
أكسجين غزة.. أزمة تكشف هشاشة القطاع الصحي ، بقلم : عبد الباري فياض
لم تعد أزمة القطاع الصحي في غزة مرتبطة فقط بالمستشفيات التي خرجت من الخدمة أو بنقص الأدوية والمستلزمات الطبية، فقد وصلت الأزمة إلى واحدة من الخدمات الأساسية التي تعتمد عليها الحالات الحرجة، بعدما أعلنت وزارة الصحة في غزة توقف 22 محطة أكسجين عن العمل، محذرة من تداعيات ذلك على قدرة المستشفيات التي لا تزال تعمل على توفير احتياجات المرضى، في ظل الظروف الصعبة التي فرضتها الحرب والقيود على دخول الإمدادات الأساسية.
قد يبدو توقف محطات الأكسجين في ظاهره مشكلة فنية يمكن التعامل معها بإصلاح المعدات أو إدخال قطع الغيار، لكن الواقع أكثر تعقيدًا. فإنتاج الأكسجين داخل المستشفيات يحتاج إلى كهرباء ومعدات وصيانة منتظمة، كما يحتاج إلى وصول مستمر إلى المستلزمات اللازمة للتشغيل. ولذلك فإن توقف هذه المحطات لا يمثل عطلًا منفصلًا، وإنما يكشف هشاشة شبكة واسعة من الخدمات التي يعتمد عليها القطاع الصحي.
وتزداد خطورة الأزمة لأن الأكسجين ليس من المستلزمات التي يمكن تأجيلها إلى حين تحسن الظروف. فأقسام العناية المركزة والعمليات وبعض الحالات التنفسية تعتمد عليه بصورة مستمرة، وأي نقص في الإمدادات يضيّق هامش قدرة الطواقم الطبية على التعامل مع المرضى، خصوصًا في قطاع يعمل فيه النظام الصحي أصلًا بقدرات محدودة.
لكن أزمة الأكسجين تطرح سؤالًا يتجاوز كيفية إعادة تشغيل المحطات المتوقفة: إلى متى يمكن الاستمرار في إدارة القطاع الصحي بمنطق الطوارئ؟ فإرسال المعدات أو إصلاح بعض المحطات قد يمنح المستشفيات قدرة مؤقتة على مواصلة العمل، لكنه لا يعالج مشكلة البنية الأساسية التي تحتاج إلى إعادة تأهيل واسعة، ولا يضمن عدم تكرار الأزمة مع أي نقص جديد في الكهرباء أو الوقود أو قطع الغيار.
وهنا تلتقي الأزمة الصحية مع التطورات السياسية في غزة. فقد عادت المفاوضات بشأن المرحلة التالية إلى الواجهة خلال الأيام الأخيرة، مع تحرك أميركي قاده جاريد كوشنر، شمل لقاءً مع قيادة حماس في القاهرة، قبل أن يجتمع مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس. ولم يسفر التحرك عن قرار حاسم، لكن الجانبين اتفقا على مواصلة العمل من خلال مجموعتي عمل تتناولان ملف نزع السلاح وقضايا السكان، في محاولة لدفع الخطة الأميركية إلى الأمام.
واللافت أن ملف نزع السلاح لم يعد مجرد خلاف حول مبدأ القبول به. فقد أبدت حماس استعدادًا للمضي في خارطة طريق تتضمن نزع السلاح ضمن ترتيبات المرحلة المقبلة، لكنها تربط تنفيذ التزاماتها بخطوات مقابلة وضمانات تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي ووقف الحرب وإعادة الإعمار. وفي المقابل، تتمسك إسرائيل بأن نزع سلاح الحركة يجب أن يسبق الانسحاب وبدء إعادة الإعمار.
وهذا التفصيل مهم في قراءة الأزمة الحالية؛ لأن العقدة لم تعد مجرد رفض فلسطيني لنزع السلاح، وإنما أصبحت مرتبطة بكيفية تنفيذ الخطة وتسلسل خطواتها والضمانات التي تحول دون بقاء أي طرف ملزمًا بتنفيذ التزاماته من دون الحصول على المقابل المتفق عليه. وبينما تريد إسرائيل التأكد من إزالة القدرات العسكرية لحماس، تطالب الحركة بضمانات بشأن الالتزامات الإسرائيلية. ولذلك بقي الانتقال إلى المرحلة التالية دون حسم نهائي.
لكن القطاع الصحي لا يستطيع انتظار اكتمال التسوية السياسية. فالمريض الذي يحتاج إلى الأكسجين لا يمكنه تأجيل علاجه إلى أن يتم الاتفاق على مستقبل الحكم، والمستشفى الذي يواجه نقصًا في المعدات لا يستطيع الانتظار حتى تنتهي المفاوضات. ولهذا ينبغي التعامل مع الخدمات الطبية باعتبارها ملفًا يمكن تحييده عن القضايا السياسية الأكثر تعقيدًا، بل إن تأمينها قد يكون جزءًا من إجراءات بناء الثقة التي تساعد على دفع المسار السياسي نفسه.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي اختزال الأزمة الصحية في عامل واحد. فالحرب ألحقت أضرارًا واسعة بالبنية التحتية، كما ساهمت صعوبات إدخال بعض الإمدادات والمعدات ونقص الكهرباء والوقود وقطع الغيار في إضعاف قدرة المؤسسات الطبية على العمل. وفي أي مرحلة مقبلة، ستحتاج الإدارة الصحية الفلسطينية أيضًا إلى ترتيبات أكثر وضوحًا ومهنية، تسمح بتنسيق أفضل مع المؤسسات الدولية والجهات المانحة، وتبقي الخدمات الطبية بعيدة عن التجاذبات السياسية.
وتصبح هذه المسألة أكثر أهمية مع أي انتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار، لأن إعادة بناء القطاع الصحي لن تتوقف عند تشييد المستشفيات والمنشآت الطبية. فاستعادة قدرتها على العمل تتطلب إعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات، وتأمين الأدوية والمعدات وقطع الغيار، ودعم الكوادر الطبية، وضمان وصول الإمدادات بصورة منتظمة. ومن دون هذه المقومات، ستظل المنشآت الجديدة عرضة للتعطل، وستبقى أزمات القطاع الصحي قابلة للتكرار.
لذلك فإن تأمين الأكسجين والوقود والمستلزمات الطبية لا ينبغي أن ينتظر التسوية السياسية النهائية، بل يجب أن يكون جزءًا من ترتيبات المرحلة المقبلة، بالتوازي مع حماية المنشآت الطبية وضمان وصول المرضى إلى العلاج. فأزمة محطات الأكسجين تكشف أن التحدي في غزة لا يتعلق فقط بحجم الدمار، وإنما بقدرة المؤسسات التي بقيت على العمل والاستمرار. وإذا كانت إعادة الإعمار ستفتح الطريق أمام مرحلة جديدة، فإن إعادة تأهيل القطاع الصحي وضمان استمرارية خدماته يجب أن تكون في مقدمة الأولويات، لأن الانتقال من الحرب إلى الاستقرار لن يقاس فقط بما يُبنى على الأرض، وإنما بقدرة السكان على استعادة الخدمات الأساسية التي تقوم عليها حياتهم اليومية.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.