12:25 مساءً / 31 يوليو، 2026
آخر الاخبار

غداً تُزهرُ الدماء .. (إلى طولكرم مرة أخرى ودائماً) ، بقلم : محمد علوش

غداً تُزهرُ الدماء .. (إلى طولكرم مرة أخرى ودائماً)

غداً تُزهرُ الدماء .. (إلى طولكرم مرة أخرى ودائماً) ، بقلم : محمد علوش

ليسَ هذا الترابُ
تراباً عابراً..
إنَّهُ قلبٌ قديمٌ
كلما نزفَتْهُ الريحُ
أنبتَ من جراحِهِ
قمراً جديداً.

هنا..
حيثُ نامتِ الحكاياتُ
في حضنِ الزيتون،
وحيثُ خبّأتِ البيوتُ
مفاتيحَها
في جيوبِ الغياب،
كانَ للدمِ
سرٌّ آخرُ غيرُ الرحيلْ.

كانَ الدمُ
حينَ يسقطُ في الأرضِ
لا يغيبْ..
بل يتعلّمُ
لغةَ الجذورْ،
ويصعدُ ذاتَ ربيعٍ
سنابلَ
تقرأُ أسماءَ الذينَ
مرّوا من هنا
ولم يمرّوا.

غداً..
حينَ يملُّ الليلُ
من حراسةِ أبوابِه،
وحينَ تتعبُ العتمةُ
من حملِ هذا الركامْ،
سيأتي الفجرُ
لا كضيفٍ عابر،
بل كصاحبِ بيتٍ
عادَ بعدَ طولِ غيابْ.

وسيعودُ الزيتونُ
إلى حديثِهِ الأول،
يمسحُ عن أغصانِهِ
غبارَ السنين،
ويقولُ للريحِ:
مرّي كما تشائينَ..
فنحنُ الذينَ
تعلّمنا من العواصفِ
كيفَ نبقى.

طولكرمُ..
يا امرأةَ الأرضِ
حينَ تسرّحُ جدائلَها
بماءِ الينابيعْ،
ويا مدينةً
لم تتعلّمْ
كيفَ تنحني،
لأنَّ في ظهرِها
قامةَ الزيتونِ،
وفي عينيها
بقايا الفجرِ الأولْ.

يا ابنةَ السهلِ
التي حملتْ على كتفيها
رائحةَ القمحِ،
وصوتَ المآذنِ
حينَ تصعدُ من الحاراتِ
دعاءً قديماً
يشبهُ وجهَ الأمهاتْ.

كم مرَّ عليكِ
من عابرينَ
ظنّوا أنَّ الطريقَ
ينتهي عندَ بواباتِكِ،
وأنَّ الريحَ
إذا اشتدّتْ قليلاً
تقتلعُ شجرةً
ضاربةً جذورَها
في قلبِ التاريخْ.

لكنَّكِ
كنتِ تعرفينَ سرَّكِ..
فالأشجارُ التي تشربُ
من ماءِ الذاكرةِ
لا تسقطُ،
والمدنُ التي تحملُ
أسماءَ أبنائها
في نبضِها
لا تغيبْ.

كم من أمٍّ
وقفتْ عندَ نافذتكِ
تعدُّ خطواتِ الغائبينْ،
وكم من طفلٍ
خبّأ في حقيبتهِ الصغيرةِ
حلماً أكبرَ من الطريقْ.

كانوا يريدونَ
أن يجعلوا من الحزنِ
بيتاً دائماً لنا،
لكنَّكِ فتحتِ نوافذكِ
للشمسِ،
وقلتِ للغدِ:
ادخلْ..
ففي هذه الأرضِ
مكانٌ للحياةْ.

يا طولكرمُ..
يا قصيدةً
كتبتْها السنابلُ
على صفحةِ السهلْ،
يا أغنيةً
كلما ظنّوا أنَّ صوتَها خفتَ،
خرجتْ من بينِ الحجارةِ
أعلى من الصدى.

فيكِ لا يموتُ الذينَ رحلوا،
فالأسماءُ هنا
ليستْ حجارةً على الطرقات،
بل نجومٌ
تدلُّ العائدينَ
على اتجاهِ البيتْ.

وفيكِ لا يضيعُ التعبُ،
فكلُّ قطرةِ عرقٍ
سقطتْ على ترابِكِ
تتحولُ يوماً
سنابلاً من الضوءْ.

غداً..
حينَ يفتحُ السهلُ
أبوابَهُ للربيعْ،
ستعرفُ الطيورُ
أنَّ لها في سمائكِ
موعداً قديماً،
وأنَّ المدينةَ التي حفظتْ
سرَّ الأرضِ
ستستعيدُ
سرَّ الفرحْ.

ليسوا غائبينْ..
هكذا تقولُ الأرضُ
كلما مرَّ الربيعُ
على جراحِها،
فالأسماءُ التي كتبتْها
الأمهاتُ بالدمعِ
لم تسكنِ الغيابْ،
بل اختبأتْ
في عروقِ الشجرْ.

هم الذينَ
تركوا على الأبوابِ
أحلاماً صغيرة،
وخبزاً دافئاً،
وضِحكةَ طفلٍ
لم يكتملْ صداها،
ثم مضوا
ليتركوا للغدِ
طريقاً أقلَّ وحشةْ.

هم الذينَ
حينَ أغمضوا أعينَهم
فتحتِ الأرضُ عيونَها،
وحينَ صمتتْ أصواتُهم
بدأتِ الحقولُ
تتحدثُ بلغتهمْ.

يا أمّهاتِ البلادْ..
لا تبحثنَ عنهم
في صورٍ معلّقةٍ
على جدرانِ الانتظارْ،
فهم في خبزِ الصباحِ،
في رائحةِ القهوةِ،
في يدِ الفلاحِ
وهو يلامسُ سنبلةً
كأنَّهُ يصافحُ اسماً عزيزاً.

هم في الطفلِ
الذي يركضُ نحوَ المدرسةِ،
وفي الفتاةِ
التي تفتحُ نافذةَ البيتِ
لتدخلَ الشمسْ،
وفي العاملِ
الذي يحملُ تعبَ يومِه
ويزرعُ في الطريقِ
خطوةً جديدةْ.

لم يكونوا
رماداً مرَّ وانتهى،
بل ناراً هادئةً
تحتَ رمادِ الأيامْ،
تنتظرُ لحظةَ الريحِ
لتعلنَ أنَّ الجمرَ
كان يحفظُ سرَّ اللهبْ.

فالذينَ أحبّوا الأرضَ
لا تبتلعُهم الأرضُ،
بل تحفظُهم
كما تحفظُ الأمُّ
أسماءَ أطفالِها
في قلبِها الأولْ.

وكلُّ قطرةٍ
سقطتْ على هذا الترابْ
ستعودُ ذاتَ صباحٍ
زهرةً،
أو أغنيةً،
أو يداً صغيرةً
ترفعُ رايةَ الحياةْ.

غداً..
لن تسألَ السنابلُ
عن أسماءِ الذينَ مضوا،
فهي تعرفُهمْ..
إنهمُ الذينَ
علّموها كيفَ تقفُ
في وجهِ الريحْ.

وستقولُ الحقولُ:
هنا مرّوا..
وهنا أحبّوا..
وهنا تركوا
لنا موعداً
مع الفجرْ.

غداً..
لن يأتي الفجرُ
من خلفِ الجبالِ فقط،
بل من داخلِ القلوبِ
التي صبرتْ طويلاً
ولم تُطفئْ مصابيحَها.

سيعودُ الصبحُ
إلى نوافذِ البيوتِ القديمة،
يمسحُ عن زجاجِها
غبارَ الانتظار،
ويوقظُ في الجدرانِ
حكاياتٍ ظنّها العابرونَ
أنها انتهتْ.
ستعودُ الأبوابُ
تعرفُ وقعَ الخطى،
وتعودُ المقاعدُ الفارغةُ
تحتضنُ أصحابَها،
ويصبحُ المفتاحُ القديمُ
ليسَ علامةَ غيابْ،
بل وعداً بالعودةِ
إلى المكانْ.

ستضحكُ الأزقّةُ
التي حملتْ كثيراً
من صمتِ الليل،
وستغسلُ الأمطارُ
وجهَ الحجارةِ،
فتظهرُ تحتَها
أسماءُ الذينَ أحبّوا
هذه الأرضَ
كما تُحبُّ الأمُّ
نبضَ طفلِها.

سيعودُ الفلاحُ
إلى حقلهِ الأول،
لا يحملُ سوى يديه،
لكنَّ يديه
تعرفانِ الطريقْ،
فالأرضُ لا تنسى
من لمسَها بحنانْ،
ولا تخونُ
من سقاها بالتعبْ.

وستنهضُ شجرةُ الزيتونِ
من صمتِها الطويل،
تفتحُ أغصانَها
للريحِ التي عادتْ
صديقةً لا خصماً،
وتقولُ للسنواتِ العابرة:
لقد مررتِ..
لكنّكِ لم تأخذي
ما هو لنا.

سيعرفُ الأطفالُ
أنَّ السماءَ
ليستْ سقفاً بعيداً،
بل مساحةٌ واسعةٌ
لأحلامٍ لا تُحاصرْ،
وأنَّ الطريقَ
الذي مشى عليهِ الآباءُ
كان يمهّدُ
لخطواتِهم الصغيرة.

غداً..
حينَ يفيضُ الربيعُ
في سهولِ طولكرم،
ستخرجُ الأغاني
من مخابئِها،
لا لتبكي ما مضى،
بل لتقولَ للعالمِ:
إنَّ هذه الأرضَ
التي تعبتْ كثيراً
ما زالتْ تعرفُ
كيفَ تمنحُ الحياةْ.

وأنَّ الذينَ زرعوا
فيها المحبةَ والصبرَ
لم يرحلوا،
بل تركوا وراءَهم
نبضاً يمشي،
وصوتاً يكبر،
وحلماً
لا يعرفُ الشيخوخةْ.

غداً..
حينَ تفتحُ فلسطينُ
نافذةَ الصباحِ،
لن تسألَ الريحُ
عن عددِ العواصفِ
التي مرّتْ بها،
بل عن الأغاني
التي بقيتْ حيّةً
رغمَ كلِّ الغيابْ.

ستقومُ من جرحِها
كما تقومُ شجرةٌ
من بينِ شقوقِ الصخر،
لا لتثبتَ أنَّها نجتْ فقط،
بل لتعلنَ
أنَّ الحياةَ
كانت دائماً
أقوى من محاولاتِ إطفائها.

سيعودُ النهرُ
إلى مجراهُ الأول،
وتعودُ الحقولُ
إلى حديثِها القديمْ،
ويعرفُ الطيرُ
أنَّ السماءَ التي ضاقتْ يوماً
لم تكنْ سوى غيمةٍ عابرةْ.

ستحملُ الأمهاتُ
أسماءَ أبنائهنَّ
لا كحكاياتِ فقد،
بل كأغنياتِ وطنٍ
كتبَ على جدرانِ الزمنْ:
هنا مرَّ الذينَ أحبّوا،
هنا صبرَ الذينَ انتظروا،
وهنا بدأَ الصباحْ.

وستعودُ طولكرمُ
إلى صورتِها الأولى،
مدينةً من قمحٍ وماء،
من يدٍ تزرعُ،
وعينٍ تحلمُ،
وقلبٍ لا يتعبُ
من انتظارِ الغدْ.

ستعودُ المآذنُ
تنسجُ مع أجراسِ الكنائسِ
لحنَ المكان،
فالأرضُ التي حفظتْ
خطواتِ العابرينَ
تعرفُ أنَّ المحبةَ
هي اللغةُ الباقيةْ.

غداً..
تُزهرُ الدماءُ
شقائقَ في كفِّ الربيع،
لا لأنَّ الموتَ كانَ أقوى،
بل لأنَّ الحياةَ
وجدتْ طريقَها
من بينِ الركامْ.

سيكبرُ الأطفالُ
الذينَ حملوا في عيونِهم
أسئلةَ الليلِ الطويل،
وسيكتبونَ على دفاترِهم:
كانَ هنا وطنٌ
انتظرَ طويلاً..
ثم جاءَ الصباحْ.

وسيقولُ الترابُ
لمن مرّوا فوقَهُ
ظانّينَ أنَّهم امتلكوا الحكاية:
لم تكونوا
إلا فصلاً عابراً
في كتابِ أرضٍ
تعرفُ كيفَ تكتبُ
بقاءَها.

أما نحنُ..
فسنظلُّ هنا،
نحملُ مفاتيحَ البيوتِ
وذاكرةَ الزيتون،
ونزرعُ في كلِّ شتاءٍ
وعداً جديداً
للربيعْ.

لأنَّ فلسطينَ
ليستْ خبراً عابراً،
ولا صورةً على جدار،
إنها قلبٌ
كلما ظنّوا أنَّهُ تعب،
نبضَ أكثرْ
وإنَّ الدماءَ
التي سقطتْ على ترابِها
لم تكنْ نهايةَ الطريق..
كانتْ البذرةَ الأولى.

⦁ محمد علوش – شاعر من فلسطين

شاهد أيضاً

تطوير سياحة ركوب القوارب المطاطية في جنوب غربي الصين

تطوير سياحة ركوب القوارب المطاطية في جنوب غربي الصين

شفا – هوانغبينغ 31 يوليو 2026 (شينخوا) في الصورة الملتقطة يوم 29 يوليو 2026، سياح …