
لولا الظلم التاريخيّ… محمود درويش وإعلان الاستقلال الذي ما زال ينتظر أن يصبح وطناً ، بقلم: أحمد سليمان
في ذكرى رحيل محمود درويش لا نستعيد شاعراً فحسب ولا نفتح ديواناً لنبحث بين صفحاته عن قصيدة أحببناها بل نستعيد صوت فلسطين وهي تحاول منذ عقود طويلة أن تكتب روايتها بنفسها في مواجهة رواية أراد الآخرون فرضها عليها. محمود درويش لم يكن شاعراً لفلسطين فقط بل كان أحد الذين أعطوا فلسطين لغتها الحديثة لغة قادرة على أن تجمع بين الشعر والسياسة وبين الذاكرة والمستقبل وبين حق شعب في وطنه وحق الإنسان في الحرية والكرامة.
ولعل واحدة من أهم المحطات التي اختصرت هذه العلاقة بين الشاعر والوطن كانت وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني التي صاغها محمود درويش وأقرها المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التاسعة عشرة وقرأها الرئيس الراحل ياسر عرفات في الجزائر يوم 15 تشرين الثاني نوفمبر 1988. لم تكن الوثيقة مجرد إعلان سياسي بقيام دولة بل كانت محاولة فلسطينية لكتابة التاريخ من جهة أصحابه وإعلاناً بأن شعب فلسطين الذي تعرض للنكبة والاقتلاع والتشريد لم يتخل عن حقه في وطنه ولم يسقط حقه بالتقادم.
لولا الظلم التاريخي الذي وقع على الشعب الفلسطيني لما أصبح الفلسطيني مطالباً جيلاً بعد جيل بإثبات أنه صاحب هذه الأرض. لولا الظلم التاريخي لما أصبح اللاجئ يحمل مفتاح بيت لا يستطيع الوصول إليه بينما يكبر أبناؤه وأحفاده في المخيمات والشتات وهم يتوارثون اسم القرية والمدينة كما يتوارث الآخرون بيوتهم وأراضيهم. لولا الظلم التاريخي لما تحولت القدس إلى ساحة صراع على الهوية ولما تمدد الاستيطان فوق الأرض الفلسطينية ولما أصبحت حياة شعب بأكمله معلقة بين احتلال وحصار وحواجز وسجون ومنافي. ولولا هذا الظلم لما احتاج محمود درويش إلى أن يكتب وطناً بالكلمات لأن الوطن على الأرض كان ينتزع من أصحابه.
حين كتب درويش وثيقة الاستقلال لم يكتب نصاً عاطفياً فقط بل كتب رؤية سياسية ووطنية لدولة فلسطينية أرادها الفلسطينيون دولة ديمقراطية تقوم على المساواة في الحقوق وتصون المعتقدات والكرامة الإنسانية. وكان جوهر الإعلان واضحاً بأن للشعب الفلسطيني حقاً طبيعياً وتاريخياً وقانونياً في وطنه وحقاً في تقرير مصيره والاستقلال والسيادة ومن هنا أعلن المجلس الوطني الفلسطيني قيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشريف.
لكن المفارقة المؤلمة أن السنوات مضت ورحل ياسر عرفات ورحل محمود درويش وما زال الفلسطيني ينتظر أن تتحول الدولة التي أعلنت بالكلمات إلى دولة كاملة السيادة على الأرض. حصلت فلسطين على اعتراف واسع ورفرف علمها في المحافل الدولية لكن السؤال بقي قائماً أين الاستقلال؟ ما قيمة الاعتراف بالدولة إذا كانت الأرض نفسها تتآكل تحت الاستيطان وما معنى الحديث عن حل سياسي إذا كان الفلسطيني يرى كل يوم أن المساحة التي يفترض أن تقوم عليها دولته تصبح أصغر وما معنى القانون الدولي إذا بقي تطبيقه خاضعاً لموازين القوى؟
كان محمود درويش يعرف أن القضية الفلسطينية ليست قضية حدود فقط بل قضية وجود وذاكرة وهوية وعدالة ولهذا لم تكن فلسطين في كتابته مجرد قطعة جغرافية بل كانت الأم والبيت واللغة والبحر والزيتون والمخيم والمنفى والعودة. وكان يعرف أيضاً أن الفلسطيني لا يريد أن يبقى ضحية إلى الأبد ولا أن تتحول هويته إلى مجرد قصة مأساوية يرويها العالم في المناسبات. الفلسطيني يريد أن يعيش حراً ويريد دولة ويريد أن يعود اللاجئ إلى وطنه ويريد أن يعيش الطفل دون خوف ويريد أن تكون القدس مدينة للحياة لا عنواناً دائماً للصراع.
وفي ذكرى رحيل محمود درويش ربما يكون الوفاء الحقيقي له ألا نكتفي باستعادة قصائده بل أن نعود إلى السؤال الذي بقي معلقاً منذ إعلان الاستقلال ماذا فعلنا بالدولة التي كتبها درويش؟ هل اقتربنا منها أم ابتعدنا؟ هل حافظنا على المشروع الوطني الذي كتب من أجله أم أضعناه وسط الانقسام والصراعات والحسابات الصغيرة؟ وهل ما زالت مؤسساتنا الوطنية قادرة على حمل المشروع الذي حمله جيل كامل من الفلسطينيين أم أن الوقت حان لإعادة بناء البيت الفلسطيني على أساس المشاركة والوحدة والديمقراطية وإشراك الشباب والمرأة والشتات؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للشعب الفلسطيني ليس أن يتعرض للظلم فقد واجه الظلم طويلاً بل أن يعتاد العالم هذا الظلم وأن يتحول الاحتلال والاستيطان واللجوء والحصار إلى أخبار عادية وأن يصبح الفلسطيني رقماً في نشرات الأخبار بدلاً من أن يبقى إنساناً له اسم وبيت وذاكرة ووطن وحق في الحرية.
ربما لو لم يقع ذلك الظلم التاريخي لكان محمود درويش شاعراً للحب والطبيعة والحياة فقط لكن فلسطين جعلته يحمل وطناً كاملاً في قصيدة وجعلته يشارك في كتابة إعلان استقلال شعبه. رحل محمود درويش في التاسع من آب عام 2008 وبقي النص وبقي الوطن وبقي السؤال وبعد ثمانية عشر عاماً على رحيله ما زالت كلماته تتقدمنا وكأن صاحبها كان يعرف أن الطريق إلى فلسطين سيكون أطول من أعمارنا.
محمود درويش لم يكتب إعلان استقلال دولة ولدت وانتهى الأمر بل كتب وعداً بأن الشعب الذي بقي على أرضه وحمل وطنه معه إلى المنافي والمخيمات لن يتحول إلى هامش في كتب التاريخ. ولهذا فإن إعلان الاستقلال لم يصبح وثيقة من الماضي بل ما زال وثيقة للمستقبل أيضاً والدولة التي كتبها محمود درويش بالكلمات ما زالت تنتظر أن يكتبها الفلسطينيون على الأرض حرية وسيادة وعودة وقدساً ووحدة وطنية.
لولا الظلم التاريخي لما احتاج الفلسطيني إلى كل هذا الشعر كي يثبت أن له وطناً ولولا فلسطين لما أصبح محمود درويش صوت شعب كامل يقول للعالم نحن هنا وسنبقى هنا.
رحم الله محمود درويش شاعر فلسطين الذي حمل الوطن في كلماته وكتب حلم شعبه بالحرية والاستقلال ورحم الله القائد ياسر عرفات الذي حمل فلسطين بندقيتها وغصن زيتونها وأعلن باسم شعبها قيام دولة فلسطين. رحلا وبقيت فلسطين وبقي الحلم وبقي العهد بأن هذا الشعب مهما طال ظلمه ومهما اشتد احتلاله لن يتنازل عن حقه في الحرية والعودة والاستقلال وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
رحم الله محمود درويش ورحم الله ياسر عرفات وستبقى فلسطين أكبر من الغياب وأقوى من النسيان.
- – أحمد سليمان – رئيس المركز السويدي الفلسطيني .
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.