11:11 صباحًا / 4 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

لماذا غابت الانتقادات الغربية لـ”نموذج خفي” بعد إدراج شركة CXMT؟ ، بقلم: تشنغ خه


تشنغ خه – رئيسة تحرير في قسم الأعمال العالمية بشبكة CGTN

أثار إدراج شركة CXMT (أو شركة تشانغشين لتقنيات الذاكرة)، إحدى أبرز شركات تصنيع رقائق الذاكرة في الصين، في سوق “ستار” (STAR Market) للابتكار العلمي والتكنولوجي التابع لبورصة شنغهاي اهتماماً واسعاً، ليس فقط بسبب الأداء القوي لسهمها أو القيمة السوقية التي حققتها، بل لأنه يعكس تقدماً جديداً للصين في صناعة أشباه الموصلات، وهي صناعة ظلت لسنوات تمثل أحد أبرز التحديات التكنولوجية أمام الصين.

لكن خلف قصة نجاح الشركة، برز اسم آخر استحوذ على اهتمام المراقبين، وهو مدينة خفي (تقع في مقاطعة آنهوي شرقي الصين)، التي تمتلك حصة مؤثرة في الشركة. فقد أعاد هذا الإدراج تسليط الضوء على ما يعرف بـ “نموذج خفي”، وهو نموذج استثماري تتبناه الحكومة المحلية لدعم الصناعات الاستراتيجية، ويُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره أحد العوامل التي ساهمت في تحول المدينة إلى مركز رئيسي لصناعات التكنولوجيا المتقدمة.

ويقوم هذا النموذج على أن تدخل الحكومة المحلية كمستثمر في الشركات الناشئة الواعدة عبر صناديق استثمار مملوكة للدولة، بدلاً من الاكتفاء بتقديم إعانات مالية مباشرة. وبذلك تتحمل الحكومة جزءاً من المخاطر، وفي المقابل تستفيد من العوائد إذا نجحت الشركات ونمت قيمتها السوقية، وهو ما يجعل دورها أقرب إلى دور المستثمر المؤسسي طويل الأجل منه إلى نموذج الدعم التقليدي.

وليس هذا النموذج جديداً؛ فقد سبق أن لفت الأنظار بعد استثمارات خفي في شركتي NIO للسيارات الكهربائية وBOE لصناعة شاشات العرض، إذ لم يقتصر هذا الاستثمار على إنقاذ الشركات، بل ساهم أيضاً في بناء منظومات صناعية متكاملة اجتذبت الموردين والكفاءات والشركات المرتبطة بها.

غير أن اللافت في قصة CXMT هذه المرة لم يكن نجاح الشركة بحد ذاته، وإنما غياب الانتقادات الغربية المعتادة، التي اعتادت وصف صعود الصناعات الصينية بأنه نتيجة “للدعم الحكومي” أو “المنافسة غير العادلة”. وهذا يطرح سؤالاً مهماً: لماذا لم يتعرض “نموذج خفي” للهجوم الذي واجهته سياسات صناعية صينية أخرى؟

أحد التفسيرات المحتملة هو أن هذا النموذج يشبه إلى حد بعيد آليات الاستثمار المعروفة في الاقتصادات الغربية. فالحكومة لا تمنح الشركات أموالاً بلا مقابل، وإنما تدخل كمساهم يتحمل المخاطر منذ المراحل الأولى، على أمل تحقيق عائد إذا نجح المشروع. وبذلك تصبح العلاقة قائمة على الاستثمار وتقاسم المخاطر، وليس على تقديم إعانات إنتاج دائمة.

صحيح أ الاستثمار الحكومي يختلف عن استثمارات صناديق رأس المال الجريء الخاصة، فالحكومة تسعى أيضاً إلى تحقيق أهداف تتعلق بالتنمية الصناعية، وخلق الوظائف، وتعزيز الأمن الاقتصادي والتكنولوجي. ومع ذلك، فإن هذا النهج القائم على الاستثمار في رأس المال يجعل من الصعب تصنيفه ببساطة على أنه “دعم حكومي” بالمعنى التقليدي.

ويعكس ذلك تحولاً أوسع تشهده الاقتصادات الكبرى. فمع احتدام المنافسة في التكنولوجيا المتقدمة، لم تعد الحكومات تكتفي بترك السوق يعمل وحده، بل أصبحت تؤدي دوراً أكثر فاعلية في توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الاستراتيجية.

فالولايات المتحدة نفسها ابتعدت خلال السنوات الأخيرة عن النهج القائم على قوى السوق وحدها في صناعة أشباه الموصلات. فمن خلال قانون الرقائق والعلوم (CHIPS and Science Act)، خصصت واشنطن عشرات المليارات من الدولارات لدعم الاستثمار في تصنيع أشباه الموصلات داخل الولايات المتحدة، وتشجيع الشركات على توسيع إنتاجها وتعزيز أمن سلاسل الإمداد. وقد استفادت من هذه السياسة شركات مثل Intel وTSMC وSamsung، التي أعلنت عن استثمارات ومشروعات تصنيع ضخمة في ولايات أمريكية مختلفة.

أما أوروبا، فقد اتخذت هي الأخرى خطوات مماثلة، إذ زادت الحكومات الأوروبية من دعمها لصناعات البطاريات والطاقة النظيفة وأشباه الموصلات، وأطلقت مبادرات مثل التحالف الأوروبي للبطاريات، إلى جانب تقديم حوافز استثمارية في دول مثل ألمانيا وفرنسا لتعزيز القدرات الصناعية المحلية.

ولهذا، لم يعد النقاش العالمي يدور حول ما إذا كان ينبغي للحكومات أن تتدخل في الاقتصاد، بل حول كيفية هذا التدخل وحدوده. فلكل نموذج مزاياه ومخاطره؛ إذ يمكن للاستثمار الحكومي أن يسرّع الابتكار ويخلق صناعات عالمية رائدة، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى سوء توجيه الموارد إذا لم تُدار الاستثمارات بكفاءة. وفي المقابل، تمنح آليات السوق الشركات مرونة أكبر، لكنها لا تكون دائماً قادرة على توفير الاستثمارات طويلة الأجل التي تتطلبها الصناعات الاستراتيجية.

ولهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام مختلف الدول يتمثل في إيجاد توازن بين دور الدولة ودور السوق، بما يتناسب مع مرحلة التنمية الاقتصادية، وهيكل الصناعة، والموارد البشرية المتاحة.

كما أن فهم صعود الصين في الصناعات المتقدمة لا ينبغي اختزاله في السياسات الصناعية وحدها. فإلى جانب الدعم الحكومي، أسهمت عوامل أخرى في هذا النجاح، من بينها وفرة الكفاءات الهندسية، وشدة المنافسة داخل السوق المحلية، وضخامة السوق الاستهلاكية، والتكامل الكبير في سلاسل التوريد.

وفي نهاية المطاف، قد لا تكون الدول الأكثر إنفاقاً على الدعم هي التي ستحقق الريادة في المنافسة التكنولوجية العالمية، بل تلك التي تنجح في الجمع بين الرؤية الاستراتيجية للدولة، وكفاءة السوق، وقدرة الشركات على الابتكار.

شاشة تعرض سعر افتتاح سهم شركة CXMT (أو شركة تشانغشين لتقنيات الذاكرة) قبيل إدراجها في سوق STAR ببورصة شنغهاي، شنغهاي، الصين، 27 يوليو/تموز 2026. /VCG

مقر شركة CXMT في مدينة خفي بمقاطعة آنهوي شرقي الصين، 27 يوليو/تموز 2026. /VCG

منظر جوي لمدينة خفي بمقاطعة آنهوي شرقي الصين، التي تعتمد على صناعة الدوائر المتكاملة لدفع تحولها إلى مركز للعلوم والابتكار، 1 أغسطس/آب 2026. /VCG

شاهد أيضاً

رام الله: الاحتلال يعتقل شاباً من أم صفا

شفا – اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر اليوم الثلاثاء، شاباً خلال اقتحامها، قرية أم صفا، …