
تركيا تتحرك لضم لبنان الى ساحتها ، بقلم : راسم عبيدات
يرى خبراء في الشؤون الإقليمية ان السعي إلى تثبيت نفوذ تركي في لبنان يشكل امتداداً طبيعياً للتجاذب التركي، الإسرائيلي من سورية وغزة إلى شرق المتوسط والساحة اللبنانية.
فأنقرة لا تنظر إلى لبنان بوصفه ساحة أمنية منفصلة، بل حلقة في الصراع على خرائط الطاقة والممرات البحرية، وتسعى إلى فصله عن المسار النفطي والغازي القبرصي، الإسرائيلي، اليوناني، الذي يهدف إلى إحكام السيطرة على ثروات شرق المتوسط واستبعاد تركيا من ترتيباتها. لذلك يحمل إعلان الاستعداد التركي للمشاركة في قوة بديلة لليونيفيل معنى يتجاوز حفظ الأمن، نحو حجز موقع في صياغة مستقبل الجنوب والحدود البحرية والطاقة. لكن هذا الطموح سيصطدم حكماً بفيتو إسرائيلي، شبيه بالاعتراض الإسرائيلي على أي دور تركي في غزة، لأن تل أبيب ترفض وجود قوة إقليمية منافسة قرب حدودها. وهكذا ينتقل الاشتباك التركي، الإسرائيلي من شمال سورية وقطاع غزة إلى لبنان، حيث يصبح تشكيل القوة الدولية الجديدة جزءاً من معركة النفوذ على البر والبحر.
تحرك تركيا لضم لبنان إلى ساحات منافستها مع “إسرائيل”. ففي سورية تدور المنافسة على الأمن والنفوذ الاستراتيجي ووحدة الدولة، أما في لبنان فتدخل الطاقة وخرائط شرق المتوسط في قلب الصراع. تريد أنقرة فصل لبنان عن المسار النفطي والغازي القبرصي الإسرائيلي اليوناني، وحجز موقع لها في ترتيبات الجنوب والحدود البحرية، ولذلك عرض الرئيس رجب طيب أردوغان المشاركة في قوة أمنية تخلف اليونيفيل.
لكن التجربة الفلسطينية تضع الإرادة التركية أمام الامتحان. فقد اصطدم الدور التركي في غزة بفيتو إسرائيلي، ولم تبد واشنطن استعداداً لمواجهة تل أبيب لفرضه. والأرجح أن “إسرائيل” ستستخدم الفيتو نفسه لمنع وجود تركي فاعل قرب حدودها في جنوب لبنان. لذلك لا يكفي أن تعلن أنقرة رغبتها في الحضور؛ عليها أن تقرر إن كانت مستعدة لتحمل كلفة المواجهة السياسية مع “إسرائيل”، أم أن المبادرة ستبقى ورقة تفاوض على النفوذ.
في سورية، جوهر المعركة مختلف. المسألة هنا أمنية واستراتيجية قبل أن تكون اقتصادية. تركيا تريد سورية مستقرة تحت نفوذها السياسي والأمني، تمنع قيام كيان كرديّ على حدودها وتضمن وحدة المجال السوري بما يخدم أمنها القومي. بينما تريد “إسرائيل” سورية ضعيفة ومجزأة، منزوعة القدرة العسكرية، مفتوحة أمام الغارات والتوغلات، وغير قادرة على استعادة الجولان أو تشكيل عمق للمقاومة في لبنان والعراق. ولذلك يصعب تصور تسوية تركية إسرائيلية مستدامة في سورية، لأن ما تعتبره أنقرة شرطاً للاستقرار تعتبره تل أبيب تهديداً مستقبلياً.
يبقى معيار صدقية الدور التركي هو فلسطين، لا لبنان ولا سورية. لأن الداخل التركي، الشعبي والحزبي، يتفاعل مع القضية الفلسطينية أكثر من أي عنوان إقليمي آخر. وقد زادت صعوبة الامتحان بعدما نجحت إيران في الظهور بوصفها القوة الإقليمية التي امتلكت شجاعة قصف “إسرائيل” بكثافة، بينما اكتفت تركيا بالخطاب والضغط الدبلوماسي. وهذا الفارق لا يُقاس فقط بموازين القوة، بل بصورة القيادة والجرأة أمام الرأي العام الإسلامي، وخصوصاً داخل تركيا نفسها.
أمام أنقرة احتمالان. الأول أن تنشأ تسوية تركية إسرائيلية تقوم على تقاسم غير معلن للنفوذ، دور تركي محدود في غزة مقابل تفاهمات في سورية، وترك الملف اللبناني لإدارة أميركية سعودية في مواجهة إيران. لكن هذا الاحتمال يصطدم برفض “إسرائيل” التخلي عن حرية عملها في سورية، وخشيتها من أي وجود تركي فاعل في غزة أو لبنان.
أما الاحتمال الثاني، فهو أن يصبح الصدام حتمياً إذا أصرّت “إسرائيل” على التعامل مع سورية بوصفها ساحة مفتوحة، وعلى لبنان بوصفه تابعاً لمسارها الأمني والنفطي وغزة مجرد ملحق جغرافي لترتيبات الأمن الإسرائيلي. عندها لن تستطيع تركيا مواجهة التغوّل الإسرائيلي بخطاب قومي تركي منفصل، بل ستضطر إلى العودة إلى العنوان الفلسطيني، والبحث عن صيغة تعاون أو تنسيق مع إيران، والنظر إلى سورية كساحة مشتركة تصل لبنان بالعراق، لا كمنطقة نفوذ تركي مغلقة.
هذا هو الامتحان التركي الصعب: هل تختار أنقرة حصة محدودة يمنحها لها التفاهم مع “إسرائيل” وواشنطن، أم تبني دوراً مشرقياً حقيقياً يبدأ من فلسطين ويقبل كلفة مواجهة المشروع الإسرائيلي؟ فالنفوذ لا تقرّره خرائط الانتشار وحدها، بل تحدده لحظة الصدام، ومن يملك عندها قرار البقاء والمواجهة.
فلسطين – القدس المحتلة
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.