9:58 مساءً / 11 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

جدري الماء يفتك بأطفال غزة.. من ينقذهم؟ بقلم : أمينة خليفة

جدري الماء يفتك بأطفال غزة.. من ينقذهم؟ بقلم : أمينة خليفة

ينتشر مرض جدري الماء بشراسة في أجساد أطفال غزة، في وقت تبدو فيه الأزمة الصحية داخل القطاع أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، إذ لا يواجه الأطفال المرض في ظروف طبيعية تسمح بالعلاج والراحة والمتابعة الطبية، وإنما وسط واقع إنساني قاسٍ تفتقر فيه الأسر إلى كثير من الاحتياجات الأساسية، وهو ما يجعل الإصابة بمرض يبدو شائعاً وقابلاً للعلاج أكثر خطورة على الأطفال الذين يعيشون تحت وطأة الحرب والنزوح ونقص الخدمات.

وربما لا تكمن المشكلة في انتشار جدري الماء وحده، بقدر ما تكمن في البيئة التي ينتشر فيها، فالأطفال يعيشون في أماكن مكتظة، وتجمعات النازحين تفرض ظروفاً تجعل انتقال العدوى أكثر سهولة، بينما تصبح قدرة الأسر على عزل الطفل المصاب أو توفير مساحة مناسبة للراحة محدودة للغاية، وبالأحرى فإن المرض يجد طريقه بسهولة داخل تجمعات تضم أعداداً كبيرة من الأطفال الذين يعيشون في ظروف متقاربة، ما يضاعف المخاوف من اتساع دائرة الإصابات.

ويبدو أن الأطفال هم الفئة الأكثر تأثراً بهذا الواقع، ليس فقط لأن أجسادهم أكثر احتياجاً إلى الرعاية والمتابعة عند المرض، ولكن أيضاً لأن ظروفهم المعيشية لا تمنحهم الفرصة الكافية للتعافي في بيئة آمنة ونظيفة، فالطفل المصاب يحتاج إلى الراحة والعناية ومراقبة الأعراض، بينما تواجه أسر كثيرة صعوبة في الحصول على المياه النظيفة، ومستلزمات النظافة، والأدوية، وحتى المكان الملائم الذي يمكن أن يقضي فيه الطفل فترة مرضه بعيداً عن الآخرين.

كما أن انتشار جدري الماء في هذه الظروف يضع الأسر أمام تحديات إضافية، فالأم والأب لا يبحثان فقط عن علاج طفل مصاب، وإنما يحاولان في الوقت نفسه حماية باقي أفراد الأسرة من العدوى، وهو أمر يبدو بالغ الصعوبة عندما تعيش الأسرة في خيمة أو مأوى مكتظ، أو عندما تضطر إلى مشاركة مساحة محدودة مع عائلات أخرى، وربما يصبح الالتزام بإجراءات العزل والنظافة التي تبدو بسيطة في الظروف الطبيعية أمراً شبه مستحيل بالنسبة إلى كثير من الأسر النازحة.

ولا تتوقف الأزمة عند حدود الإصابة بالمرض، إذ إن الحاجة إلى الخدمات الصحية أصبحت ملحة أكثر من أي وقت مضى، في ظل تعرض المنظومة الطبية داخل غزة لضغوط هائلة، فالمرافق الصحية التي يفترض أن تستقبل المرضى وتقدم لهم الرعاية تواجه بدورها احتياجات ضخمة ومتزايدة، بينما يتعين على الطواقم الطبية التعامل مع أعداد كبيرة من الحالات والأمراض والإصابات، وهو ما يجعل توفير الرعاية اللازمة لكل طفل مريض تحدياً متواصلاً.

ومن ناحية أخرى، يبدو أن نقص الأدوية والمستلزمات الطبية يمثل عبئاً إضافياً على الأسر، خصوصاً عندما تظهر أعراض تحتاج إلى تقييم طبي أو متابعة مستمرة، فالمرض الذي قد يمر في الظروف العادية بمتابعة منزلية بسيطة يمكن أن يتحول إلى مصدر قلق كبير عندما لا يكون الوصول إلى الطبيب سهلاً، وعندما تكون الأسرة غير قادرة على الحصول على الدواء أو لا تعرف متى تصبح الأعراض بحاجة إلى تدخل طبي عاجل، وربما يكون هذا القلق أكبر لدى الأسر التي لديها أكثر من طفل مصاب.

كما أن البيئة الصحية المحيطة تلعب دوراً مهماً في تفاقم المخاوف، فالمياه النظيفة ووسائل النظافة الشخصية والمساحات المناسبة للمعيشة ليست مجرد احتياجات يومية، وإنما عناصر أساسية للحد من انتشار الأمراض داخل التجمعات السكانية، ويبدو أن غياب هذه المقومات أو صعوبة الوصول إليها يجعل السيطرة على الأمراض المعدية أكثر تعقيداً، خاصة عندما تتزامن الإصابات مع ضعف القدرة على تقديم خدمات الرعاية الصحية الوقائية بصورة منتظمة.

وفي الوقت ذاته، لا يمكن فصل انتشار الأمراض بين الأطفال عن التأثير النفسي الذي خلفته الحرب والنزوح، فالطفل الذي يعيش وسط أصوات القصف والدمار وفقدان المنزل أو أحد أفراد الأسرة يجد نفسه أمام تجربة قاسية، ثم يضاف إليها المرض والألم والخوف من العدوى، وربما لا يكون التعامل مع هذه الأعراض النفسية أقل أهمية من التعامل مع المرض الجسدي نفسه، لأن الطفل يحتاج إلى الشعور بالأمان بقدر حاجته إلى العلاج والرعاية.

ومن الواضح أيضاً أن مسؤولية مواجهة انتشار المرض لا تقع على الأسر وحدها، فالأزمة تحتاج إلى استجابة صحية وإنسانية واسعة تشمل توفير العلاج والأدوية والمستلزمات الطبية، وتحسين ظروف النظافة والمياه، ودعم المراكز الصحية والطواقم الطبية، إلى جانب نشر التوعية بين الأسر بشأن كيفية التعامل مع الأطفال المصابين ومتى ينبغي طلب المساعدة الطبية، لأن الوقاية من انتشار المرض تصبح أكثر صعوبة عندما تكون الأسرة وحدها في مواجهة الظروف المحيطة بها.

وربما تكشف أزمة جدري الماء بين أطفال غزة عن صورة أوسع للأزمة الصحية داخل القطاع، فالمشكلة ليست في مرض واحد بعينه، وإنما في منظومة كاملة تواجه ضغوطاً متراكمة، بدءاً من الاكتظاظ والنزوح ونقص الاحتياجات الأساسية، وصولاً إلى صعوبة الوصول إلى الخدمات الطبية، وهو ما يجعل أي مرض معدٍ قادراً على إحداث تأثير أكبر من المعتاد، ويضع الأطفال تحديداً في دائرة تحتاج إلى اهتمام عاجل ومستمر.

وفي النهاية، يبدو أن أطفال غزة لا يواجهون جدري الماء وحده، وإنما يواجهون المرض داخل واقع صحي وإنساني بالغ الهشاشة، ولذلك فإن توفير الخدمات الطبية للأطفال لا ينبغي أن يكون استجابة مؤقتة لزيادة الإصابات، بل جزءاً من احتياج أوسع إلى حماية صحة الأطفال وتأمين بيئة تسمح لهم بالتعافي والعيش بأمان، وبالأحرى فإن إنقاذ الطفل المصاب يبدأ من توفير العلاج، لكنه لا ينتهي عنده، لأن الحد من انتشار المرض يتطلب أيضاً مياه نظيفة، ونظافة مناسبة، ومأوى آمناً، وخدمات صحية قادرة على الوصول إلى كل طفل يحتاج إليها.

شاهد أيضاً

الرئيس محمود عباس يصل تركيا في زيارة رسمية

الرئيس محمود عباس يصل تركيا في زيارة رسمية

شفا – وصل رئيس دولة فلسطين محمود عباس، مساء اليوم الثلاثاء، إلى العاصمة التركية أنقرة، …