8:52 مساءً / 18 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

مقاومة الحدث المؤلم : قراءة نفسية في الصدمة المزمنة والخدر العاطفي في سياق الحرب على غزة ، بقلم : آية أحمد القهوجي

مقاومة الحدث المؤلم : قراءة نفسية في الصدمة المزمنة والخدر العاطفي في سياق الحرب على غزة ، بقلم : آية أحمد القهوجي


يشير مفهوم مقاومة الأنسولين في الطب إلى انخفاض استجابة خلايا الجسم للإنسولين رغم وجوده، مما يدفع الجسم إلى بذل جهد أكبر للحفاظ على توازنه. وبالاستعارة، يمكن النظر إلى ما يعيشه سكان غزة على أنه شكل من “مقاومة الحدث المؤلم” ؛وهو مصطلح مجازي يصف حالة يصبح فيها الجهاز النفسي أقل استجابة ظاهراً للأحداث الصادمة نتيجة التعرض المستمر والمتكرر لها ، وليس نتيجة التعافي منها.


إن التعرض المزمن من للأحداث المهددة للحياة، مثل القصف، والنزوح المتكرر، وفقدان الأحبه، وانعدام الأمن، والحرمان من الاحتياجات الأساسية، يضع الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم. ومع استمرار هذا الاستنفار لفترات طويلة، قد لا يعود الإنسان قادراً على الاستجابة الانفعالية بالطريقة نفسها التي كان يستجيب بها في بداية الصدمة. فتتراجع مظاهر البكاء والخوف والدهشة، ليس لأن الألم قد انتهى؛ وإنما لأن النفس استنفدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على الاستجابة.


في علم النفس، تعد هذه الحالة إحدى النتائج المحتملة للصدمة المزمنة (Chronic Trauma ) أو للصدمة المعقدة (Complex Trauma)، حيث تؤدي الضغوط المستمرة إلى تغيرات في تنظيم الانفعالات، والإحساس بالأمان، والاستجابة للمثيرات. ويظهر ذلك في صورة الخدر العاطفي (Emotional Numbing )، وهو انخفاض أو غياب القدرة على الشعور بالمشاعر الإيجابية والسلبية بالدرجة المعتادة، فيبدو الشخص أقل تفاعلاً مع الأحداث، وأقل قدرة على التعبير عن الحزن أو الفرح أو حتى الخوف.


كما قد تترافق هذه الحالة مع البلادة الحسية أو الانفعالية(Emotional Blunting )، حيث يشعر الفرد بأن استجاباته العاطفية أصبحت باهتة أو محدودة، وكأنه يراقب ما يحدث من حوله دون أن يعيشه بالكامل. وينظر إلى هذه الظاهرة على أنها آلية دفاعية يستخدمها الدماغ للحد من التأثير الساحق للصدمات المتكررة، إذ يعمل على تقليل شدة الاستجابة الانفعالية حفاظاً على بقاء الفرد وقدرته على الاستمرار في أداء مهامه اليومية.


ولا يقتصر أثر هذه الآلية على المشاعر فحسب، بل يمتد إلى العمليات المعرفية والسلوكية؛ فقد يواجه الفرد صعوبة في التركيز، واتخاذ القرار، والتخطيط للمستقبل، مع شعور مستمر بالإرهاق النفسي والجسدي. كما قد تتأثر علاقاته الاجتماعية نتيجة ضعف التعبير العاطفي، فُيساء فهمه على أنه أصبح غير مبالٍ أو فاقداً للتعاطف، بينما هو في الحقيقة يعاني من إنهاك نفسي عميق.


وفي سياق غزة، لا يمكن تفسير هذا الخدر العاطفي بمعزل عن البيئة المستمرة المليئة بالتهديد. فحين تصبح الصدمة حدثاً يومياً وليست استثناءً، تتكيف المنظومة النفسية مع الخطر المستمر عبر خفض مستوى الاستجابة الانفعالية. وهذا التكيف قد يكون ضرورياً للبقاء على المدى القصير، لكنه يحمل آثاراً بعيدة المدى إذا استمر بعد زوال الخطر، إذ قد يزيد من احتمالية الإصابة باضطراب الكرب التالي للصدمة(PTSD)، أو اضطراب الكرب التالي للصدمة المعقد(C_PTSD)، والاكتئاب، واضطرابات القلق، وصعوبات التكيف.


من المهم التأكيد على أن الخدر العاطفي ليس علامة على القوة، كما أنه ليس دليلاً على غياب الألم. بل قد يكون أحد أبرز المؤشرات على أن الجهاز النفسي وصل إلى مرحلة من الإرهاق جعلته يقلل استجابته الانفعالية كوسيلة للحماية. وهذا لا يعني أن المشاعر اختفت، وإنما أصبحت مؤجلة أو مكبوتة، وقد تعود للظهور لاحقاً عندما تتوافر مساحة آمنة تسمح بمعالجتها.


إن فهم ” مقاومة الحدث المؤلم” بوصفها استعارة نفسية يساعد العاملين في مجال الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي على تجنب إساءة تفسير هدوء الأفراد أو قلة انفعالاتهم على أنه تعافٍ أو تكيف صحي. فقد يكون الصمت أحياناً تعبيراً عن ألم يفوق قدرة الإنسان على وصفه، وقد يكون غياب الدموع نتيجة استنزافها، لا غياب الحزن.


وعليه، فإن التدخلات النفسية في البيئات المتأثرة بالحروب ينبغي أن تتجاوز التركيز على الأعراض الظاهرة، لتشمل فهم الآليات الدفاعية التي يطورها الأفراد تحت وطأة الصدمات المزمنة، والعمل على استعادة الإحساس بالأمان، وتعزيز تنظيم الانفعالات، وإتاحة مساحات آمنة للتعبير عن المشاعر، باعتبارها خطوات أساسية في رحلة التعافي النفسي.

آية أحمد القهوجي – غزة – فلسطين .

شاهد أيضاً

انتخابات الليكود: الموالون لنتنياهو على رأس قائمة المرشحين للكنيست

انتخابات الليكود: الموالون لنتنياهو على رأس قائمة المرشحين للكنيست

شفا – أظهرت نتائج الانتخابات التمهيدية في حزب الليكود، التي جرت أمس، بعد فرز 90% …