلى طريق الشعور والصورة والإيقاع والذاكرة.
ولا سيما حينما يكون الشاعر جزءًا من تاريخ القضية الفلسطينية ووجدانها الثقافي، كما هو الحال مع الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، والذي ارتبط شعره بالأرض والهوية والصمود والمواجهة، واحتل حضورًا في الثقافة الأدبية الفلسطينية والعربية.
وقد ارتبطت نصوصه أيضًا بالسياق التعليمي الفلسطيني، ومن أبرزها قصيدة “تقدموا” التي عُرفت في سياق شعر المقاومة والانتفاضة.
غير أنّ حضور القاسم في المدرسة لا ينبغي أن يُختزل في الوظيفة الوطنية المباشرة؛ فالقيمة التربوية الأعمق تكمن في أنّ شعره يتيح للطالب أنْ يكتشف كيف يمكن للغة أنْ تتحول إلى موقف، وكيف تستطيع الصورة الشعرية أنْ تحمل ذاكرة، وكيف يمكن لتكرار كلمة واحدة أنْ يتحول إلى بناء نفسي وجمالي كامل.
لقد عادت إلى ذاكرتي مجدّدا صورة ذلك الطالب واقفًا على المنصة، وصوته الذي انتقل من الارتباك إلى الثبات، وحضرت قصائد سميح القاسم في ذهني من جديد، وحضرت معها قصيدته “سأقاوم” تلك القصيدة التي يبدو عنوانها في ظاهره بسيطًا، لكنه يخفي وراءه بنية عميقة من الرفض والإرادة والذاكرة.
فالقاسم يقول إنّ الذات ستقاوم، ويبني القصيدة كلها على امتحان هذه الإرادة، فماذا لو فقد الإنسان معاشه؟ وماذا لو بيع ثوبه وفراشه؟ وماذا لو سُلبت أرضه؟ وماذا لو أُحرقت كتبه؟ وماذا لو زُيّف تاريخه؟ وماذا لو حُرم من أمه وأطفاله؟ وماذا يبقى له بعد كل ذلك؟
وماذا … وماذا!؟
هنا تحديدًا تبدأ القيمة السيميائية للنص؛ لأنّ القصيدة تبني المقاومة من خلال علامات الفقد والتهديد والجسد والأرض والذاكرة والزمن والنور والعودة. وتتكرر “ربما” في بداية الاحتمالات لتفتح أبواب الخسارة، ثم تأتي “لكن” لتقطع مسارها، ويظهر “لن أساوم” كنوع من الرفض قبل أن يستقر النص في يقينه المركزي المتمحور حول “سأقاوم”.
ولذلك فإنّ قراءة هذه القصيدة تبدأ من أسئلة عميقة وهي: كيف تصنع اللغة معنى المقاومة؟ وكيف تتحول القصيدة من كلام عن الوطن إلى ممارسة رمزية للانتماء إليه؟
إنّ هذه الأسئلة تعيدنا مرة أخرى إلى ذلك الطالب الذي وقف أمام زملائه. فقد كان يحمل في يده نصًا مكتوبًا، لكنه في الحقيقة كان يحمل أكثر من نص، كان يحمل صوتًا عائليًا وذاكرة مكان، وصورًا سمعها في البيت والمدرسة، ومفرداتٍ تشكل جزءًا من وعيه.
وعندما صدح صوته لم تعد القصيدة حبيسة الكتاب، لقد خرجت منه، وصارت صوتًا حيًا في فضاء المدرسة.
ومن هذه اللحظة تحديدًا يمكن الدخول إلى عالم سميح القاسم الشاعر الذي جعل من اللغة مجالًا للمقاومة.
ومن هنا تأتي قصيدة “سأقاوم” نصًا صالحًا لقراءة سيميائية تكشف كيف تتضافر علاماته لتقول إنّ الإنسان قد يخسر أشياء كثيرة، لكنه يستطيع أنْ يحفظ جوهره ما دام قادرًا على رفض المساومة.
فبين “ربما” التي تفتح احتمالات الفقد، و”لن أساوم” التي تغلق باب التنازل، و”سأقاوم” التي تفتح أفق المستقبل تتشكل الرحلة الدلالية للنص كله، هي رحلة تنتقل فيها الذات من الخوف إلى الشجاعة، ومن احتمال المحو إلى فعل حفظ الذاكرة، ومن الجسد المهدد إلى الجسد المقاوم، ومن الأرض المهددة إلى وعد العودة، ومن ظلمة الواقع إلى “عودة الشمس”.
إنّ القصيدة في بعدها الجمالي والتربوي السيميائي أكثر من نص يُقرأ؛ إنها نص يُسمع ويُؤدّى ويُعاش، وربما لهذا السبب تحديدًا يختلف وقعها عندما تخرج من فم شاعر أو معلم أو طالب، وتدخل إلى فضاء المدرسة؛ لأنّ الشعر الذي يجد صوتًا شابًا يحمله يتحول إلى ذاكرة تتشكل من جديد أمام أعين جيلٍ كامل متجاوزة الحدث لتصبح جزءًا من الذاكرة التي تحفظه، ومن الوعي الذي يقاوم محوه.
وعندما نقرأ قصيدة “سأقاوم” لسميح القاسم نجد أنفسنا أمام قصيدة سياسية تستعيد خطاب المقاومة من خلال نص تتشابك فيه اللغة بالذاكرة، والجسد بالأرض، والفقد بالهوية، والخاص بالجمعي حتى تغدو الكلمة مساحة للمواجهة.
فالشاعر يفتح أمام الذات سلسلة من الاحتمالات القاسية “ربما أفقد”، و”ربما أعرض”، و”ربما أعمل”، و”ربما تسلبني”، و”ربما تحرق”، و”ربما تحرم”، فالنص يضع الإنسان وجهًا لوجه أمام كل ما يمكن أن يخسره، غير أنّ هذه الاحتمالات مهما تكاثرت تصطدم بحدّ لا يمكن تجاوزه هو “لن أساوم”، ثم تنفتح القصيدة على فعل المستقبل الحاسم وهو “سأقاوم”.
ومن هنا تنشأ المفارقة المؤسِّسة للنص فكلما اتسعت دائرة ما يمكن فقده ازدادت صلابة ما لا يمكن التنازل عنه. فالعدو يستطيع أنْ يهدد المعاش والثوب والفراش، وأنْ يصادر الأرض، ويسجن الشباب، ويحرق الكتب، ويشوّه التاريخ، ويحاصر القرية، ويحرم الطفل فرحة العيد؛ لكنه لا يستطيع أنْ ينتزع من الذات قرارها الداخلي بالمقاومة. ولعلّ هذا هو المدخل الأعمق إلى شعر سميح القاسم؛ إذ لا تصبح المقاومة عنده شعارًا يضاف إلى القصيدة من الخارج، إنما تتحول إلى بنية داخلية تنتظم المعجم والإيقاع والتكرار والصورة والزمن والفضاء.
وإذا كانت السيميائيات تنظر إلى النص على أنه شبكة من العلامات المتفاعلة، فإنّ “سأقاوم” تقدم نموذجًا غنيًا لهذا الاشتغال؛ فـ”ربما” هي علامة على الاحتمال، و”لكن” هي علامة على الانقلاب، و”لن أساوم” هي علامة على الرفض، و”سأقاوم” هي علامة على الفعل والاستمرار، بينما تتحول الشمس والنبض والأرض والجدار والبحر والشراع والعودة إلى علامات تتجاوز معناها المباشر نحو دلالات أعمق تتصل بالهُوية والحرية والذاكرة والخلاص.
لذلك فإنّ قراءة القصيدة سيميائيًا تكشف أنّ معركتها الحقيقية هي معركة على المعنى الذي يجعل الأشياء جزءًا من هُوية الإنسان.
المحور الأول: “ربما”، و”لن أساوم” و”سأقاوم” — سيمياء الانتقال من احتمال الفقد إلى يقين الفعل
منذ العنوان تضع القصيدة القارئ أمام فعل واضح هو “سأقاوم”، وهذا العنوان يمثل عتبته الدلالية ومفتاحه التأويلي؛ لأنه يجمع بين ضمير المتكلم والفعل والمستقبل.
فالشاعر لا يقول “قاومت” بما يحيل إلى فعل اكتمل، ولا “أقاوم” بما يحصر المقاومة في الحاضر، وإنما يقول “سأقاوم”، ليجعل المقاومة وعدًا مستقبليًا مفتوحًا، وإرادة لا تنتهي بانتهاء اللحظة.
والنص لا يصل إلى هذا اليقين مباشرة؛ إذ يبني طريقه إليه عبر التكرار المتواتر لكلمة “ربما”، وتتوالى الاحتمالات في “ربما أفقد ماشئت، معاشي”، و”ربما أعرض للبيع ثيابي وفراشي”، و”ربما أعمل حجّارًا.. وعتّالًا.. وكنّاس شوارع”، و”ربما تسلبني آخر شبر من ترابي”، و”ربما تحرق أشعاري وكتبي”، و”ربما تطعم لحمي للكلاب”.
لاحظوا معي كيف تؤدي “ربما” وظيفة تتجاوز الدلالة المعجمية إلى إنتاج فضاء كامل من التهديد والاحتمال.
إنها تفتح أبوابًا متتالية للخسارة، لكنها لا تمنح هذه الخسارة صفة الحتمية؛ فكل ما يحدث يبقى في فضاء “الاحتمال”، بينما يبقى فعل المقاومة في فضاء اليقين.
ويبلغ البناء ذروته عندما تأتي أداة الاستدراك “لكن”، فبعد سلسلة طويلة من الاحتمالات يأتي الانعطاف الحاسم في “يا عدو الشمس.. لكن.. لن أساوم” ليتحول النص من سرد ما يمكن أنْ يحدث إلى تحديد ما لن يحدث.
إنّ “لن” ليست مجرد أداة نفي، فقد باتت علامة على حصانة داخلية؛ فالذات قد تقبل أنْ تفقد أشياء كثيرة، لكنها ترفض أنْ تجعل الفقد مساويًا للتنازل.
ومن هنا تتأسس ثلاثية دلالية مركزية:
ربما أفقد ← لن أساوم ← سأقاوم.
الأولى تفتح الاحتمال، والثانية تغلق باب التنازل، والثالثة تفتح أفق الفعل.
وهذا التدرج هو العمود الفقري للقصيدة؛ إذ ينتقل الخطاب من التهديد إلى الرفض، ومن الرفض إلى المقاومة.
واللافت أنّ “لمساومة” هنا أكثر عمقًا من معناها السياسي المباشر؛ فهي تمثل التنازل عن الجوهر مقابل الاحتفاظ ببعض الأشياء.
ولذلك فإنّ الشاعر يعيد ترتيب سلم القيم بأنّه يمكن أنْ يخسر المعاش والثوب والبيت والأرض، لكنه لا يقبل أنْ يخسر حقه في أنْ يكون ذاته.
وتتبلور فلسفة القصيدة في أنه ليست الهزيمة في فقد الأشياء، وإنما في أنْ يتحول الإنسان إلى طرف يقبل التنازل عن هويته.
وتزداد هذه الدلالة قوة عندما يختم الشاعر كل مقطع تقريبًا بالعبارة:
“وإلى آخر نبض في عروقي.. سأقاوم!”، فالمقاومة تتحرّر من الزمن، وتستمر “إلى آخر نبض”، ويتحول الجسد إلى ساعة للمقاومة، ويصبح النبض علامة على استمرار الحياة، كما يصبح استمرار الحياة علامة على استمرار الفعل المقاوم.
إنّ الشاعر بذلك لا يقول: سأقاوم ما دام لديّ السلاح أو القوة، فهو يقول ما هو أعمق: سأقاوم ما دام في داخلي أثر للحياة لتنتقل المقاومة من المجال السياسي إلى المجال الوجودي.
المحور الثاني: الأرض والجسد والذاكرة — سيمياء الهوية في مواجهة المحو.
إذا كان المحور الأول قد كشف عن البنية الفعلية للمقاومة فإنّ هذا المحور يكشف عن موضوع المقاومة، وماذا يحاول الشاعر أنْ يحمي؟
إنّ الإجابة في النص لا تنحصر في الأرض، رغم مركزيتها، وإنما تمتد إلى شبكة كاملة من العلامات التي تشكل هوية الإنسان من الجسد، والبيت، والجد، والقرية، والكتب، والأم، والأطفال، والتاريخ، إلى الذاكرة.
يقول الشاعر:
“ربما تسلبني آخر شبرٍ من ترابي”
والتعبير ب”آخر شبر” بالغ الدلالة؛ لأنّ الشاعر لا يستعمل مساحة واسعة أو مفهومًا تجريديًا للوطن، بقدر ما يستدعي أصغر وحدة مكانية ممكنة. وقيمة الأرض لا تتحدد باتساعها، وإنما بكونها أرض الانتماء، فالشبر هو علامة على الحق في الوجود والامتداد والجذور.
ثم يقول:
“ربما تسطو على ميراث جدي”
لتتحول الأرض من مكان إلى ذاكرة عائلية، فذكر الجد يربط المكان بسلسلة الأجيال، ويجعل الوطن إرثًا رمزيًا يتجاوز الملكية المادية.
ومن خلال هذه العلامة يتشكل خط زمني يمتد من الجد إلى الشاعر ثم إلى الأطفال، أي من الماضي إلى الحاضر فالمستقبل.
ولذلك فإنّ مصادرة الأرض تخرج في عمق النص عن الاستيلاء على التراب إلى محاولة قطع السلسلة التي تربط الإنسان بأصله.
وتتأكد هذه الفكرة من خلال حضور الأشياء اليومية المتمثّلة في: “الثياب”، و”الفراش”، و”الأثاث”، و”الأواني”، و”الكتب”، و”بدلة العيد” فالشاعر لا يبني الوطن من الرموز الكبرى وحدها، وإنما يستخرج معناه من تفاصيل الحياة الصغيرة.
وهذه التفاصيل تكتسب قيمتها السيميائية من كونها علامات على الحياة الطبيعية والكرامة والبيت والطفولة.
فعندما يقول:
“ربما تحرم أطفالي يوم العيد بدلة”
فهو يتحدث عن محاولة حرمان الطفل من الفرح نفسه.
وكذلك عندما يقول:
“ربما أحرم من أمي قبلة”
فإنّ “قبلة الأم” تتحول إلى علامة على الأمان والجذور والحنان.
وبذلك يتجاوز الوطن في القصيدة حدوده الجغرافية ليصبح شبكة من العلاقات الإنسانية من أم، وأب، وطفل، وبيت، وعيد، وذاكرة.
وفي مقابل هذه العلامات الحميمة يظهر الجسد ميدانًا للعنف والمقاومة معًا:
“ربما أخمد.. عريانًا.. وجائع”
ثم:
“ربما تطعم لحمي للكلاب”
لكنّ الجسد الذي يظهر أولًا مهددًا يتحول في النهاية إلى حامل للمقاومة:
“وإلى آخر نبض في عروقي.. سأقاوم”
وهنا تحدث مفارقة سيميائية عميقة فالجسد المستباح يتحول إلى جسد مقاوم، والنبض الذي يبدو في الظاهر مجرد علامة بيولوجية على الحياة يصبح في النص علامة على استمرار الإرادة.
ولا يتوقف الصراع عند الأرض والجسد، فهو ينتقل إلى الذاكرة المكتوبة:
“ربما تُحرق أشعاري وكتبي”
ثمّ:
“ربما زُيّف تاريخي جبانٌ، وخرافيٌ مؤلّه”
إنّ حرق الكتب وتزييف التاريخ ينقلان المعركة من السيطرة على المكان إلى السيطرة على معنى المكان.
فالأرض تمثل الوجود المادي، بينما يمثل الكتاب والتاريخ الوجود الرمزي. وإذا كان الاستيلاء على الأرض محاولة لمحو الحضور فإنّ تزييف التاريخ محاولة لمحو شرعية الحضور.
ومن هنا تصبح الكتابة فعل مقاومة؛ لأنّ الشاعر عندما يكتب ما يُراد له أنْ يُمحى فإنه يحول القصيدة إلى سجل للذاكرة، وإلى شهادة في مواجهة النسيان.
وهذا ما يجعل سيمياء النص قائمة على ثنائية عميقة من المحو / الحفظ، فالعدو يحاول محو المكان والإنسان والتاريخ، بينما تقوم القصيدة بحفظها داخل اللغة.
المحور الثالث: “عدوّ الشمس” و”عودة يوليسيز” — سيمياء النور والعودة وانتصار الذاكرة.
في المقطع الأخير تتسع الدلالة من التجربة الفردية إلى أفق أسطوري وجمعي، ويظهر التعبير اللافت:
“يا عدوّ الشمس”
إنّ الشمس هنا علامة مركزية في البناء الرمزي للقصيدة؛ فهي تحيل إلى النور والحياة والدفء والحرية، ولذلك فإنّ وصف الخصم بأنه “عدو الشمس” يحوله من مجرد خصم سياسي إلى رمز لقوة تعادي الحياة والنور.
ويتعزز هذا المعنى في قوله:
“ربما تطفئ في ليليَ شعلة”
فالشمس والشعلة والوهج والنور تنتمي إلى حقل دلالي واحد في مقابل الليل والإطفاء والجدار والسجن.
وهكذا تقوم القصيدة على ثنائية أساسية من النور / الظلام؛ لكنها لا تترك هذه الثنائية معلقة، إذ تنتهي إلى
“عودة الشمس”، وهنا يحدث تحول دلالي بالغ الأهمية فالشمس التي كانت في بداية النص موضوعًا للعداء تصبح في نهايته علامة على العودة والانتصار.
وتتزامن هذه العودة مع استدعاء شخصية “يوليسيز” في
“إنها عودة يُوليسيز
من بحر الضياع”.
إنّ استدعاء يوليسيز يمنح تجربة الفلسطيني بعدًا أسطوريًا وإنسانيًا يتجاوز اللحظة التاريخية المباشرة. فـ”يوليسيز” هو رمز الرحلة الطويلة، والتيه، والمخاطر، والحنين إلى الوطن، ثم العودة إليه.
وبذلك تتحول تجربة المهاجر في القصيدة إلى نموذج إنساني للإنسان الذي يرفض أنْ يجعل المنفى نهاية حكايته.
ويأتي البحر في “بحر الضياع”
في مقابل الشراع في “وعلى الأفق شراع..
يتحدى الريح.. واللج.. ويجتاز المخاطر”
فتتشكل شبكة رمزية واضحة من:
البحر = الضياع
الريح = العائق
الشراع = الإرادة
الأفق = المستقبل
العودة = استعادة الهوية
وهنا تتحول الرحلة إلى استعارة للمقاومة، فالمقاومة ليست طريقًا خاليًا من المخاطر، لكنها تمتلك اتجاهًا. والشراع لا يلغي الريح، وإنما يتعلم كيف يواجهها.
والأهم أنّ المقطع الأخير ينتقل من “أنا” الفرد إلى مشهد جماعي واسع في “في الميناء زينات، وتلويح بشائر”، و”زغاريد”، و”بهجة”، و”هتافات”، و”ضجة”، و”الأناشيد الحماسية وهجٌ في الحناجر”.
وهكذا تتسع دائرة الصوت، فبعد أنْ بدأت القصيدة بإنسان مهدد بالجوع والسجن والمصادرة تنتهي بمشهد جماعي من الزغاريد والهتافات والأناشيد.
إنها حركة من العزلة إلى الجماعة،
ومن القهر إلى الاحتفال،
ومن الضياع إلى العودة،
ومن الظلام إلى الشمس.
ولهذا فإنّ تكرار “سأقاوم” ثلاث مرات في الخاتمة يمثل تصعيدًا صوتيًا ودلاليًا إلى جانب التكرار اللفظي.
فبعد أنْ عرض الشاعر كل ما يمكن أنْ يخسره لم يعد بحاجة إلى إضافة أمثلة جديدة.
لقد وصلت اللغة إلى لحظة تختصر فيها كلّ المعاني في فعل واحد هو
“سأقاوم!”، وبذلك تتحول العبارة من صوت فرد إلى ما يشبه النشيد الجماعي، ومن موقف شخصي إلى ذاكرة مشتركة، ومن كلمة شعرية إلى فعل أدائي، فالتكرار يصف المقاومة، ويجعل القارئ يسمع إيقاعها.
وعندما نصل إلى نهاية “سأقاوم” ندرك أنّ سميح القاسم لم يكتب قصيدة عن المقاومة بقدر ما بنى المقاومة داخل القصيدة.
فقد جعل من التكرار فعلًا، ومن النفي موقفًا، ومن المستقبل وعدًا، ومن الجسد ذاكرة، ومن الأرض هوية، ومن الكتاب شهادة، ومن الشمس أفقًا، ومن العودة خلاصًا.
ولعلّ القيمة الأعمق للنص تكمن في أنه لا ينكر الخسارة؛ فالذات فيه تعرف أنها قد تجوع، وتعرى، وتسجن، وتفقد أرضها، وتحرق كتبها، وتحرم من أمها، وتُحاصر بالجدران، لكنها ترفض أنْ تجعل هذه الخسارات نهاية المعنى. ولذلك فإنّ “لن أساوم” تمثل اللحظة التي تستعيد فيها الذات سلطتها الداخلية، بينما تمثل “سأقاوم” اللحظة التي تحول هذه السلطة إلى فعل.
ومن منظور سيميائي تتأسس القصيدة على مسار تحولي واضح هو:
احتمال الفقد ← رفض المساومة ← فعل المقاومة ← استعادة الذاكرة ← العودة ← عودة الشمس.
إنها رحلة تبدأ ب”ربما”، وتنتهي ب”سأقاوم”، أي رحلة من الاحتمال إلى اليقين، ومن التهديد إلى الإرادة، ومن الجدار إلى الأفق، ومن بحر الضياع إلى العودة.
وأجمل ما في خاتمة القصيدة أنها لا تقول إنّ الطريق انتهى، وإنما تجعل المقاومة طريقًا مفتوحًا:
“سأقاوم!
سأقاوم!
سأقاوم!”
ثلاثة أفعال تبدو في ظاهرها تكرارًا، لكنها في العمق ثلاث طبقات من المعنى من مقاومة الجسد الذي يُستباح، ومقاومة الذاكرة التي يُراد محوها، إلى مقاومة المستقبل الذي يُراد مصادرته.
وهنا تتجلى شعرية سميح القاسم في أبهى صورها بأنّه يجعل من الكلمة وطنًا حينما يُهدَّد الوطن، ومن الذاكرة أرضًا حينما تُنتزع الأرض، ومن النبض زمنًا حينما يُحاصر الزمن، ومن الشعر فعلًا لا يكتفي بأنْ يقول: “سأقاوم”، فهو يجعل القارئ يشعر أنّ المقاومة قد بدأت منذ اللحظة التي نطق فيها الفعل.
فقد يستطيع القهر أنْ يسلب الإنسان أشياء كثيرة، لكنه لا يستطيع أنْ ينتزع منه المعنى إلا إذا أقنعه بالمساومة. ولهذا كان قول القاسم:
“لن أساوم”
هو الوجه الآخر، والأعمق، لقوله:
“سأقاوم”.
ومن بين هاتين العبارتين تتشكل فلسفة النص كلها، فما دام في العروق نبض، وفي الذاكرة مكان، وفي اللغة قدرة على التسمية فإنّ المحو لم ينتصر بعد؛ لأنّ الشمس مهما طال الليل تظل قابلة
للعودة.
وفي نهاية قراءتي السيميائيّة لجسد القصيدة تعود صورة ذلك الطالب الذي وقف قبل عام على خشبة المدرسة حاملًا قصيدته بصوتٍ ارتجف في بدايته ثم استقام، لتكتسب معناها الأعمق، فقد أدركت أنّ ما كان يحدث أمامي يفوق الإلقاء شعري، لقد كان لحظة انتقال للقصيدة من الورق إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الوجدان، ومن الوجدان إلى الصوت.
وهنا تتضح القيمة الحقيقية لحضور سميح القاسم في المناهج الفلسطينية، فالنص الذي يقرؤه الطالب يمنحه معلومات عن الوطن، ويفتح أمامه طريقًا ليتعرف إلى الأرض كذاكرة، وإلى اللغة كهوية، وإلى الشعر كقدرة على حفظ ما يُراد له أنْ يُمحى، فالكبار يموتون، لكنّ الصغار يحفظون، ولا ينسون.
وفي “سأقاوم” تحديدًا تتحول “ربما” بكل ما تحمله من احتمالات الفقد إلى “لن أساوم” بما تحمله من رفض، ثم إلى “سأقاوم” بما تحمله من فعل واستمرار، فيصبح المعاش والثوب والفراش والأرض وميراث الجد والكتاب والأم والطفل والعيد والتاريخ والشمس علاماتٍ متشابكة على حق الإنسان في أنْ يبقى وفيًا لذاكرته.
ولعلّ أعمق ما تقوله القصيدة أنّ المقاومة ليس بالضرورة أنْ تبدأ دائمًا من مشهد كبير، فقد تبدأ من طالب يرفع رأسه بعد أنْ كان خافضًا له، ومن صوت صغير يكتشف أنّ للكلمة قوة، ومن قصيدة تحفظها حناجر الأطفال كي لا تبقى الذاكرة حبيسة الكتب.
لذلك فإنّ المدرسة التي تفتح منابرها للشعر الفلسطيني تستعيد الماضي، وتصنع صلة حية بين الأجيال، فالجد الذي يحضر في “ميراث جدي”، والأم التي تختزنها “قبلة”، والطفل الذي يُحرم “بدلة” العيد، والأرض التي تختزلها عبارة “آخر شبر من ترابي” كلها تعبر من ذاكرة الشاعر إلى ذاكرة الطالب، ومن ذاكرة الطالب إلى مستقبل لم يتشكل بعد. والقصيدة التي تنتهي بثلاثة أصداء متتالية “سأقاوم! سأقاوم! سأقاوم!” تترك باب المعنى مفتوحًا في الحناجر التي ستأتي بعدها؛ ليظل السؤال التربوي والجمالي والأخلاقي قائمًا بأنّه ماذا يستطيع الشعر أنْ يفعل في الوقت الذي يتحول فيه من نص يُحفظ إلى صوتٍ يؤمن به صاحبه؟ وربما كانت الإجابة في ذلك الطالب الذي وقف يومها صغيرًا أمام جمهوره، لكنه عندما نطق القصيدة بدا واقفا على امتداد ذاكرة طويلة معلنا بلغته الخاصة أنّ الذاكرة التي تجد من يحملها لا تموت، وأنّ الشمس التي تسكن الكلمات لا يستطيع الجدار أنْ يحجبها، وأنّ القصيدة التي تسكن قلب الطالب لا تعود درسًا إنما تصبح وعيًا بالذات، ووفاءً للمكان، وحفظًا للذاكرة، وأملًا في العودة، وصوتًا يقول للحاضر والمستقبل معًا: لن أساوم… سأقاوم.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.