5:50 مساءً / 9 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

اتفاق مكة… تحالف إسلامي أم إعادة تشكيل لمنظومة الأمن الإقليمي؟ بقلم : سالي أبو عياش

اتفاق مكة… تحالف إسلامي أم إعادة تشكيل لمنظومة الأمن الإقليمي؟ بقلم : سالي أبو عياش


في مكة المكرمة؛ اجتمعت تركيا وباكستان والسعودية لتوقيع اتفاق دفاع مشترك، ينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعا، إلى جانب تعزيز التعاون الدفاعي بينها. وسرعان ما بدأ تداول توصيفات مثل «الناتو الإسلامي» و«الناتو السني» لوصف الاتفاق، رغم أن هذه التسميات ليست الاسم الرسمي له.


لكن بعيداً عن التوصيفات الإعلامية، فإن الاتفاق يستحق قراءة أعمق من مجرد النظر إليه باعتباره تحالفاً جديداً بين ثلاث دول ذات غالبية مسلمة. فالدول الثلاث ليست دولاً عابرة في تاريخ النظام الإقليمي؛ بل كانت، بدرجات مختلفة، جزءاً من منظومات أمنية وسياسية ارتبطت تاريخياً بالغرب والولايات المتحدة، خصوصاً خلال الحرب الباردة.
فتركيا انضمت إلى حلف شمال الأطلسي عام 1952، وكانت باكستان طرفاً في ترتيبات «الحزام الشمالي» وحلف بغداد ثم الحلف المركزي «سينتو»، بينما ارتبطت السعودية لعقود طويلة بشراكة أمنية واستراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة. ومن هنا فإن استدعاء التاريخ عند قراءة اتفاق مكة ليس أمراً اعتباطيا، لكنه في الوقت ذاته لا يكفي لإثبات أن الاتفاق الحالي مجرد امتداد للأحلاف الغربية القديمة.
فالتاريخ مهم، لكن لا يجوز أن يتحول إلى حكم مسبق على الحاضر.
إن تركيا القرن الحادي والعشرين ليست تركيا منتصف القرن الماضي سياسياً ولا عسكريا، كما أن باكستان اليوم دولة نووية، ولها علاقة استراتيجية معلنة وعميقة مع الصين، إحدى أبرز القوى المنافسة للولايات المتحدة على مستوى النظام الدولي. أما السعودية، فقد شهدت خلال السنوات الأخيرة انفتاحاً واضحاً على تنويع علاقاتها الدولية وعدم حصر شراكاتها الكبرى في الولايات المتحدة وحدها.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل كانت هذه الدول حليفة للغرب تاريخياً؟
السؤال الأكثر أهمية هو: هل اتفاق مكة هو بالضرورة إعادة إنتاج لذلك الدور التاريخي بأدوات جديدة؟
وهنا يجب أن نكون أكثر حذراً.
فكون الدول الثلاث قد أدت أدواراً خدمت المصالح الغربية في مراحل تاريخية مختلفة لا يعني أن كل اتفاق يجمعها اليوم هو بالضرورة اتفاق أمريكي، أو أن كل ترتيباتها الأمنية تتحرك وفق إرادة خارجية. والحكم على الاتفاق يجب أن ينطلق من مضمونه ووظيفته: ما هو التهديد الذي يستهدفه؟ من يملك قرار تفعيل الالتزام الدفاعي؟ وهل القرار ذاتي للدول الثلاث أم مرتبط بترتيبات خارجية؟ وما طبيعة الالتزام الذي يفرضه الاتفاق عند وقوع العدوان؟
حتى الآن، اللافت أن الاتفاق لا يسمّي عدواً محددا، وهو ما يترك مجالًا واسعاً للتأويل. إلا أن توقيته، وسط التوترات والحرب الإقليمية الحالية، يجعل إيران حاضرة بقوة في الحسابات الاستراتيجية التي تحيط به، حتى لو لم تُذكر بالاسم في نص الاتفاق.
وهنا تظهر المفارقة.
فمن جهة، يمكن قراءة الاتفاق باعتباره جزءاً من محاولة احتواء إيران ومنع توسع نفوذها، أو حتى إعادة توزيع أدوار المواجهة معها بحيث تتحمل القوى الإقليمية جزءاً أكبر من عبء الأمن بدل الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.
لكن من جهة أخرى، يمكن النظر إليه باعتباره مؤشراً على أن دول المنطقة نفسها بدأت تشعر بالحاجة إلى بناء ترتيبات أمنية خاصة بها، في ظل تغير موازين القوى الدولية والإقليمية، وتراجع قدرة القوة الأمريكية وحدها على احتكار إدارة الأمن في الشرق الأوسط.
وهنا تصبح فرضية «التراجع الأمريكي» أكثر تعقيدا.
فنشوء تحالفات إقليمية جديدة لا يعني تلقائياً أن الولايات المتحدة خرجت من المنطقة أو فقدت نفوذها. وقد يكون العكس صحيحاً في بعض الحالات؛ إذ تستطيع القوى الكبرى إعادة توزيع أعباء الأمن على حلفائها وشركائها المحليين بدل التدخل المباشر في كل أزمة.
لكن حتى لو افترضنا أن هذا التحالف يخدم المصالح الغربية بصورة أو بأخرى، فإن مجرد الحاجة إلى بناء إطار إقليمي علني يقوم على تقاسم المسؤولية الدفاعية قد يكون مؤشراً على تغير في طبيعة الهيمنة القديمة، التي كانت تقوم بدرجة أكبر على وجود قوة خارجية قادرة على إدارة التوازنات الأمنية بصورة مباشرة.
أما إذا كان الاتفاق يمثل بالفعل محاولة إقليمية لبناء قدرة ردع مستقلة، فإننا نكون أمام تطور أكثر أهمية: ثلاث دول ذات ثقل سياسي وعسكري واقتصادي تحاول إنشاء معادلة أمنية جديدة في واحدة من أكثر مناطق العالم تنافسا.
وهنا لا بد من النظر إلى طبيعة الدول الثلاث.
تركيا دولة عضو في الناتو، لكنها في الوقت نفسه تمتلك حساباتها الخاصة في الشرق الأوسط، ولها علاقات مع روسيا والصين، ومصالح إقليمية لا تتطابق دائمًا مع الحسابات الأمريكية.
وباكستان، من جانب آخر، لا تتحرك اليوم في بيئة الحرب الباردة نفسها. فهي دولة نووية، وتعتبر شراكتها الاستراتيجية مع الصين من ركائز سياستها الخارجية، الأمر الذي يجعل اختزالها في كونها مجرد أداة من أدوات المنظومة الغربية قراءة ناقصة.
أما السعودية، فرغم استمرار شراكتها الأمنية والعسكرية العميقة مع واشنطن، فإن سياستها الخارجية خلال السنوات الأخيرة أظهرت توجهاً نحو تنويع العلاقات والشراكات، بما في ذلك الصين وروسيا والقوى الإقليمية.
لذلك فإن اجتماع الدول الثلاث لا يمكن اختزاله بسهولة في ثنائية «مع أمريكا أو ضد أمريكا».
الأرجح أننا أمام مرحلة تتداخل فيها المصالح.
قد يخدم الاتفاق هدفاً أمريكياً في احتواء خصوم واشنطن، وفي الوقت ذاته يخدم مصالح الدول الثلاث في بناء مظلة ردع خاصة بها. وقد يخدم السعودية في مواجهة تهديدات أمنية محتملة، ويمنح باكستان حضوراً أكبر في أمن الخليج، ويمنح تركيا موقعاً أكثر تأثيراً في صياغة النظام الأمني الإقليمي.
وهذا تحديداً هو ما يجعل الاتفاق مهما.فالنظام الدولي نفسه يشهد تحولاً من مرحلة الأحادية الأمريكية المطلقة نحو بيئة أكثر تنافسا، تتصاعد فيها أدوار الصين وروسيا والقوى الإقليمية، وتصبح فيها الدول متوسطة الحجم أكثر قدرة على المناورة بين القوى الكبرى.
وبالتالي، قد لا يكون السؤال: هل اتفاق مكة ضد أمريكا؟
بل: هل تستطيع الدول الموقعة استخدامه لصالح مصالحها المستقلة، أم أن الاتفاق سينتهي إلى وظيفة أخرى، بحيث تتحول الدول الإقليمية إلى أدوات لتنفيذ أهداف القوى الكبرى؟
وهنا تأتي القضية الأكثر حساسية وهي: إسرائيل.
فالاتفاق يأتي في لحظة لم تعد فيها المنطقة تواجه فقط التهديدات التقليدية المرتبطة بإيران أو الصراعات الداخلية، بل تواجه أيضاً تحولات عميقة في طبيعة القوة الإسرائيلية وطموحاتها الإقليمية، في ظل الحرب والتوسع العسكري والحديث المتزايد عن إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة.
ومن هنا يمكن طرح احتمال آخر: ربما لا يكون الهدف الأساسي من الاتفاق احتواء إيران وحدها، وإنما بناء مظلة ردع إقليمية في مواجهة بيئة أمنية جديدة، بما فيها التمدد الإسرائيلي والتهديدات التي يمكن أن تطال دولاً إقليمية كتركيا ومصر وغيرها.
وهذه الفرضية لا يمكن الجزم بها من دون معرفة كيفية تطبيق الاتفاق مستقبلا، لكنها تستحق النقاش، خصوصاً أن الاتفاق لا يحدد عدواً بعينه، بل يتحدث عن الاعتداء المسلح بصورة عامة.
وفي المقابل، يبقى احتمال آخر قائماً: أن يتحول الاتفاق إلى أداة ضغط على إيران وحلفائها، وربما إلى وسيلة لإعادة توزيع أدوار المواجهة الإقليمية، بحيث تتحمل دول المنطقة جزءاً من مواجهة إيران واليمن، وربما أطرافاً أخرى، بدل أن تخوض الولايات المتحدة كل هذه المواجهات بصورة مباشرة.
لكن هذه ليست حقائق محسومة، وإنما سيناريوهات ستحددها المرحلة القادمة.
ولهذا فإن الحكم على اتفاق مكة اليوم بأنه «ناتو إسلامي» قد يكون سابقاً لأوانه.
فالناتو ليس مجرد اتفاق دفاعي؛ إنه مؤسسة عسكرية وسياسية متكاملة، ذات آليات واضحة وهيكل قيادة وتاريخ طويل من العمل المشترك. أما اتفاق مكة فما زال في بدايته، وسيكون الاختبار الحقيقي له عند أول أزمة: عندما تتعرض إحدى الدول الثلاث لتهديد حقيقي، من سيقرر أن العدوان وقع؟ وكيف ستتحرك الدولتان الأخريان؟ وهل سيكون التدخل تلقائياً؟ وما حدود الالتزام العسكري؟
هناك فقط يمكن معرفة طبيعة هذا التحالف.
وبينما ينشغل البعض بالسؤال عما إذا كان الاتفاق «سنياً» أم «أمريكياً» أم «موجهاً ضد إيران»، ربما يكون السؤال الأهم هو: هل نحن أمام ولادة منظومة أمن إقليمية جديدة، أم أمام إعادة توزيع للأدوار داخل المنظومة القديمة؟
الإجابة لن يقدمها اسم الاتفاق ولا مكان توقيعه، بل ستقدمها وظيفته.
فإذا امتلكت الدول الثلاث قرارها، وحددت تهديداتها وفق مصالحها، واستطاعت بناء قدرة ردع مستقلة، فقد يكون اتفاق مكة خطوة في اتجاه إقليمي جديد يتجاوز احتكار القوة الخارجية لأمن المنطقة.
أما إذا أصبح الاتفاق مجرد أداة لإدارة صراعات الآخرين، أو لإعادة إنتاج الاصطفافات القديمة تحت عناوين جديدة، فسيكون «الناتو الإسلامي» مجرد اسم آخر لتحالف جديد يؤدي وظيفة قديمة.
وفي الحالتين، فإن مجرد ولادة هذا الاتفاق في هذه اللحظة يكشف حقيقة لا يمكن تجاهلها: الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى، ولم يعد من الممكن قراءة تحالفاته بمنطق الحرب الباردة وحده.

شاهد أيضاً

جبهة النضال الشعبي تنعى القائد الوطنيّ السفير دياب اللوح

شفا – نعت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني باسم امينها العام د. احمد مجدلاني ومكتبها السياسي …